سوريا ليست مستعدة بعد لخوض حرب خارج حدودها
في 7 يونيو/حزيران، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مقابلة إنه “يود أن يرى ضربة أكثر دقة ضد (حزب الله)… يمكننا المساعدة في ذلك، أو يمكننا أن نوصي بسوريا… لديهم قائد جيد جدا … وسيكون سعيدا بالمساعدة”.
وفي الأيام التي تلت، توالت تقارير حول دعوةٍ وجهها ترمب للرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن لعقد لقاء بارز في 14 يونيو/حزيران، يوم عيد ميلاد ترمب. غير أن واشنطن ودمشق تنفيان الآن إدراج مثل هذا اللقاء على جدول الأعمال، في حين رفضت سوريا التلميحات إلى احتمال نشر قوات لها في لبنان. كذلك عبّر الرئيس اللبناني جوزيف عون عن ثقته بأن الشرع لن ينزلق إلى تعقيدات الداخل اللبناني.
وتندرج هذه الواقعة ضمن سلسلة تقارير بدأت مع ما نشرته “رويترز” في 17 مارس/آذار، حين أشارت إلى أن واشنطن كانت تشجع الشرع على النظر في إرسال قوات سورية إلى لبنان للمساعدة في نزع سلاح “حزب الله”. وتكشف هذه التقارير، في مجموعها، عن توتر جوهري في العلاقة الأميركية-السورية التي تتلمس طريقها إلى التشكل. فمع أن سوريا في عهد الشرع تبدو مستعدة للشراكة مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين في احتواء إيران وتعزيز الاستقرار الإقليمي، فإنها لا تبدو راغبة، ولا مهيأة بما يكفي، لأداء دور قوة تدخل خارجية ضد جماعات مدعومة من إيران خارج حدودها، سواء تعلق الأمر بـ”حزب الله” في لبنان أو بالميليشيات الشيعية في العراق.
وفي الحالة اللبنانية تحديدا، سيجد “حزب الله” على الأرجح في أي خطوة من هذا النوع فرصة لإحياء خطابه التعبوي حول “المقاومة”. وقد يفتح ذلك الباب أمام صراع طائفي بين السوريين واللبنانيين، ولا سيما في ظل الذاكرة الثقيلة لحضور “حزب الله” في سوريا خلال سنوات الحرب.
ويمكن لإدارة ترمب أن تساعد في احتواء هذا التوتر عبر الإقرار بحدود قدرات الحكومة السورية ومؤسساتها الأمنية، وهي مؤسسات لا تزال في طور التكوين. وبدلا من دفع دمشق نحو مهمات عسكرية محفوفة بالمخاطر خارج حدودها، ينبغي لواشنطن أن تركز على توسيع التعاون في الملفات التي تتقاطع فيها المصالح بالفعل، وفي مقدمتها أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وإعادة إعمار سوريا على المدى الطويل.
استجابة محسوبة لأزمة إيران
حتى الآن، اعتمدت دمشق مقاربة حذرة ومحسوبة إزاء الحرب مع إيران. فقد اصطفّت دبلوماسياً مع الدول العربية وواشنطن في إدانة أفعال إيران، وعززت حدودها، وتجنبت التصعيد. لكنها أبقت، في الوقت نفسه، عينها على إسرائيل، التي قصفت في 20 مارس/آذار بنى تحتية للجيش السوري في الجنوب دعما لعناصر درزية، ووسعت بدرجة كبيرة عملياتها في لبنان المجاور. ويعكس هذا التوازن حذرا استراتيجياً وحدودا بنيوية لحكومة فتية.
على الصعيد الدبلوماسي، أجرى وزير الخارجية أسعد الشيباني اتصالات عدة مع حلفاء الولايات المتحدة في الخليج وتركيا والعواصم الغربية منذ اندلاع الأعمال القتالية للمرة الأولى في 28 فبراير/شباط، من دون أن يجري اتصالات مماثلة مع إسرائيل. كما دانت وزارة الخارجية الهجمات الإيرانية على دول عربية، معربة عن تضامنها مع السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر والكويت والأردن.
وعزز الشرع هذه الرسالة عبر تواصل مباشر مع قادة المنطقة، شمل اتصالات بملوك وأمراء الخليج، وتنسيقا مع مسؤولين في بغداد وحكومة إقليم كردستان. وبحلول 1 مارس/آذار، كانت سوريا قد انضمت إلى دول مجلس التعاون الخليجي والأردن في إدانة الضربات الإيرانية “بأشد العبارات”، واضعة دمشق بوضوح ضمن كتلة عربية ناشئة مناوئة لإيران.
وفي الوقت نفسه، واصلت سوريا ضبط وضعها العسكري والتركيز على تأمين أراضيها. ففي أوائل مارس/آذار، أفادت تقارير بأنها نشرت آلاف الجنود، إلى جانب آليات مدرعة ومنظومات صاروخية قصيرة المدى، على الحدود مع لبنان والعراق. وأشار أحد التقارير إلى أن الوحدات التي أُرسلت إلى الجبهة اللبنانية ضمت عناصر نخبوية أوزبكية وأويغورية أُدمجت في القوات المسلحة السورية خلال العام الماضي، بما يسلط الضوء على تبدل بنية الجيش، واستمرار اعتماده على مقاتلين أجانب قد يكون بعضهم مرتبطا بأيديولوجيات متطرفة.
وقد حرص المسؤولون السوريون على تقديم هذه الانتشارات في إطار دفاعي. فوصفها ضباط عسكريون بأنها محاولة لمكافحة التسلل وتهريب المخدرات والأسلحة من جانب “حزب الله” وميليشيات شيعية أخرى. وفي مارس/آذار، قالت وزارة الدفاع السورية إن التعزيزات تهدف إلى تحسين المراقبة، وتسيير الدوريات عند المعابر الحدودية، ومكافحة التهريب، لا التحضير لعمليات هجومية. وبالمثل، قللت السلطات من شأن التقارير عن نشر صواريخ، وأدرجتها ضمن موقف ردعي أوسع، مع تأكيد المسؤولين أن الأراضي السورية لن تُستخدم منصة للمواجهة.
قيود صلبة ومخاطر تصعيد
على المستوى السياسي، كانت دمشق واضحة في اصطفافها مع الأهداف الأميركية ضد “حزب الله”، الذي ساعد نظام الأسد في قمع قوات المعارضة السورية خلال الحرب الأهلية، ومن بينها جماعة “هيئة تحرير الشام” التي كان يقودها الشرع سابقا. وفي 9 مارس/آذار، أيّد الشرع علنا جهود الرئيس اللبناني جوزيف عون لنزع سلاح “حزب الله”. وفي الوقت نفسه، حذر من أن الصراع الإقليمي الأوسع يشكل “تهديدا وجوديا” لاستقرار الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي.
وتعكس مقاربة الشرع الحذرة واقع القطاع الأمني السوري، الذي لا يزال في طور التشكل. فالحكومة تواصل توحيد القوات العسكرية وأجهزة الأمن الداخلي بعد سنوات من التشظي والحرب الأهلية. ومع أن فصائل متمردة سابقة انضمت رسميا إلى وزارة الدفاع، فإن كثيرا منها لا يزال يحتفظ بهامش واسع من الاستقلالية، بما يعقّد جهود بناء قيادة موحدة وسيطرة مركزية. كما يثير إدماج مقاتلين أجانب في بعض الوحدات النخبوية أسئلة إضافية حول التماسك والموثوقية في أي عملية عابرة للحدود.
وفي الأثناء، لا تزال التحديات الأمنية الداخلية كبيرة. فخلال الأشهر القليلة الماضية، نفذت السلطات السورية عمليات ضد خلايا تابعة لتنظيم “الدولة الإسلامية” في دير الزور وقرب دمشق، وأحبطت هجمات كانت قيد التخطيط واعتقلت عناصر ناشطة. ومنذ الانسحاب العسكري الأميركي في 16 أبريل/نيسان، أخذت مسؤولية عمليات مكافحة التنظيم تقع على عاتق دمشق بدرجة متزايدة.
وتؤكد هذه الأعباء حقيقة أساسية: فحكومة لا تزال تعمل على تأمين أراضيها ليست في موقع يسمح لها بفتح جبهة جديدة في لبنان أو العراق. وأي تدخل سوري في لبنان سيحمل مخاطر كبيرة على دمشق وواشنطن معا.
أولا، قد يشعل مثل هذا التدخل تصعيدا إقليميا أوسع، يستدرج شبكات مدعومة من إيران عبر سوريا والعراق وما وراءهما. ثانيا، قد يؤجج التوترات الطائفية. فمن شبه المؤكد أن يصور “حزب الله” القوات السورية على أنها من الجهاديين السنة، بينهم مقاتلون سوريون وأوزبك وأويغور، عازمون على استهداف المجتمعات الشيعية، بما قد يعزز التأييد لـ”الحزب” داخل بيئته الأساسية. ثالثا، قد يقوض شرعية الدولة اللبنانية. ففي ضوء احتلال سوريا للبنان ثلاثة عقود في عهد نظام الأسد، سيُنظر على الأرجح إلى أي حضور عسكري سوري جديد على أنه إكراه أجنبي، وليس دعما للسيادة اللبنانية.
وبدلا من التفكير في عمليات خارج الحدود، اتبعت دمشق مجموعة مختلفة من الأولويات خلال الأزمة الراهنة. فقد ركزت، أولا، على منع انتقال التداعيات إلى سوريا عبر تعزيز أمن الحدود والمراقبة والدوريات على الجبهتين اللبنانية والعراقية.
ثانيا، سعت إلى الحفاظ على اصطفاف سياسي مع الدول العربية وواشنطن، وإن ظل غياب الاصطفاف مع إسرائيل لافتا. ويعكس التواصل الدبلوماسي السوري وإدانة أفعال إيران محاولة لإعادة تموضع البلاد داخل النظام الإقليمي العربي، بعد سنوات كانت فيها مركزا للنفوذ الإيراني. وفي الوقت نفسه، أفادت تقارير بأن الشرع حذر مسؤولين لبنانيين من تحركات إسرائيلية محتملة قد تزيد التوتر بين الدول العربية. ومع ذلك، امتنعت دمشق إلى حد بعيد عن تحدي استخدام إسرائيل المتكرر للمجال الجوي السوري لضرب أهداف إيرانية علنا.
ثالثا، تعمل الحكومة على إدارة ضغوط داخلية متصاعدة. فقد عطل الصراع إمدادات الطاقة، وأجج موجات شراء بدافع الهلع، وسرّع تدفق اللاجئين. ووفقا للتقارير، عبر أكثر من 125 ألف سوري من لبنان خلال أيام من اندلاع الصراع، ما أضاف عبئا جديدا إلى اقتصاد هش وجهاز دولة لا يزال محدود القدرة.
دلالات ذلك على السياسة الأميركية
ينسجم موقف سوريا في زمن الحرب مع الجهود الأميركية الرامية إلى منع إيران من دفع الشرق الأوسط نحو مزيد من زعزعة الاستقرار. غير أن بوسع المسؤولين الأميركيين فعل المزيد لمساعدة دمشق على تحصين نفسها من تداعيات الصراع، وتقريب الحكومة الجديدة من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين.
* ينبغي لواشنطن أن لا تشجع تدخلا عسكريا سورياً في لبنان. فحتى الانطباع بوجود توقعات من هذا النوع قد يخلق حوافز خطيرة وحسابات خاطئة لدى أطراف مختلفة، وربما يدفعها إلى خطوات تهدد المصالح الأميركية. ومن شأن موقف علني واضح في هذه المسألة أن يضبط التوقعات الإقليمية ويحد من خطر التصعيد.
* يجب عدم ربط رفع تصنيف سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب، أو رفع عقوبات أميركية أخرى عنها، بدخولها إلى لبنان. وبدلا من ذلك، ينبغي لواشنطن أن تركز على سبل مساعدة سوريا في خطط إعادة الإعمار والطاقة. وعلى إدارة ترمب أن ترسم مسارا تدريجيا نحو إزالة هذا التصنيف والعقوبات الأخرى، إذا أحرزت دمشق تقدما قابلا للقياس في مجالات الشمول السياسي، والتعاون الأمني، والإصلاح الاقتصادي. ومن شأن هذا النهج أن يمنح دمشق حافزا قويا للتحرك، مع إبقاء النفوذ الأميركي قائما في مسار سوريا.
* دعم جهود سوريا في أمن الحدود. فالانتشار العسكري الأخير يشير إلى أن دمشق تركز بالفعل على منع التهريب والتسلل، ولذلك ينبغي للولايات المتحدة أن تعزز هذا التوجه عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتقديم المساعدة التقنية، والتنسيق مع السلطات في لبنان والعراق وسواهما. إن تقوية ضبط الحدود وسيلة عملية لتقييد الشبكات اللوجستية لـ”حزب الله” من دون إشعال مواجهة مفتوحة. وينبغي لإدارة ترمب أيضا أن تنظر في تحرك أميركي أكثر تنسيقا ضد الميليشيات الموالية لإيران في العراق، ولا سيما في ضوء الضربات الصاروخية الأخيرة العابرة للحدود على قاعدة عسكرية في شمال شرقي سوريا.
* إدماج سوريا في إطار إقليمي أوسع لاحتواء إيران. ويشمل ذلك التنسيق مع دول الخليج والشركاء الأوروبيين ولبنان أثناء الصراع الراهن وبعده، في ملفات مثل تدفقات اللاجئين، والوصول الإنساني، وإعادة الإعمار بعد الحرب. ولهذه الغاية، ينبغي لواشنطن أيضا أن تسرع جهودها للتوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل. فالموقع الجغرافي لسوريا يجعلها عقدة أساسية في أي استراتيجية إقليمية، حتى إن لم تكن طرفا مقاتلا في الخطوط الأمامية.
* تجنب تحميل العلاقة مطالب تفوق قدرة سوريا. فالضغط على دمشق لتولي مهمات لا تستطيع تحملها قد يزعزع استقرار الدولة الهشة، وربما يفتح ثغرات أمام عودة تنظيم “الدولة الإسلامية”، ويقوض أهدافا إقليمية أوسع
وفي السعي إلى هذا التعاون، لا ينبغي أن يكون معيار السياسة الأميركية ما إذا كانت سوريا ستدخل لبنان أو العراق لقتال وكلاء إيران، بل ما إذا كانت تواصل اتخاذ خطوات تدعم الاستقرار الإقليمي، مثل تأمين حدودها، والحد من تدفق الأسلحة والمقاتلين الإيرانيين، والتنسيق سياسيا مع لبنان وجيران آخرين، والابتعاد عن الأجندة العسكرية لطهران. وبناء على هذه المعايير، ظل سلوك سوريا منذ 28 فبراير/شباط منسجما إلى حد بعيد مع المصالح الأميركية. فقد دانت أفعال إيران، وعززت دفاعاتها الحدودية، وتجنبت خطوات كان يمكن أن تصعّد الصراع.
ومن المؤكد أن هذا الاصطفاف لا يزال هشا ومشروطا. فهو يعكس تقاطعا في المصالح أكثر مما يعكس تحالفا رسميا، وقد يتبدل إذا تغيرت الديناميات الإقليمية. ومع ذلك، فإنه تطور مهم ينبغي لواشنطن أن تعمل على تعزيزه، لا إرباكه، مع نمو التقارب الناشئ مع دمشق.
قد تبدو فكرة الدفع بسوريا في عهد الشرع إلى التحرك ضد “حزب الله” جذابة من الناحية النظرية، ولا سيما في ظل عجز الدولة اللبنانية عن مواجهة “الحزب” بفعل القيود الداخلية والتوازنات الطائفية والسياسية. غير أن هذه الفكرة تنطوي على مخاطر كبيرة ومكاسب محدودة. فسوريا اليوم ليست في وضع عسكري أو سياسي أو اقتصادي يؤهلها لخوض مواجهة خارج حدودها، وتشجيعها على أداء هذا الدور قد يفتح أبواب تصعيد أوسع، ويقوض الترتيب الإقليمي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى بنائه.
ويبقى النهج الأكثر فاعلية هو التعامل مع سوريا كما هي، لا كما قد تتمنى واشنطن أن تكون: حكومة جديدة تركز على إعادة بناء بلد محطم، وتأمين حدوده، واستئناف الانخراط بحذر مع الشركاء الإقليميين، مع تجنب التورط في حرب إقليمية.
أندرو تابلر
