تقاريرثقافة ومجتمع

فن “الكوميكس” في المغرب.. بدايات مبكرة وتحديات راهنة

المصدر

القصص المصورة (أو ما يعرف أيضا بالأشرطة المرسومة و”الكوميكس”) هي فن يجمع بين الصورة والكلمة في قالب سردي يقوم على الإيقاع البصري والحكي المكثف. ورغم أن هذا الفن ظل طويلا على هامش الثقافة المغربية مقارنة بالشعر والرواية والمسرح، فإنه استطاع، عبر عقود من التحولات البطيئة، أن يفرض حضوره بوصفه أداة للتعبير الاجتماعي والسياسي، وفضاء بصريا يعكس تحولات المجتمع المغربي نفسه. فقد انتقل من مجرد مواد مستوردة موجهة للأطفال إلى أعمال فنية توثق الذاكرة الجماعية، وتطرح أسئلة الهوية والحرية والمدينة والهامش.

البدايات البطيئة وتشكل الوعي الفني

في الحقبة الاستعمارية، كان المغرب مفتوحا بقوة على التأثيرات الثقافية الأوروبية، خاصة الفرنسية والإسبانية. فكانت المجلات الأجنبية التي تنشر القصص المصورة تصل إلى المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة، وتحظى بإقبال واضح من الأطفال والشباب المتعلمين في المدارس العصرية. انتشرت شخصيات مثل “تان تان” و“أستريكس” و“ميكي”، وصارت جزءا من المخيال البصري لجيل كامل.

وفي الدارجة المغربية كان الأطفال يسمونها ببساطة: “مجلة ميكي”، أو “تيتان” في تحوير شعبي لكلمة Tintin، وأحيانا “مجلات الصور والحكايات” أو “كوميك الفرنسيس”. هذه التسمية الشعبية تكشف أن هذا الفن لم يكن ينظر إليه بوصفه أدبا بصريا مستقلا، بل باعتباره تسلية طفولية مرتبطة بالرسوم والمرح.

لكن، رغم الانتشار الواسع لهذه المجلات، لم يكن هناك إنتاج مغربي فعلي للقصص المصورة خلال تلك الفترة. ظل المغرب مستهلكا للأشكال الغربية دون أن يطور خطابا بصريا يعكس واقعه المحلي. ويمكن تفسير ذلك بضعف البنية الثقافية، وغياب دور نشر متخصصة، إضافة إلى النظرة التقليدية التي لم تكن تعتبر الصورة وسيلة فنية جادة للتعبير.

بعد الاستقلال سنة 1956، بدأت الحياة الثقافية المغربية تعرف دينامية جديدة شملت المسرح والرواية والفنون التشكيلية والصحافة، غير أن القصص المصورة ظلت هامشية نسبيا. ومع ذلك، ظهرت محاولات فردية عبر الصحف والمجلات، خصوصا ذات التوجه السياسي، لاستعمال السرد البصري في التعبئة أو التثقيف. لعبت صحف مثل “العلم” و”المحرر” و”الاتحاد الاشتراكي” دورا مهما في هذا السياق، إذ بدأت تنشر رسوما وقصصا قصيرة ذات طابع سياسي واجتماعي، قريبة أحيانا من الكاريكاتور وأكثر قربا من الأشرطة المصورة أحيانا أخرى.

لم تكن هذه الأعمال متطورة تقنيا، لكنها أسست لوعي جديد بالصورة باعتبارها لغة قادرة على النقد والاحتجاج. كما أن مجلات ثقافية مثل “أنفاس”، رغم أنها لم تكن متخصصة في القصص المصورة، ساهمت في خلق حساسية جمالية حداثية أثرت لاحقا على أجيال من الفنانين المغاربة الذين رأوا في الصورة وسيلة لتفكيك الواقع وإعادة تأويله.

من الكاريكاتور إلى الأشرطة المصورة
في السبعينات والثمانينات، ازداد بقوة حضور الكاريكاتور السياسي والاجتماعي في الصحافة المغربية، خاصة مع تصاعد التوترات السياسية والاجتماعية. وقد مهد هذا الانتشار الطريق أمام تطور الأشرطة المصورة، لأن الرسامين اكتسبوا خبرة في استخدام الصورة الساخرة والتكثيف البصري. وفي تلك المرحلة ظهر اسم عبد العزيز مريد، الذي يعتبر من أبرز رواد القصص المصورة المغربية. استلهم مريد تجربته من سنوات الاعتقال السياسي، وحول معاناة السجون المغربية إلى مادة سردية بصرية ذات قوة توثيقية نادرة. لم تكن أعماله مجرد رسوم، بل شهادات فنية على مرحلة من “سنوات الرصاص”، حيث اختلط الفن بالذاكرة السياسية والاحتجاج الحقوقي.

ومع التسعينات، بدأت القصص المصورة المغربية تتحرر تدريجيا من التأثيرات الغربية المباشرة. صار الفنانون يسعون إلى خلق شخصيات وأمكنة وأجواء مستمدة من الحياة المغربية اليومية: الأزقة الشعبية، المقاهي، الحافلات، الأسواق، اللهجات المحلية، والهواجس الاجتماعية المرتبطة بالفقر والبطالة والهجرة والتحولات السياسية. هنا بدأت ملامح “كوميكس مغربي” تتشكل فعلا، لا بوصفه نسخة عربية من النماذج الأوروبية، بل باعتباره لغة بصرية محلية لها حساسية خاصة.

مهرجانات وحركية فنية جديدة

مع بداية الألفية الجديدة، شهدت القصص المصورة في المغرب قفزة نوعية بفضل تنظيم مهرجانات خاصة بهذا الفن، في الدار البيضاء ومكناس وتطوان. لكن يبقى أبرزها “المنتدى الدولي للأشرطة المرسومة” بتطوان، الذي افتتح لأول مرة عام 2004 واحتفل بدورته 19 قبل أيام، وهو ملتقى للفنانين والمبدعين في مجال القصص المصورة من مختلف أنحاء العالم، ويهدف إلى تعزيز هذا الفن في المغرب والمنطقة العربية. يتم تنظيم المنتدى تحت إشراف “جمعية تطوان للفن السابع”، ويعد من أبرز الفعاليات الثقافية في المغرب التي تهتم بهذا المجال.

ومنذ انطلاقته، شهد المنتدى تطورا ملحوظا في عدد المشاركين من دول متعددة، وأصبح وجهة رئيسة للفنانين، الناشرين، والمبدعين المهتمين بهذا الفن. يتضمن المنتدى مجموعة من الأنشطة والفعاليات المتنوعة مثل المعارض، وورش العمل، والندوات، وعروض الأفلام المتخصصة في القصص المصورة، مما يجعل منه حدثا شاملا يجذب محبي هذا الفن ويزيد وعي الجمهور المغربي والعربي به. وهو يساهم بشكل كبير في دعم وتطوير فن القصص المصورة في المغرب، حيث أصبح منصة لتكريم المبدعين المغاربة والعالميين في هذا المجال، مما يعزز مكانة هذا الفن في المساحة الثقافية المغربية.

إلى جانب المهرجانات، بدأ الفنانون المغاربة في إصدار كتبهم الخاصة التي تعالج قضايا متنوعة. على سبيل المثل، تناولت بعض الكتب قضايا المرأةوالحقوق الفردية، بينما ركزت أخرى على التحديات التي يواجهها الشباب في ظل التغيرات الاجتماعية والاقتصادية. ساهمت هذه المنشورات في توسيع جمهور القصص المصورة، اذ لم تعد موجهة للأطفال فقط، بل أصبحت تخاطب البالغين أيضا. كما بدأت المؤسسات الثقافية في المغرب تدرك قيمة القصص المصورة كأداة تعليمية وثقافية. هذا الإدراك المتزايد يعزز مكانة هذا الفن ويشجع على الاستثمار فيه، مما يفتح المجال أمام ظهور المزيد من الإبداعات التي تعكس الواقع المغربي وتبرز هويته الثقافية.

وفي هذه المرحلة أيضا، ظهرت تجارب مستقلة مهمة، من أبرزها مجلة “سكفكف”  (Skefkef)، التي صدرت بين يوليو/ تموز 2013 ومايو/ أيار 2018، وشكلت منعطفا أساسيا في تاريخ القصص المصورة بالمغرب. فقد حاولت هذه المجلة أن تخلق فضاء حرا للفنانين الشباب، وأن تقدم أعمالا تستلهم الواقع المغربي مباشرة، سواء من خلال اللغة أو الأسلوب أو الموضوعات. كانت “سكفكف” تعبيرا عن جيل جديد يرى في القصص المصورة فنا معاصرا قادرا على مساءلة المجتمع، وليس مجرد مادة ترفيهية للأطفال.

التحديات

رغم التطورات الكبيرة التي شهدها هذا الفن، بما فيها فتح شعبة لتدريس الأشرطة المرسومة في المعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان لأول مرة في القارة الأفريقية، إلا أنه لا يزال يواجه العديد من التحديات. أول هذه التحديات هو النظرة التقليدية التي تعتبر القصص المصورة نوعا من الترفيه السطحي للأطفال، مما يحد من انتشارها كفن ناضج يحمل رسائل ثقافية عميقة.

إضافة إلى ذلك، تعاني صناعة القصص المصورة في المغرب من ضعف البنية التحتية. كما يفتقر القطاع إلى آليات توزيع فعالة تسمح للأعمال المغربية بالوصول إلى الأسواق العالمية. ومن بين التحديات الأخرى، المنافسة مع الإنتاجات الغربية التي تتميز بتقنيات متطورة وميزانيات ضخمة. هذه المنافسة تجعل من الصعب على الفنانين المغاربة تحقيق انتشار واسع لأعمالهم، خصوصا أن السوق المحلية محدودة.

إن القصص المصورة في المغرب هي قصة تطور مستمر، انتقلت من تأثيرات غربية محدودة إلى حالة من النضج الفني الذي يعكس خصوصية الهوية المغربية. ورغم التحديات، استطاع هذا الفنان يثبت مكانته كأداة فعالة للتعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية، والتوثيق التاريخي، ونقل الثقافة المغربية إلى العالم. مع استمرار الابتكار والدعم، يبدو أن القصص المصورة في المغرب مهيأة لتصبح جزءا لا يتجزأ من الثقافة الوطنية والدولية.

نجيب مبارك

عن مصدر الخبر

المصدر

Editor

Ads Here