الرؤية والمنهج عند أركون والجابري
يُعدّ كل من محمد أركون ومحمد عابد الجابري من أبرز مفكري الفكر العربي المعاصر، وقد اشتركا في هدف عام هو نقد التراث وإعادة بناء الفكر العربي الإسلامي، لكنهما اختلفا في الرؤية والمنهج والأدوات المعرفية.
🔷 أولًا: الرؤية عند محمد عابد الجابري
1. موضوع المشروع
ركز الجابري على نقد العقل العربي، أي دراسة البنية المعرفية التي شكّلت الثقافة العربية منذ العصر الإسلامي الكلاسيكي حتى اليوم. وقد عرض مشروعه أساسًا في سلسلة نقد العقل العربي التي تضم: تكوين العقل العربي وبنية العقل العربي وغيرها.
2. هدفه
تشخيص أسباب تأخر العالم العربي.
بناء عقلانية عربية حديثة من داخل التراث.
إحياء النزعة البرهانية العقلية التي يمثلها ابن رشد.
3. منهجه
اعتمد الجابري على:
المنهج الإبستمولوجي (نظرية المعرفة).
التحليل البنيوي والتاريخي.
تصنيف أنظمة المعرفة في التراث إلى:
البيان (النص واللغة والفقه).
العرفان (التصوف والفكر الباطني).
البرهان (الفلسفة والعقل).
ورأى أن النهضة العربية تقتضي إعطاء الأولوية للبرهان والعقلانية.
🔷 ثانيًا: الرؤية عند محمد أركون
1. موضوع المشروع
ركز أركون على نقد العقل الإسلامي، أي دراسة الكيفية التي تشكل بها الفكر الديني الإسلامي تاريخيًا، والكشف عن المسكوت عنه والمهمش في التراث الإسلامي.
2. هدفه
تحرير الفكر الإسلامي من القراءات المغلقة.
إخضاع التراث الديني للمناهج العلمية الحديثة.
فتح المجال أمام قراءة تاريخية وإنسانية للنصوص الدينية.
3. منهجه
اعتمد أركون على:
الأنثروبولوجيا.
اللسانيات الحديثة.
التاريخ المقارن للأديان.
التفكيكية وبعض مناهج العلوم الإنسانية الغربية.
كما أسس ما سماه “الإسلاميات التطبيقية”، وهو مشروع يهدف إلى دراسة الإسلام بأدوات العلوم الإنسانية الحديثة بعيدًا عن المناهج التقليدية.
🔷 أوجه التشابه:
كلاهما دعا إلى نقد التراث لا رفضه.
كلاهما سعى إلى تحديث الفكر العربي والإسلامي.
كلاهما جعل العقل والنقد أساسًا للإصلاح الثقافي.
كلاهما تأثر بالمناهج الفكرية الحديثة في الغرب.
🔷 أوجه الاختلاف:
الجانب
محمد عابد الجابري
محمد أركون
موضوع النقد
العقل العربي
العقل الإسلامي
المرجعية
التراث العربي الإسلامي نفسه
العلوم الإنسانية الحديثة
المنهج
إبستمولوجي بنيوي تاريخي
أنثروبولوجي ولساني وتفكيكي
الموقف من التراث
إصلاح التراث من الداخل
إعادة قراءته وتفكيك مسلماته
النموذج المفضل
ابن رشد والعقل البرهاني
النقد التاريخي المقارن للأديان
🔷 خلاصة:
يمكن القول إن الجابري كان يبحث عن عقلانية عربية حديثة تنبع من التراث نفسه، بينما كان أركون يسعى إلى إخضاع التراث الإسلامي لمناهج النقد الحديثة وإعادة قراءته قراءة تاريخية وإنسانية. ولذلك يُنظر إلى مشروع الجابري على أنه أقرب إلى الإصلاح من الداخل، في حين يُعد مشروع أركون أكثر راديكالية وانفتاحًا على المناهج الغربية المعاصرة.
كريم جدي
