ثقافة

عبدالعزيز السماعيل: جمعية الثقافة تمرُّ بمرحلة تحول صعبة

المصدر

في شخصية الرائد المسرحي عبدالعزيز السماعيل، جوهر لا يود كشفه، ووراء ابتسامته التي يمتص بها ردود الأفعال الحادة الكثير من الكلام، وقامة وطنية بحجمه لو مُنح صلاحيات ضامنة، وتمويلاً كافياً، لأنجز الكثير، وبقدر ما حاولت استثارته في هذه المساحة، إلا أنه برُقيّه الأخلاقي لم يحمّل أحداً أي مسؤولية، وهذا تأكيد على تصالحية المثقف والفنان والإنسان في وعيه ووجدانه، وهذا ما أمكن الخروج به من حوارنا معه..

• ما انطباعك عن مهرجان المسرح، وما نسبة الرضا عما قُدم من أعمال؟

•• قدم المهرجان سابقاً باسم المسرح السعودي حتى دورته الرابعة عام 1429هـ برعاية وزارة الثقافة والإعلام آنذاك، والآن تغيّر اسمه والجهة المنظمة باسم الرياض ليدشن لأول مرة حضوراً مميزاً للمملكة في سلسلة المهرجانات العربية باستضافة المسرحيين العرب من كل الدول العربية، وتقديم عروض مسرحية سعودية بمشاركة العنصر النسائي السعودي الذي كان سبباً مهماً في نجاحها، مثلما كان فيما مضى سبباً كبيراً في منع المهرجانات والعروض العربية من الحضور إلى المملكة، وفي مقابل تنظيم ممتاز وحضور جماهيري جيد قدمت عروض مسرحية جادة ومبهرة تألق فيها الممثلون والمخرجون ومصممو الإضاءة والديكور، رغم الضعف الكبير في إدارة نظام الإنارة على المسرح، ويلفت الانتباه في بعض العروض ضعف مواضيع المسرحيات؛ التي لا تناسب جهد الإخراج والسينوغرافيا، إما بسبب ضعف الموضوع ذاته أو عدم معالجته دراميا بشكل جيد، ورغم ذلك يعتبر المهرجان ناجحاً، وخطوة مهمة لوزارة الثقافة، نأمل أن يستمر كل سنتين على الأقل بشكل ثابت.

• هل تخدم المهرجانات البنية التحتية لـ«أبو الفنون»؟

•• من اللافت في هذا الموضوع أن الحضور في المهرجانات عادة يكون غالباً من المسرحين أنفسهم، وبذلك يمكن التأكيد على أن المهرجانات تقدم فرصة جيدة للقاء المسرحيين ببعضهم، واختبار تجاربهم المسرحية أكثر من أي شيء آخر، وتبقى جماهيرية العروض مرهونة بتقديمها للجمهور.

• ما الذي تحتاجه الفرقة الوطنية للمسرح السعودي لتتبوأ مكانةً عالمية؟

•• ربما تقصد المسرح الوطني، إذ تم تغيير اسمه، بدلاً من الفرقة الوطنية للمسرح، الذي تم تأسيسه في وزارة الثقافة قبل عامين، واكتملت عناصره تقريباً ليتم عقب ذلك تحويله إلى مؤسسة أو شركة للإنتاج، وذلك لم يحدث حتى الآن للأسف.. وهذا ما يحتاج إليه المسرح الوطني الآن.

• لكم دور في جمعية الثقافة والفنون منذ ما يزيد على ربع قرن، ما سبب عدم بلوغ الجمعية مستوى التطلعات؟

•• لقد اختلط على الجميع دور الجمعية سابقاً؛ ما سبب الكثير من الضغوط وحتى الظلم والحرج لموظفيها، إذ كانت هي الجهة الوحيدة المنتجة للفنون في المملكة، ورغم أنها جمعية أهلية كانت منذ تأسيسها ولا تزال تعتمد على إعانة سنوية مقطوعة ومحدودة جداً، تكرّس خطأ النظر إليها؛ ثقافياً وفنياً واجتماعياً باعتبارها المسؤولة عن أي قصور ثقافي وفني في المملكة، ولم يدرك إلا القليل بأن التنمية الثقافية المنشودة في أي بلد لا يمكن أن تحققها جمعية أو مؤسسة واحدة مهما فعلت وطال الزمن بها، إذ لابد من تأسيس جهاز حكومي فعال ومتمكن مادياً ومعنوياً للقيام بذلك وهو ما حصل في خطة التنمية 2030 بتأسيس وزارة الثقافة، ورغم تلك الظروف قدمت الجمعية عبر فروعها في المملكة الكثير جداً من الجهود ساهمت في بروز جيل الرواد ومن جاء بعدهم، وقدمت للجميع الورش والدورات والمعارض الفنية والعروض المسرحية والمهرجان وتمثيل المملكة في الخارج.

• أليس من الجحود للجمعية تركها تذبل وتموت تحت نظر مؤسسيها أو بعضهم؟

•• الجمعية كيان ممتد يبلغ عمره هذا العام 50 عاماً، منذ تأسيسه، ومن الصعب الحكم عليه بنظرة واحدة رغم الجهود التي قدمتها، فبينما تمر الجمعية منذ أكثر من سنتين بمرحلة تحول صعب ومهم لتوائم وضعها مع النظام الجديد للمؤسسات والجمعيات الأهلية في الدولة، وما يتطلبه ذلك من تحديث وتطوير في منظومتها بالكامل، فإنها لم تتوقف عن تقديم الكثير من الجهود الناجحة بالتعاون مع الكثير من الجهات الحكومية وغير الحكومية، إضافة إلى أنشطتها الخاصة؛ التي آخرها تتويج مسرحية (بحر) من جمعية الثقافة والفنون بالأحساء بأفضل تمثيل وإخراج وأفضل عرض في مهرجان الرياض المسرحي. وإذا عرفنا بأن الجمعية بطبيعتها -كما ذكرنا سابقاً- لا تستطيع لوحدها تقديم فعاليات كبرى بملايين الريالات، فهي تستطيع بخبرتها الطويلة وانتشار فروعها في المملكة أن تكون شريكاً فعالاً ومميزاً لتقديم هذا النوع من الفعاليات بالتعاون من الجهات المختلفة؛ ومن ضمنها وزارة الثقافة والدوائر الحكومية الأخرى والشركات.

• هل أزمة جمعية الثقافة والفنون أزمة كوادر أم دعم مالي؟

•• تختلف ظروف الجمعية سابقاً عنها حالياً، إذ لم يعد تقييمها من خلال الدعم المالي والتشغيلي من الخارج فقط، كما كان سابقاً، فقد أصبحت قوة الإدارة وتركيزها وما توفره من إيراد ذاتي للجمعية الأكثر أهمية لتشغيل الجمعية مستقبلاً، ويتطلب ذلك بالضرورة تغييراً إستراتيجياً في جهودها وطريقة عملها بما يناسب المرحلة التي تعيشها المملكة؛ وهو ما نعمل عليه حالياً بالتعاون مع المدير العام ومديري الفروع، ومن ضمنه إعادة النظر في الهيكل الوظيفي للفروع والإدارة العامة، ونتوقع أن يحقق ذلك نجاحاً كبيراً في المستقبل القريب.

• يُرجع البعض متاعب الجمعية إلى ضعف شخصية مديريها وأعضائها، ما تعليقك؟

•• كيف يكون ذلك ومديروها وموظفوها من أكفأ الأشخاص في مناطقهم، وهم أبناء الجمعية أصلاً، نشأوا وتربوا فنياً وثقافياً في أروقتها، كما أن لدى الجمعية مرونة كبيرة في التفاعل مع أي ملاحظات سلبية على أدائها، وبسبب التحدي الكبير الذي تعيشه الجمعية دائماً ستعيشه بشكل أكبر في المستقبل في ظل الانفتاح الكبير الذي تعيشه المملكة، ما يعني أن الجمعية ستضل في حالة تحدٍ إيجابي مع نفسها ومع الغير دائماً.

• لو تم تكليفك مجدداً بإنشاء جمعية أهلية للثقافة والفنون، ما الذي تشترطه على من كلفوك؟

•• من الصعب الآن تأسيس جمعية مثل جمعية الثقافة والفنون الحالية؛ التي تواءم نظامها أخيراً بنفس الاسم والتخصصات الفنية التي تعمل عليها، وكان ذلك أكبر وأهم خطوة تمت قبل أشهر عدة، بتشجع ودعم كبير من وزارة الثقافة والمركز الوطني للقطاع غير الربحي في وزارة الموارد، وبناء عليه تسير الجمعية الآن بخطوات ثابتة نحو المستقبل من خلال التحديث والتطوير اللازم للإدارة العامة والفروع حسب النظام.

• كيف تقيّم تجربتك في فرع الجمعية بالدمام؟

•• كانت تجربة مهمة ولافتة في حينها، إذ قدمت الجمعية عطاءً كبيراً ومميزاً في جميع التخصصات بالتعاون مع جميع موظفيها، وتطلّب ذلك جهداً غير عادي، استمر مع جميع مديري الجمعية الذين أتوا لاحقاً بتقديم المزيد من العطاءات؛ وهو ما جعل الجمعية في الدمام تتميز كثيراً من بين كافة الفروع، إذ أسست مهرجان الدمام للمسرح ومهرجان أفلام السعودية ومهرجان مسرح الطفل ومعرض فيديو ارت.

• أين تحب أن ترى الجمعية وفروعها؟

•• لا شك بأني أتمنى أن أرى الجمعية وفروعها كما كانت دائماً قوة فاعلة ومؤثرة في المشهد الثقافي، وداعماً أساسياً لجهود المملكة في ظل رؤية 2030، وأن يرى الفنانون فيها مقراً دائماً وأميناً لهم لتقديم عطاءاتهم المميزة بشكل مستمر.

• ما الذي يعلق بالذاكرة من العمل الصحفي في جريدة اليوم؟

•• العمل الصحفي ممتع ومتعب جداً، ولا يمكن أن يعشقه إلا صحفي بتركيبته الذهنية، والفنان ليس كذلك بطبعه، واستمتعت في العمل بجريدة اليوم، خصوصاً إعداد الصفحات الفنية في القسم الثقافي، بصحبة عدد من الرواد الصحفيين المميزين آنذاك لفترة تقارب 10 أعوام، ولكني لم أستطع الاستمرار أكثر من ذلك.

• لماذا يتراجع دور المبدع إدارياً؟

•• العمل الإداري الثقافي يستهلك موهبتك الفنية وعطاءك الثقافي حتماً، في أي موقع تكون فيه، ليس بسبب تنوع جهودك فقط، بل بسبب تركيزك على الشؤون الإدارية ومتطلباتها أكثر من أي شيء آخر، ولو ألقينا نظرة بسيطة على ظروف النشاط الثقافي في المملكة سابقاً، وما كان يمر به من مشقة وعناء سندرك التحدي الدائم مع الحياة والأهل والناس من حولك وليس مع إدارة الجمعية فقط، ومن يريد أن يقوم بعمل ثقافي جيد عليه أن يدرك ذلك أولاً، وهذا -بدوره- سيفصل المبدع كثيراً عن عمله الأصلي في الفن مثلاً، وعلى عكس ما تقول، لن يتقن جيداً العمل الإداري الثقافي إلا المثقف نفسه بشرط أن يكون مثقفاً إدارياً أيضاً، وربما يصعب ذلك على الكثيرين ولكنه ليس مستحيلاً.

• ألا ترى أن المسرح والدراما خسرتك كاتباً، وإدارة الفعل الثقافي لم تكسبك؟

•• أتفق معك حول خسارتي للفن والكتابة بسبب الإدارة، وهذا أمر طبيعي رغم أني لم أسعَ إلى ذلك، فقد وجدت نفسي إدارياً، رغماً عني تقريباً، ولم أتوقع استمراري في الإدارة طوال هذه المدة التي أبعدتني عن حياتي الفنية، ورغم ذلك فعزائي هو خدمة الثقافة والفنون والناس المحبين لها في بلادي.

• ماذا عن كتابة سيرتك الذاتية العملية والإنسانية؟

•• ستكون السيرة الذاتية من أجمل ما كتبت بكل تأكيد، فهي أرشيف للجمعية طوال حقبة مهمة من تاريخها، وهذا ما أنوي القيام به عقب مغادرتي المنصب الحالي في الجمعية والعودة إلى حياة الفن والثقافة من جديد.

أخيراً، أود تقديم خالص الشكر والتقدير للعاملين في الجمعية في كل مكان على تفهمهم لظروف الجمعية الراهنة واستمرار جهودهم وعطاءاتهم المختلفة، وسنبذل هنا في المركز الرئيسي في الرياض كل ما نستطيع لاستمرار دورها الرائد والمساهمة الفعالة من جديد في نهضة المملكة الكبيرة وتطلعات رؤيتها 2030 ثقافياً وفنياً.

عن مصدر الخبر

المصدر

Editor

Ads Here