ثقافة ومجتمع

صموئيل باريت مايلز.. كتب ما لم يكتبه غيره عن عُمان

المصدر

مما لا شك فيه، أن هناك جدلاً في العالم العربي حول الاستشراق والمستشرقين، أي حول أولئك العلماء والباحثين الغربيين الذين اقتربوا من الشرق، ولا سيما الشرق العربي والإسلامي، وامتزجوا بشعوبه بهدف دراسة لغاتهم وثقافاتهم وتاريخهم وعاداتهم وتقاليدهم وآدابهم ومعتقداتهم الدينية، بل هناك تشكيك دائم في نواياهم وأهدافهم، على الرغم من الجهد الكبير الذي بذلوه في تفصيل وتوثيق ما أهمله العرب والمسلمون، وهو جهد أثمر عن إصدار مؤلفات كثيرة باتت مرجعاً لمن أتى بعدهم من باحثين وأكاديميين.يقول المستشرق الفرنسي كلود كوهين، إنه «ينبغي علينا أن نحذف كلمة الاستشراق من قاموسنا. فليس هناك نوعان من البشر.. البشرية هي واحدة في جوهرها، والعلم واحد للشرقي كما للغربي». وهو من دعا الباحثين المسلمين إلى التقيد بالمنهجية العلمية لتحدد وحدها قيمة أي بحث أو مؤلف. أما المستشرق والمؤرخ الفرنسي مكسيم رودنسون، فقد اعترف بضرورة إعادة النظر في بعض أسس الاستشراق؛ لأن «الاستشراق، رغم إنجازاته العلمية العديدة، له نواقص كثيرة، من أخطرها النزعة المركزية الأوروبية»، على حد قوله.والثابت، أن المستشرقين الأوروبيين ركزوا جهودهم لفترة طويلة على دراسة أحوال الجزيرة العربية، ولا سيما ساحلها الشرقي المطل على الخليج العربي، وفي هذا الساحل كانت عُمان في بؤرة اهتماماتهم.يقول الدكتور إبراهيم بن يحيى البوسعيدي، الأستاذ المساعد بقسم التاريخ في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس، في جلسة حوارية بعنوان «عُمان في كتابات الرحالة الأوروبيين» عقدت في مسقط في سبتمبر 2025، ما مفاده، أن الموقع الإستراتيجي لعُمان على مفترق طرق التجارة بين الهند والخليج وشرق أفريقيا كان سبباً وراء اهتمام الرحالة والمستشرقين الأوروبيين بعُمان، موضحاً أن الدوافع السياسية والاقتصادية تداخلت مع الدوافع الدينية والثقافية، بدليل أن كثيراً من رحلاتهم إلى المنطقة كانت تحت غطاء العلم والاكتشاف، بينما حمل بعضها أهدافاً تبشيرية أو استخباراتية أو مبررات استعمارية. لكن البوسعيدي استدرك، فاعترف بالقيمة البحثية لكتابات الرحالة والمستشرقين الأجانب، كونها لعبت دوراً في كشف أمور غابت عن المصادر المحلية، وبالتالي شكلت مادة ثرية يجب أن تدفعنا للتحقيق والنقد والتصحيح، وليس للقبول أو الرفض الأعمى.وفي معرض استعراضه لبعض الأسماء الغربية التي انشغلت بعُمان، ولا سيما البريطانيون الذين كان لهم النصيب الأكبر من التوثيق والكشف في القرن التاسع عشر، أتى على ذكر «جون فراير» الذي زار مسقط عام 1677، وترك انطباعات سلبية ناقدة، و«جون أوفنجتون» الذي زار عُمان سنة 1693، وكتب عن تسامح أهلها قائلاً: «إن هؤلاء العمانيين على قدر كبير من دماثة الخلق، ويظهرون لطفاً وكرماً مع الغرباء، فلا يحتقرونهم ولا يلحقون بهم أذى، فالمرء يقطع في عُمان مئات الأميال دون أن يتعرض للغة نابية أو لأي سلوك فج». ثم توقف عند المستشرق «صموئيل باريت مايلز» (Samuel Barrett Miles)، الذي سنخصص هذه المادة لتوثيق حياته وتنقلاته الوظيفية ومؤلفاته، كونه مصدراً من أهم المصادر الرئيسية لوصف جغرافيا عُمان وقبائلها واقتصادها وتقاليد شعبها وحروبها القبلية وتقسيماتها الإدارية ونظمها الضريبية وحركة سفنها وتجارتها وأسواقها، ناهيك عن التطرق إلى محاصيلها الزراعية ووصف أغوارها وواحاتها ونظام الأفلاج وملابس وحلي سكانها ووسائل النقل والتعليم. وسنعتمد في الترجمة له على مصادر متنوعة، مثل كتاب «عُمان في عيون الرحالة البريطانيين، قراءة جديدة للاستشراق» لمؤلفه الدكتور هلال بن سعيد الحجري، وهو مؤلف صدر باللغة الإنجليزية وترجم نسخته العربية الدكتور خالد البلوشي سنة 2013، وأصدره عن دار الانتشار العربي في بيروت، إضافة إلى ما ورد عن المترجم له في الموسوعة العربية الحرة والصحافة العمانية ومجلة «نزوى» الثقافية الرصينة.الضابط والدبلوماسي والمستشرق والمستعرب البريطاني «صموئيل باريت مايلز»، أبصر النور في الثاني من أكتوبر سنة 1838، ابناً لوالده اللواء مايلز، الذي كان يعمل في خدمة شركة الهند الشرقية آنذاك، وتلقى تعليمه في «مدرسة هارو» الداخلية النخبوية في لندن الكبرى. وفي عام 1857، انضم إلى جيش الهند البريطاني كحامل راية بفوج المشاة السابع المحلي في مدينة بومباي. وسرعان ما تمت ترقيته إلى رتبة ملازم في عام 1860. وفي غضون أربع سنوات، أصبح الضابط المسؤول عن تموين فوج المشاة السابع. وشهد نوفمبر سنة 1866، انتقاله مع فوجه إلى عدن ليخدم في هذه المستعمرة البريطانية الهامة، التي دخلت تحت الاحتلال البريطاني في عام 1839. ولم يمض عامان على انتقاله إلى عدن إلا وصاحبنا يُعيَّن حاكماً لمعسكرها ومساعداً للمقيم السياسي فيها. مما سبق يتبين، أن مايلز كان ذكياً ولماحاً ومجتهداً في مهامه وصاحب طموحات، وإلا لما حصل على ترقيات متتالية سريعة.في مارس من عام 1869، عاد مايلز مع فوجه إلى الهند، وبعد فترة قصيرة تقدم إلى رؤسائه بطلب التحول من الخدمة العسكرية إلى الخدمة في المجال السياسي، فتمت الاستجابة لطلبه، وأرسل أولاً للعمل في مقاطعة بلوشستان، وفي عام 1872 صار وكيلاً سياسياً وقنصلاً لبريطانيا العظمى في مسقط، كما أنه عمل وكيلاً سياسياً لبريطانيا في بعض مناطق شبه الجزيرة العربية التي كانت خاضعة للحكم العثماني، وعُيّن قنصلاً عاماً لبلاده في بغداد سنة 1879، ووكيلاً سياسياً وقنصلاً عاماً في زنجبار سنة 1881، ووكيلاً سياسياً في المقاطعة الشمالية الغربية من الهند البريطانية سنة 1885، قبل أن يتولى منصب المقيم السياسي لبريطانيا العظمى بالإنابة في الخليج العربي من عام 1885 إلى 1886. وفي عام 1887، عاد إلى الهند وتمت ترقيته إلى رتبة عقيد، وأرسل ليخدم بلاده سياسياً في ميوار بولاية راجستان الهندية، وكانت هذه آخر مهامه، إذ ظل يؤديها حتى سنة 1893، ليتقاعد بعدها ويعود إلى مسقط رأسه في إنجلترا، ويشرع في كتابة بحوثه التي نشرتها الجمعية الملكية الجغرافية. وفي 28 أغسطس 1914، توفي مايلز عن عمر ناهز 75 عاماً، تاركاً خلفه زوجته «إلين ماري كاي»، التي اقترن بها سنة 1877، والتي أنجبت له ابناً واحداً هو «هاري وليام مايلز»، الذي قتل في الحرب العالمية الأولى (1914 ــ 1918). كان مايلز ينوي أن يحول ملاحظاته ومذكراته إلى كتاب، لكن ما منعه هو أنه أصيب بالعمى قبل رحيله بعدة سنوات. وبعد وفاته بخمس سنوات، أي في عام 1919، قامت أرملته بتحقيق رغبته، فنشرت بحوثه ومذكراته ومدوناته في كتاب تحت عنوان «دول وقبائل الخليج الفارسي».ما يهمنا هنا هو فترة عمل مايلز في عُمان، التي أمضى بها معظم حياته المهنية (تسع سنوات) كوكيل سياسي وقنصل. حيث وصل صاحبنا إلى هذه البلاد في وقت حرج من عهد السلطان تركي بن سعيد بن سلطان (تولى الحكم في 1871 حتى تاريخ وفاته في عام 1888)، أي في الوقت الذي كان فيه السلطان يواجه ثورة دينية بقيادة الإمام عزان بن قيس. فاستطاع السلطان هزيمة خصومه ووأد ثورتهم بمساعدة من بريطانيا ومن أخيه السيد ماجد بن سعيد حاكم زنجبار. وبعد أن استتبت الأوضاع الداخلية شرع مايلز في القيام برحلات من مسقط إلى المناطق الداخلية من عُمان بهدف اكتساب فهم أفضل ومعرفة أوسع بالشخصية العمانية لأغراض دبلوماسية، وتطوير معلوماته حول تاريخ المنطقة وأحوالها الاجتماعية والديموغرافية ومواردها الزراعية والمائية والسمكية، فزار البريمي وصحار ونخل وسمائل والجبل الأخضر والظاهرة وظفار وصور وطيوي وقلهات وغيرها. ومما لا جدال فيه، أن تلك الرحلات ساهمت كثيراً في منحه فرصة الاطلاع الواسع على شؤون وشجون عُمان وما حولها، والرصد الدقيق لأحوالها وظروفها في أواخر القرن التاسع عشر، فأضاف إلى ثقافته ومعارفه الكثير.كتب الدكتور ناصر سيف السعدي، أستاذ مساعد كرسي اليونيسكو لدراسات الأفلاج وعلم المياه الاجتماعي بجامعة نزوى، والمهتم بالتاريخ الاجتماعي والاقتصادي، عن مايلز وكتاباته حول عُمان منتقداً إياه بقسوة، فقال إن كتاباته واحدة من أبرز الكتابات الغربية التي تناولت المجتمع العماني في القرن التاسع عشر، حيث قدم مادة مهمة حول جغرافية وثقافة عُمان. لكن السعدي استدرك ليقول، إن تلك الكتابات كشفت عن رؤية استشراقية مشحونة بصور مشوهة لعُمان الأرض والإنسان. وكان في هذا يشير إلى تقارير وانطباعات سجلها الرجل خلال الفترات الثلاث التي عمل أثناءها في الوكالة السياسية البريطانية في مسقط (من 1872 إلى 1877، ثم من 1878 إلى 1879، ثم من 1883 إلى 1886)، أنكر فيها مايلز على العمانيين مساهمتهم وإنجازاتهم الثقافية والمعمارية والحضارية، ونسبها إلى الحضارة الفارسية.كما تحامل السعدي على مايلز، الذي نشر أولى مقالاته عن عُمان في مجلة البنغال عام 1875، ثم اتبعها بمقالة عن الجبل الأخضر في المجلة الملكية الجغرافية عام 1901، فوصفه بممثل «قوة استعمارية مخادعة، ذات وجه شيطاني، تزرع الفتنة وتفرق الجماعة وتستنزف الأرض والكرامة»، وانتقد بشدة اهتمامه وتركيزه على الجوانب المادية دون الإنسانية.والحقيقة، أن مايلز قدم بالفعل صوراً سلبية للجوانب السلوكية والظواهر الاجتماعية في المجتمع العماني في زمنه، وأصدر أحكاماً قاسية حول السلوك العام للإنسان العماني، لكن تلك الصور كانت قليلة ومحدودة نسبياً، لأنه لم يشغل نفسه بتحليل شخصية الإنسان العماني ومجتمعه قدر اهتمامه بالجوانب المادية والإنجازات الحضارية، كالعمران والطرق والقلاع والحصون والأبراج والأفلاج والطواحين، وكلها معالم حضارية أرجعها مايلز إلى تأثيرات خارجية، نافياً ارتباطها بمهارات وأفكار وإنجازات محلية صرفة.الأدب الإغريقي والرومانيلقد كان مايلز، إلى جانب كونه معتمداً سياسياً ورحالة، باحثاً في الأدب الإغريقي والروماني وعالماً في اللغة والثقافة العربيتين، فاستطاع بهذه الخلفية المعرفية أن ينجز عشرة من المؤلفات والبحوث المهمة. فعلاوة على كتابه «دول وقبائل الخليج الفارسي» المنوه عنه سابقاً، أصدر المؤلفات التالية:* نبذة مختصرة عن تاريخ وجغرافيا الجزيرة العربية (1873).* على الطريق بين صحار والبريمي في عُمان، مع ملاحظة عن الزط (الغجر) في شبه الجزيرة العربية (1877).* رحلة في عُمان، في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية (1896).* عبر الجبل الأخضر في عُمان (1901).* على حدود الصحراء الكبرى: رحلة في عُمان (1910).* عقائد المذهب الأباضي.* الخطوط العريضة لتاريخ عُمان ما بين 1728 – 1883.* ملاحظة على قبائل عُمان.* ملاحظة على مذهب أباضية عُمان.وبالتمعن في مؤلفاته وبحوثه، نجد أنه كتب عن عُمان موضوعات متنوعة، بينها موضوعات لم يتطرق إليها غيره من المستشرقين والرحالة الأجانب السابقين أو اللاحقين، كموضوع الأعراق. حيث تناول مايلز بالبحث «الزط» أو الغجر في عُمان، فبين أصولهم وصفاتهم الجسمانية ولغتهم وعاداتهم وحرفهم ومواقع وجودهم. كما تناول بالبحث الأصول العرقية لسكان الشريجة في الجبل الأخضر، فقال إنهم من بقايا الغزو الفارسي لعُمان في النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي، ممن وصلوا إلى الجبل الأخضر ونجحوا في السيطرة عليه، قبل أن يُطردوا جميعاً باستثناء قلة قليلة انصهرت تدريجياً مع قبائل المنطقة، لجهة اللغة والزي والعادات والمهن، مع احتفاظهم بخصوصياتهم.التقسيمات القبلية في عُمانومن الأمور الأخرى التي ميزت كتب مايلز، تطرقها إلى التقسيمات القبلية في عُمان وحروب القبائل، التي كان المؤلف شاهداً عليها وعلى ما أسفرت عنه من محن. فقال مثلاً: «إن الحرب الأهلية التي انتهت فعلياً بانتخاب ناصر بن مرشد إماماً عام 1624، تعد علامة بارزة في التاريخ العماني، إذ قسمت البلاد أكثر من أي وقت مضى إلى فئتين متنافستين: الهناوية، والغافرية». وأضاف، في موضع آخر، أن: «القبائل دائماً في صراع، وقتال هو في الواقع أقرب إلى المناوشات منه إلى الحرب، وجرت العادة في هذه المناوشات أن يبدأ المقاتلون بإطلاق بعضهم النار على بعض عبر الخندق من الخلف، تتبع ذلك مناوشات شفهية، كل فريق يوبخ الآخر، ويستفزه ساخراً منه بغضب، حتى يلتقيا مستخدمين السيوف العمانية ذات الحدين استخداماً فاعلاً مؤثراً».غير أن مايلز لم يفته التأكيد على أنه رغم تلك الحروب والمناوشات القبلية، فإن للعمانيين قدرة عجيبة على تجاوز خلافاتهم والتوحد معاً في حال تعرض أمن بلادهم للخطر الخارجي، ولهذا وصفهم بالشعب الأبي الأصيل المعتد بنفسه، ذي القدرة على استعادة حيويته وعافيته، مثلما وصفهم بالشعب القنوع البسيط في عاداته.

عن مصدر الخبر

المصدر

Editor

Ads Here