تقاريرعربي ودولي

هل يحقق التدرج في نزع سلاح حزب الله وصفة للحل في لبنان؟

المصدر

في ظل التحولات السياسية والأمنية التي يشهدها لبنان والمنطقة، عاد ملف سلاح حزب الله إلى صدارة المشهد مع انطلاق جولات التفاوض غير المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.
وبينما تصر تل أبيب على أن أي تهدئة مستدامة لا يمكن أن تتحقق من دون تفكيك البنية العسكرية للحزب، تبدو الدولة اللبنانية أكثر ميلا إلى مقاربة تدريجية تقوم على الاحتواء السياسي والأمني والاقتصادي بدلا من المواجهة المباشرة.
ومن هنا يبرز سؤال أساسي: هل يمكن أن يشكل “التدرج” مدخلا واقعيا لنزع سلاح حزب الله، أم أن تعقيدات الداخل اللبناني وتشابكات الإقليم تجعل هذا الهدف بعيد المنال؟
وتأتي هذه التساؤلات في لحظة حساسة يعيشها لبنان، حيث تتقاطع الضغوط الدولية مع الانقسام الداخلي والأزمة الاقتصادية والانفلات الأمني على الحدود الجنوبية. فالحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، التي ترافقت مع المواجهة الأميركية – الإيرانية الأوسع، أعادت تسليط الضوء على معضلة “السلاح خارج الدولة”، لكنها كشفت أيضا محدودية الخيارات المتاحة أمام السلطات اللبنانية.

ولا يمثل حزب الله مجرد فصيل عسكري يمكن التعامل معه كتنظيم مسلح تقليدي، بل هو بنية سياسية وأمنية واجتماعية متجذرة داخل المجتمع اللبناني، وخصوصا في البيئة الشيعية.
وعلى مدى عقود، تمكن الحزب من بناء شبكة نفوذ واسعة تشمل العمل السياسي والاقتصادي والخدمات الاجتماعية، إلى جانب ترسانة عسكرية ضخمة تعتبرها إسرائيل التهديد الأمني الأكبر على حدودها الشمالية.
ولهذا، ترى الدولة اللبنانية أن أي محاولة لمعالجة ملف السلاح يجب أن تتم عبر مسار طويل ومتدرج، يأخذ في الاعتبار التوازنات الطائفية والسياسية الهشة في البلاد. فالمواجهة المباشرة مع الحزب قد تدفع لبنان إلى صدام داخلي واسع لا يملك مقومات تحمله، خصوصا في ظل الانقسام السياسي الحاد والانهيار الاقتصادي المستمر.
ومن هذا المنطلق، بدأت السلطات اللبنانية خلال الأشهر الأخيرة في اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد تهدف إلى تقليص نفوذ الحزب تدريجيا وتعزيز حضور الدولة.
وقد شملت هذه المقاربة خطوات سياسية وأمنية ومالية وقضائية، في محاولة لخلق بيئة داخلية أكثر ملاءمة لاستعادة احتكار الدولة للسلاح والقرار الأمني.
وسياسيا، حاول الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام توجيه رسائل واضحة تؤكد أولوية حصر السلاح بيد الدولة ورفض أي قرار بالحرب والسلم خارج المؤسسات الرسمية.
كما شددت السلطات على أن أي مفاوضات مع إسرائيل لا تعني التخلي عن السيادة، بل تهدف إلى تثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
وعلى المستوى الأمني، بدأت الدولة بإجراء تغييرات داخل بعض الأجهزة والمؤسسات الحساسة التي لطالما اتُّهم حزب الله بامتلاك نفوذ واسع فيها، خصوصا في مطار بيروت ومرفأ العاصمة.
كما كثف الجيش اللبناني انتشاره في الجنوب، ونفذ عمليات لإزالة مواقع عسكرية وأنفاق ومخازن أسلحة في المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، في إطار تنفيذ خطة حكومية لنزع المظاهر المسلحة تدريجيا من تلك المنطقة.

غير أن هذه الخطوات تبقى محدودة مقارنة بحجم البنية العسكرية والتنظيمية التي يمتلكها الحزب. فحزب الله لا يزال يحتفظ بقدرات صاروخية وعسكرية كبيرة، إضافة إلى شبكة أمنية واستخباراتية متشعبة.
كما أن الحزب يرفض بشكل قاطع أي حديث عن نزع كامل لسلاحه، معتبرا أن ترسانته تشكل جزءا من “معادلة الردع” في مواجهة إسرائيل، وأن الضغوط الداخلية والخارجية تستهدف إضعاف “المقاومة” وليس فقط تعزيز سلطة الدولة.
وفي هذا السياق، تبدو فكرة “النزع الفوري” أو “الحسم السريع” غير واقعية، سواء بالنسبة للحكومة اللبنانية أو حتى للمجتمع الدولي. فالقوى الغربية والعربية الداعمة للبنان تدرك أن أي محاولة لفرض حل بالقوة قد تؤدي إلى انهيار الاستقرار الداخلي وإشعال مواجهة أهلية جديدة، وهو سيناريو لا يبدو أن أحدا مستعد لتحمل تبعاته.
كما أن قدرات الجيش اللبناني نفسه تفرض حدودا واضحة على أي مواجهة محتملة مع الحزب. فالجيش، رغم الدعم الدولي الذي يتلقاه، يعاني من أزمات مالية ولوجستية كبيرة، ويواجه تحديات متعددة تشمل حماية الحدود مع سوريا، والحفاظ على الأمن الداخلي، ومنع الانهيار الكامل للمؤسسات الأمنية. وبالتالي، فإن خوض مواجهة شاملة مع حزب الله يتجاوز إمكاناته الحالية.
وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى الملف من زاوية مختلفة تماما. فبالنسبة لتل أبيب، الأولوية المطلقة تتمثل في إزالة التهديد العسكري المباشر على حدودها، خصوصا الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والبنية التحتية العسكرية للحزب في الجنوب اللبناني.
ولهذا، تميل إسرائيل إلى الاعتماد على الضغط العسكري المكثف باعتباره الوسيلة الأسرع والأكثر فعالية لدفع الدولة اللبنانية نحو خطوات أكثر حزما.
لكن التجارب السابقة أظهرت أن القوة العسكرية وحدها لم تنجح في إنهاء حزب الله أو تفكيك بنيته. فمنذ التسعينات، خاضت إسرائيل حروبا وعمليات عسكرية متكررة ضد الحزب، من “عناقيد الغضب” إلى حرب 2006 وما تلاها، لكنها لم تتمكن من القضاء عليه، بل ساهمت بعض تلك المواجهات في تعزيز صورته داخل بيئته الحاضنة باعتباره قوة “مقاومة”.

كما أن التصعيد الإسرائيلي الواسع، بما يشمله من قصف للبنية التحتية وسقوط ضحايا مدنيين ونزوح جماعي، غالبا ما يضعف موقف الدولة اللبنانية ويعقد جهودها في مواجهة الحزب سياسيا وشعبيا. فكلما ازداد الضغط العسكري الإسرائيلي، ازدادت قدرة حزب الله على تقديم نفسه كمدافع عن لبنان في مواجهة “العدوان الخارجي”.
ومن هنا، يرى عدد من المراقبين أن التدرج قد يكون الخيار الواقعي الوحيد المتاح، ليس بهدف نزع السلاح بشكل كامل وفوري، بل لتقليص الدور العسكري للحزب تدريجيا وتعزيز دور الدولة على مراحل.
ويشمل ذلك توسيع انتشار الجيش، وتشديد الرقابة على التمويل والسلاح، وتعزيز المؤسسات الرسمية، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المناطق التي تشكل قاعدة دعم للحزب.
كما أن نجاح هذا المسار يتطلب وجود تفاهمات إقليمية أوسع، خصوصا بين الولايات المتحدة وإيران، باعتبار أن حزب الله يشكل جزءا أساسيا من شبكة النفوذ الإيرانية في المنطقة. فطالما بقي الصراع الإقليمي مفتوحا، سيظل سلاح الحزب مرتبطا بحسابات تتجاوز الساحة اللبنانية الداخلية.
وإلى جانب ذلك، يحتاج المسار التدريجي إلى إجراءات متبادلة لبناء الثقة. فالدولة اللبنانية تحتاج إلى مساحة سياسية وأمنية للتحرك، وهو ما يتطلب من إسرائيل تقليص عملياتها العسكرية، والانسحاب من بعض المناطق الحدودية، ووقف الضربات التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية، بما يسمح للحكومة اللبنانية بإظهار قدرتها على إدارة الملف داخليا.
وفي المحصلة، لا يبدو أن لبنان يتجه نحو سيناريو سريع لنزع سلاح حزب الله، بل نحو عملية طويلة ومعقدة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والحزب ضمن توازنات داخلية وإقليمية شديدة الحساسية.
وبين الرؤية اللبنانية القائمة على التدرج والاحتواء، والرؤية الإسرائيلية التي تركز على الحسم الأمني، يبقى مستقبل هذا الملف مرهونا بقدرة الأطراف المختلفة على تجنب الانفجار الكبير وإدارة الصراع ضمن حدود يمكن احتواؤها.
وفي ظل غياب تسوية إقليمية شاملة، يبدو أن “التدرج” ليس وصفة سحرية لحل الأزمة، لكنه ربما الخيار الوحيد الممكن في بلد هش كلبنان، حيث قد يكون منع الانهيار الشامل أولوية تسبق أي محاولة لفرض حلول جذرية وسريعة.

واشنطون

عن مصدر الخبر

المصدر

Editor

Ads Here