تقاريرعلوم وتكنلوجيا

أوروبا لن تصبح أبداً قوة عظمى في الذكاء الاصطناعي

المصدر

أظهر الحظر الأميركي الأخير على تصدير أحدث طرازات شركة “أنثروبيك”، “ميثوس 5” و”فايبل 5″، عمق التبعية الأوروبية لعمالقة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة. ورغم احتمال تراجع واشنطن عن هذا القرار قريبا، إلا أن الإنذار صار جليا: الحظر قد يتجدد في أي وقت. وبالمثل، فإن احتدام التنافس على القدرة الحاسوبية اللازمة للذكاء الاصطناعي يبقي التدخل السياسي وارداً في أي وقت، لمنح المستخدمين الأميركيين أولوية الوصول.

وإن لم تغير أوروبا مسارها جذريا، فإنها تخاطر بالوقوع في فخ الركود التكنولوجي، معزولة عن أحدث التقنيات، مما يهدد أمنها وازدهارها بعواقب وخيمة. هذا المستقبل القاتم رسم ملامحه بدقة سيناريو “أوروبا 2031″، الذي أعده نخبة من الباحثين والمستثمرين الأوروبيين في مجال الذكاء الاصطناعي.

لكن مبادرة “يوروستاك”، المبادرة الأبرز لتعزيز استقلال أوروبا، تقدم بدلا من ذلك رؤية غير واقعية، ولا ترتقي لمواجهة احتمال ظهور ذكاء اصطناعي قوي قريبا. وفي أسوأ الأحوال، لن يقتصر هذا النهج على الفشل الجزئي، بل سيترك أوروبا مكشوفة ومعتمدة كليا في النهاية. والمفارقة أن الطريق الأكثر واقعية لتمكين أوروبا يكمن في بناء روابط أقوى مع رواد الصناعة الأميركيين حاليا، بالتوازي مع تكثيف الاستثمار في نقاط القوة الأوروبية بالذكاء الاصطناعي الصناعي، والرهان على مسارات بديلة، وكسب النفوذ عبر التعاون مع قوى متوسطة أخرى.

ويجب أن تنطلق أي استراتيجية أوروبية للذكاء الاصطناعي من الفهم العميق للغموض الذي يكتنف مستقبل هذه التقنية. فمن المحتمل جدا أن يتعثر تطور النموذج الحالي المعتمد على النماذج اللغوية الكبيرة، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار مدوٍ للمختبرات الرائدة اليوم. أما إذا نجح الرهان المالي الضخم، باستثمارات تقارب 700 مليار دولار في عام 2026 وحده، وتحقق “الذكاء الاصطناعي القوي” الذي يتوقعه داريو أمودي “الرئيس التنفيذي لـ(أنثروبيك)”، خلال السنوات القادمة، فسيصبح تأمين وصول أوروبا للنماذج الأميركية الرائدة ضرورة لا غنى عنها، إذ لن تكفي النماذج الأقل جودة لحمايتها من المخاطر السيبرانية والتهديدات الأمنية الحرجة.

عاشت أوروبا أولى نذر هذا السيناريو مع إطلاق شركة “أنثروبيك” نموذج “ميثوس 5” هذا العام. ورغم ما شاب الحديث عن قدراته من مبالغة، فإن تقييمات معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني أكدت أن النسخة الأولية لـ”أنثروبيك”، المحصنة بدرجة عالية، لم تكن مجرد عرض دعائي. والدرس الأساسي للأوروبيين هنا هو أن امتلاك المنظومة التنظيمية الأكثر تقدما في مجال الذكاء الاصطناعي لا يمنحهم أيَ حصانة من هذه المخاطر ما لم يقترن بإمكانية الوصول الفعلي إلى أحدث النماذج. وفي ظروف كهذه، سيغدو توفير قدرة حاسوبية ضخمة ضرورة لا غنى عنها لتفادي أضرار اقتصادية واسعة.

لكن نهج “يوروستاك” لا يقدم ما يكفي، إن كان يقدم شيئا أصلا، لمواجهة هذا المستقبل المحتمل. فرؤيته، المختزلة في شعار “اشتر أوروبيا، وبع أوروبيا، ومول أوروبيا”، تقوم على رعاية مزودين محليين تمتد خدماتهم من التطبيقات إلى الرقائق ومراكز البيانات، مع التعويل على المشتريات العامة بوصفها محركا رئيسا. وفي تبرير هذا المسار، تبالغ المبادرة على نحو صارخ في تقدير القدرات الأوروبية، إذ ترفض تصنيف الاتحاد الأوروبي بوصفه قوة متوسطة، وتصر بدلا من ذلك على أنه “قوة عظمى، وعليه أن يتصرف كقوة عظمى” في سياسات الذكاء الاصطناعي.

لكن الواقع يرسم صورة مغايرة تماما. فأفضل نموذج لغوي كبير في أوروبا، “ميسترال”، لا يزال متأخرا بفارق واسع في قدراته عن نماذج الصدارة الأميركية والصينية أيضا. وحتى لو وضعت أوروبا كل ثقلها المالي خلف “ميسترال”، فمن المستبعد أن تتمكن الشركة من ردم هذه الفجوة التقنية في ميدان أخفق فيه حتى الآن إيلون ماسك ومارك زوكربيرغ، رغم الموارد الهائلة التي حشداها.

والواقع أن مؤيدي “يوروستاك” أنفسهم يعترفون بأن أوروبا لن تبني نماذج صدارة كبيرة، وإن كانوا يرون أنها لا تزال قادرة على تطوير نماذج متأخرة بضع خطوات لكنها مفيدة. غير أن هذا الطرح نفسه يبدو مفرطاً في التفاؤل، إذ قد تجد المختبرات الأوروبية نفسها محرومة من العتاد والبنية التحتية الحاسوبية الأميركية، ما لم تنجح القارة في بناء شركة تصميم رقائق متقدمة، وإحداث تحول جذري في قدرتها على توسيع مراكز البيانات. فأوروبا لا تملك اليوم سوى 5 في المئة من القدرة الحاسوبية العالمية، وهي تواصل التراجع. كما أن الاستثمارات العامة في مصانع الذكاء الاصطناعي العملاقة تعثرت بفعل التأخيرات واعتمادها على تمويل أوروبي محدود، في وقت يرى فيه الصناعيون الأوروبيون فرصا أكبر في الذكاء الاصطناعي التطبيقي الأقل استهلاكا لموارد الحوسبة، ويرفضون إلى حد كبير تمويل استثمارات ضخمة في مراكز البيانات.

وبدلا من الركض وراء وهم التحول إلى قوة عظمى في الذكاء الاصطناعي، يجدر بأوروبا أن تتعامل مع واقعها كقوة متوسطة، قادرة على تعزيز مكامن قوتها، وبناء نفوذها عبر الشراكة مع قوى متوسطة أخرى، واختبار مسارات تكنولوجية بديلة. وينبغي أن يكون هدفها رفع كلفة أي قرار أميركي يحجب عنها الوصول إلى نماذج الصدارة، وزيادة حوافز الشركات الأميركية للضغط من أجل إبقاء هذا الوصول متاحا، بالتوازي مع فتح رهانات بديلة قد تؤتي ثمارها في المستقبل.

وتتمثل إحدى وسائل تحقيق ذلك في ترسيخ موقع أوروبا كعنصر لا يمكن الاستغناء عنه استراتيجيا داخل منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية. فالقارة تمتلك بالفعل أصولا حقيقية، من بينها آلات الليثوغرافيا التي تنتجها شركة “إيه إس إم إل”، والتي لا غنى عنها لصناعة الرقائق المتقدمة، وتوربينات الغاز من “سيمنز إنرجي”، التي يكاد يكون التوسع السريع في مراكز البيانات الأميركية مستحيلا من دونها. غير أن السبب الرئيس وراء عدم تحول هذه الأصول اليوم إلى نفوذ فعلي هو اعتماد أوروبا الوجودي على الولايات المتحدة عسكريا، ما يجعل تولي القارة مسؤولية أمنها بنفسها، وبأسرع وقت ممكن، ضرورة حتمية.

ولإدارة هذه العلاقة الحساسة مع الولايات المتحدة، يتعين على دول الاتحاد الأوروبي أن تبني نفوذا جماعيا، وأن تنسق استراتيجياتها مع قوى متوسطة قريبة منها في الرؤية وتمتلك قدرات كبيرة، مثل كندا والهند واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة. ومن شأن هذا التعاون أن يمنح القوى المتوسطة موقعاً أقوى في مواجهة قطبي الذكاء الاصطناعي، الولايات المتحدة والصين، ولا سيما عند التفاوض على الاتفاقات الدولية الملحة لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي الكارثية.

وعلاوة على ذلك، يمكن لهذا التعاون أن يساعد في تجميع الموارد والقدرات حيثما دعت الحاجة، بما في ذلك في بناء قدرات الدولة. فعلى سبيل المثال، يقدم معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني نموذجا يمكن للآخرين أن يقتدوا به، ومن بينهم ألمانيا، التي قررت مؤخرا إنشاء مركز خاص بها على غراره.

وتتمثل إحدى وسائل تحقيق ذلك في ترسيخ موقع أوروبا كعنصر لا يمكن الاستغناء عنه استراتيجيا داخل منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية. فالقارة تمتلك بالفعل أصولا حقيقية، من بينها آلات الليثوغرافيا التي تنتجها شركة “إيه إس إم إل”، والتي لا غنى عنها لصناعة الرقائق المتقدمة، وتوربينات الغاز من “سيمنز إنرجي”، التي يكاد يكون التوسع السريع في مراكز البيانات الأميركية مستحيلا من دونها. غير أن السبب الرئيس وراء عدم تحول هذه الأصول اليوم إلى نفوذ فعلي هو اعتماد أوروبا الوجودي على الولايات المتحدة عسكريا، ما يجعل تولي القارة مسؤولية أمنها بنفسها، وبأسرع وقت ممكن، ضرورة حتمية.

ولإدارة هذه العلاقة الحساسة مع الولايات المتحدة، يتعين على دول الاتحاد الأوروبي أن تبني نفوذا جماعيا، وأن تنسق استراتيجياتها مع قوى متوسطة قريبة منها في الرؤية وتمتلك قدرات كبيرة، مثل كندا والهند واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة. ومن شأن هذا التعاون أن يمنح القوى المتوسطة موقعاً أقوى في مواجهة قطبي الذكاء الاصطناعي، الولايات المتحدة والصين، ولا سيما عند التفاوض على الاتفاقات الدولية الملحة لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي الكارثية.

وعلاوة على ذلك، يمكن لهذا التعاون أن يساعد في تجميع الموارد والقدرات حيثما دعت الحاجة، بما في ذلك في بناء قدرات الدولة. فعلى سبيل المثال، يقدم معهد أمن الذكاء الاصطناعي البريطاني نموذجا يمكن للآخرين أن يقتدوا به، ومن بينهم ألمانيا، التي قررت مؤخرا إنشاء مركز خاص بها على غراره.

وأخيراً، يتعين على أوروبا أن تصون عناصر قوتها الصناعية وأن تعيد ابتكارها، ليس لبناء النفوذ فحسب، بل للاستحواذ على حصة أكبر من العوائد الاقتصادية التي يتيحها الذكاء الاصطناعي. وينبغي للسياسة الأوروبية أن تركز على بناء قدرات مميزة في المجالات التي تمتلك فيها القارة ميزة تنافسية واعدة، مثل الذكاء الاصطناعي الصناعي والروبوتات. فهذه المجالات ترتبط بدورها بمسارات تكنولوجية بديلة، مثل نماذج العالم وحلقات التعلم المتجسد، ما يفتح الباب، في أفضل السيناريوهات، أمام قفزات نوعية. ولتحقيق هذا التقدم، ينبغي للقوانين الأوروبية أن تدعم الريادة في الذكاء الاصطناعي الصناعي لا أن تعرقلها. ومن المؤشرات الإيجابية أن الاتحاد الأوروبي عدَل قانون الذكاء الاصطناعي بحيث يميز بين الأنظمة الصناعية والأنظمة الموجهة للاستخدام الاستهلاكي الواسع، وهو منطق يحتاج الاتحاد أيضاً إلى تطبيقه على البيانات الصناعية ضمن قانون البيانات الأوروبي.

وللاستفادة الحقيقية من قاعدتها الصناعية، ينبغي لأوروبا أن تتوقف عن التفريط في أصول بياناتها الخاصة وابتكاراتها الواعدة ببيعها إلى مشترين أجانب. ويتطلب ذلك، بوضوح، تعبئة واسعة لرؤوس الأموال الأوروبية، من خلال دمج أسواق المال وإصلاح أنظمة التقاعد. أيضا، يحتاج القادة الأوروبيون إلى تقديم حجة مقنعة تبين لماذا يمكن أن تكون أوروبا المكان الأفضل لبناء تكنولوجيا يمكن، من حيث المبدأ، تطويرها في أي مكان آخر. فالسياسة القائمة على القواعد والوضوح والقدرة على التنبؤ باتت ميزةً تنافسية قائمة بذاتها. لكن القارة تحتاج أيضا إلى بناء سوق محلية واعدة، عبر تعميق تكامل السوق الموحدة في قطاع الخدمات، واعتماد نهج أكثر تركيزاً على الحلول عند إدارة المخاطر.

للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الاستراتيجية أقل بريقا من الوعود الرنانة بتحقيق استقلال أوروبي كامل. لكنها تقدم مسارا أكثر واقعية بكثير لصون السيادة الأوروبية، بمعنى تعزيز قدرة القارة على حماية أمنها وازدهارها والدفاع عنهما. كما أنها تضع أوروبا في موقع أفضل لاغتنام الفرص التي يفتحها عصر الذكاء الاصطناعي.

ثورستن بينر وجاكوب هنسينغ

عن مصدر الخبر

المصدر

Editor

Ads Here