“استراتيجية” الحوثيين الجديدة بعد الاتفاق الأميركي الإيراني
خلال أيام فقط عقب “التفاهم” الأميركي-الإيراني ظهر زعيم جماعة الحوثيين المتحالفة مع إيران، عبد الملك الحوثي، معلنا من خلال خطاب متلفز، عن استراتيجية جديدة لجماعته من عناوين عريضة عدة أهمها ما سماها “استعادة السيادة الكاملة” وإنهاء ما وصفه بـ”الحصار والتبعية”، وكذلك “العدوان والحصار الأميركي”، مؤكدا أن “قوات صنعاء” سوف تبادر كذلك بـ”استهداف الوجود العسكري الاسرائيلي في جمهورية أرض الصومال”.
وفور إذاعة هذا الخطاب، أطلقت الجماعة تشكيلا عسكريا وأمنيا جديدا أسمته “قوات التعبئة العامة” التي أعلنت بدورها رفع الاستعداد الكامل لتنفيذ توجيهات زعيم الجماعة، عبر الدفع بالمقاتلين إلى الجبهات وتعزيز الاستعدادات العسكرية تحت شعار “مواجهة قوى العدوان وطرد المحتلين وإنهاء الحصار”، وذلك من خلال ما قالت الجماعة إنها “مئات الآلاف من العناصر ومئات الألوية التي جرى إعدادها وتسليحها خلال السنوات الأخيرة”، مؤكدة على “تنسيق كامل بينها وبين القوات المسلحة”، أي الميليشيات التابعة للحوثيين على مختلف المستويات العسكرية، على حد ما جاء في بيان صادر عن الجماعة.
دوافع التصعيد
رغم عدم أهمية هذه الخطوة، في نظر خبراء ومحللين، وافتقارها لأي قيمة عسكرية على مستوى الإقليم والعالم في سياق الترتيبات الجارية لتنفيذ التفاهم الأميركي مع إيران والاتفاق الإطاري بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، إلا أن كثيرين رأوا في “الاستراتيجية الجديدة للميليشيات الحوثية” أمورا عدة تستحق التوقف عندها.
أولها أن هذا الإعلان ليس “عقيدة سياسية جديدة للجماعة” بل محاولة لبعثرة الأوراق و”إعادة خلطها من جديد” تكشف عن شعور الجماعة بأنها باتت تقف عند مفترق طرق مصيري بالغ الخطورة، سياسي وأمني واقتصادي، حيث تبدو بعد التفاهم بين طهران وواشنطن خارج أي سياق أو ترتيب يبدد خشيتها من أي انعكاسات سلبية محتملة لاتفاق طهران مع واشنطن على مستقبلها، خصوصا أنها كانت قد ذهبت بعيدا في رهانها على “محور المقاومة” الإيراني وألقت بكل صواريخ طهران التي كانت بحوزتها في “ساحات الإسناد” نصرة لغزة وتضامنا مع “حزب الله” كما قالت. ولا بد أنه تأكد للجماعة بعد توقيع طهران على مذكرة التفاهم مع واشنطن أن لا شيء في عالم السياسة يمكنه البقاء على حاله، وأن إيران معنية أولا بمصالحها، ومن غير المستبعد أن تدير ظهرها لكل تحالفاتها السابقة بما في ذلك علاقات الموالاة المذهبية أو التحالف السياسي والعسكري سواء مع الحوثيين أو “حزب الله” الأقرب إليها عقائديا وسياسيا.
هذا فيما يرى آخرون أن من حق الحوثيين التفكير خارج الصندوق إذا كان لديهم عقل سياسي توصل إلى حقيقة أن دورهم في الفلك الإيراني انتهى، وأن حركتهم في المدار العسكري لطهران يجب أن تتوقف عند ذات النقطة التي تم رسمها لتوقف “حزب الله” وربما لخروجه من المشهد العسكري والأمني، مؤقتا أو إلى ما لا نهاية… ولكن كيف يخرج الحوثيون من هذه الحالة؟
فسواء كان الحوثيون داخل أو خارج أي مسار لترتيب أوضاع وكلاء إيران في المنطقة فهؤلاء يشعرون حتما بأنه بعد الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي برعاية واشنطن على نزع سلاح “حزب الله” فإن الدور قادم عليهم لا محالة. وهذا ما قد يفسر تلويح زعيم الجماعة باستهداف أي وجود عسكري لإسرائيل في إقليم أرض الصومال الانفصالي غير المعترف به دوليا، بينما ألمحت إسرائيل غير مرة إلى رغبتها في تطوير وتوسيع علاقات التعاون العسكري والأمني مع حكومة الإقليم في هرجيسا.
لكن هناك من يستبعد تخلي إيران عن الحوثيين لا لسبب أكثر من عدم قدرة طهران على الالتزام بما نصت عليه مذكرة التفاهم مع واشنطن خصوصا في ظل التحفظ عليها من قبل الصقور في مكتب “المرشد” ومقر “خاتم الأنبياء”. وبالتالي فإن من المحتمل إلى حد كبير فشل هذا التفاهم وتجدد الصراع بين إيران والولايات المتحدة، ولذلك قد تكون طهران في أمسّ الحاجة إلى الإبقاء على تحالفاتها مع وكلائها وأذرعها وفي مقدمتهم الحوثيون في اليمن الذين يقفون على مرمى حجر من مضيق باب المندب وتهديد الملاحة البحرية فيه بين مضيق هرمز وقناة السويس.
لا منزلة بين منزلتين
كل من جماعة الحوثيين في اليمن و”حزب الله” في لبنان يعيشان نفس الازدواجية في تأييد مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن ورفض مبادئها في ما يتصل بوضعهما في كل من صنعاء والضاحية الجنوبية لبيروت حيث لا تزال الجماعة منشغلة بوهم “المقاومة” وسردية “الحصار والعدوان” التي باتت مملة حتى من قبل أنصارها، في تجاهل أو تعام سياسيين أمام كل التنازلات المؤلمة التي قدمتها طهران لواشنطن في تفاهماتها مع الأميركيين. ونرى الجماعة تتعهد بالمغامرة في مجازفة عسكرية جديدة مع الإقليم والعالم بمن فيهما الولايات المتحدة وإسرائيل والجوار السعودي والخليجي، ولا اختلاف في هذا مع “حزب الله” الذي يفاخر حد المبالغة وتسويق الوهم بإنجازات “تفاهم بيزشكيان-ترمب” بالنسبة لطهران، لكنه في المقابل ينتقد بشدة الاتفاق الإطاري المبرم بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل، كأنه جزء من النظام في إيران ولا يشكل كما يدعي “نصف لبنان”، حيث يبدو من بياناته أن ما هو حلال لطهران حفاظا على مصالحها هو حرام على لبنان للحفاظ على ما تبقّى من حمضه النووي كأرض ووجود وتاريخ ومستقبل ودولة ومجتمع.
أما ثاني الدوافع وراء التصعيد الأخير للحوثيين فيكمن في اعتقاد كثيرين في عجز وعدم رغبة الجماعة في دفع مرتبات مئات الآلاف من الموظفين المدنيين في مناطق سيطرتها منذ انقلابها على الدولة واستيلائها على السلطة في العاصمة صنعاء قبل أكثر من اثني عشر عاما. ويتداول نشطاء أخبارا عن تسرب الكثير من مسلحي الميليشيات من الجبهات ورفضهم العودة إلى خنادقهم بسبب عدم دفع رواتبهم، بل وإلى لجوء بعض قادة هذه الميليشيات إلى مناطق سيطرة الحكومة الشرعية.
كالعادة تنحى الجماعة باللائمة في عدم دفع الرواتب إلى “الحصار المفروض على شعبنا من قبل دول العدوان” وتنصح المطالبين بمستحقاتهم بالتوجه إلى الجبهات لاسترداد مستحقاتهم و”استعادة ثروات بلادهم المنهوبة” من قبل الولايات المتحدة وبعض دول الجوار.
في هذا السياق يرى الباحث السياسي عبدالسلام محمد أن الحوثيين “يمرون بأزمة مالية تهدد سيطرتهم على الناس في مناطق حكمهم”، ومن أجل حل هذه المشكلة فإن أمامهم أحد خيارين إما “اتفاق يضمن لهم نسبة من مبيعات النفط والغاز”. أما الخيار الثاني فـ”حرب خاطفة تحقق لهم انتصارا يمكنهم من فرض واقع جديد في مناطق النفط، بالذات في حقل صافر (في مأرب) وميناء بلحاف (في شبوة) النفطي”. لكن الحوثيين كما يرى محمد، “لا يريدون حرب استنزاف طويلة مع خصومهم، كما يتخوفون من انفجار ثورة شعبية في مناطق حكمهم”.
غير أن الباحث السياسي والعسكري المتخصص في شؤون الجماعة، عدنان الجبرني، فيعتقد أن “الحوثيين لا يعانون من أزمة مالية مرتبطة بجفاف الموارد، وإنما بسبب قرار عبد الملك الحوثي تحويل موارد كبيرة إلى الأقسام والمناطق العسكرية استعدادا للحرب المقبلة، وزيادة وتيرة التصنيع العسكري، وبالطبع مواصلة التهريب وشراء المواد لتأمين القدرة التعويضية أثناء وبعد الحرب المحتملة”. ويؤكد الجبرني أن موارد الجماعة لم تتغير، وأن الذي تغير هو “أولويات عبد الملك الحوثي، الرجل الذي لا يرى سوى الحرب، الآن وغدا وبعد عشرين عاما، أما أوضاع الناس بالنسبة له وللجماعة فهي مفردة ذهبية ومفيدة عندما يحتاجها كرافعة للتصعيد”.
والأرجح أنه لن يكون لإعلان الحوثيين الأخير عن “التعبئة العامة” أي معنى غير التعبير عن الشعور بالحيرة وعدم اليقين بشكل واضح مما يجري بين طهران وواشنطن، وما الذي قد يحمله كل ذلك لهم في المستقبل، خصوصا بعد تبدد آمالهم في إمكانية العودة إلى “خارطة الطريق” التي كانوا قد توصلوا إليها مع الأمم المتحدة بدعم سعودي وتضمنت حصولهم على “محفزات مالية ضخمة”. وذلك بعد أن تعذر المضي في تلك الخارطة بنفس المعالم والأسس المتفق عليها، وذلك بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي انخرط فيها الحوثيون بإيعاز من طهران دون فعالية تذكر.
الحوثيون محبطون دون شك إزاء ما يجرى، ورهانهم على ما يبدو هو فشل تفاهم الولايات المتحدة مع إيران التي يتمنى الكثير من صقورها ذلك. وشأن الحوثيين هنا هو شأن “حزب الله”، وخيارهم الأسهل إذا عادت الأمور إلى مربعها الأول هو استهداف الوجود العسكري الإسرائيلي في أرض الصومال. لكن إسرائيل كانت قد قالت في المقابل على لسان وزير دفاعها يسرائيل كاتس إنها “تعرف مكان وجود زعيم جماعة الحوثيين”، وكذلك “الأنفاق التي يتخفى فيها، وإذا كان في مرمى الأهداف فسوف يموت ولن نتردد في القيام بذلك”.
لكن كاتس قال إن الحوثي في الوقت الحالي “ليس مدرجا ضمن قائمة الاستهداف” على حد قوله، في إشارة ساخرة إلى أن القضاء على زعيم الجماعة لا يمثل أولوية في الوقت الحالي بالنسبة لتل أبيب، وهو في تقدير خبراء ومحللين إسرائيليين “يعمل من بعيد دون تأثير على ما تعمل عليه إسرائيل في الوقت الحالي، ولا يستحق أن يكلف قتله كل هذا العناء والإنفاق من أموال الإسرائيليين”… لكن آخرين يرون أن التصدي لصواريخ الحوثي يكلف إسرائيل مئات الآلاف من الدولارات أيضا.
أنور العنسي

