صحيفة جديد العرب الدولية
الثلاثاء 11 ديسمبر 2018

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

25-07-18 11:52
من المتعارف عليه أن الدكتورة ساجدة طيبة في تعاملها مع المرضى في مستشفى الأمراض النفسية الذي تعمل فيه، ولا تعاني من أي مشكلات في طريقة تعاملها معهم، ولديها حرص بالغ بالأخذ بيد المريض النفسي حتى تستقر حالته، ويعود لأهله سليماً معافى. وكانت تتعامل معهم بحرفية تامة كطبيبة نفسية وأخصائية اجتماعية، وبعبارة حاذقة وذكية تعرف كيف تتواصل معهم نفسياً وذهنياً.
وكان المريض سعود يعتبر نفسه صديقاً لها، كثيراً ما يهفو إليها ما أن يراها، وأغلب الأحيان تستدعيه إلى مكتبها لتعرف إلى أين وصلت حالة الاستقرار النفسي والذاتي عنده. كانت كثيراً ما تحاوره في شتى أمور الحياة، وقد وصل إلى مكتبها قبل هنيهة وجلس قبالتها، وقال بهدوء كإنسان طبيعي جداً: بقي بعض من الوقت لأتأكد بنفسي من حقيقة، سألته وفي عقلها تدور مئات الأفكار (ترى ماذا يدور في ذهنه هذه المرة).. تعرف جيداً بأنه يعيش في عالم خيالي تراجيدي بين المأساة والكوميديا، والكثير من عباراته وأفكاره تستنبط منها حكمة ما، فتذكر دائماً ذلك المثل العظيم: (خذوا الحكمة من أفواه المجانين)، وهذا الرجل عاش حياة كريمة.. لكن حساسيته وعمق تفكيره وصدمة عاطفية سببت له الهذيان أوصلته إلى هذا المشفى وبين يديها.
اقتربت برأسها منه لتشعره بمدى اهتمامها.. تسأله:
- أي حقيقة؟!
متفكراً أجاب وقد أعطى أهمية كبيرة لسرية ما يقول حيث أشار إليها بأن تتقدم أكثر، وهمس في أذنها:
- قمت بإرسال برقية ثانية..
وقرر أن يصمت حتى لا يسمعه أحد..
- أردت أن أعرف قانون العالم الخارجي..
همس لها بصوت خافت جداً..
الرجل يخشى المغادرة، فالناس أقل حرصاً وإحساساً من طاقم المستشفى، فهو هنا ويريد إيصال رسالة حزينة إلى ذلك العالم المزدوج بين الإنسانية والشيطنة..
سألته لتسبر أغوار نفسه، فهي تريد أن يكون بصحة جيدة، ويغادر في أمان، وتعرف جيداً أن زوجته ليست مثل الكثير من النساء اللواتي يخدمن أزواجهن بمحبة، بل هي عاجزة تماماً عن قبوله في حياتها، ولا تتمالك نفسها عندما تراه يهلوس ويعيش عالمه الآخر، فقررت أن ترميه هنا في هذا المكان المنعزل عن العالم، وتعيش هي حياتها بحرية.
ألقت بنفسها على كرسيها الواسع المريح ذي الذراعين العريضتين، كانت تجلس في مواجهته، وهو ينظر إليها في صمت.. سألته:
- ما رأيك في الدنيا والناس؟
أسندت رأسها إلى الخلف على وسادة المقعد بهدوء وهي تتأمل شروده العظيم.. وتعرف إنه سينطق حكمة ما، ودونما أي حركة أجاب هو:
- الناس مثل القهوة والشاي، أصله مر المذاق والسكر إضافة مصطنعة.
أحست بغصته الجافة تملأ حلقه وقد هزتها كلماته.
ساجدة شابة لها وجه هادئ وجميل، تنم قسماته عن قوة وذكاء..
ولكنها في هذه اللحظات لم تشعر بالهدوء؛ فذلك الشخص الذي يجلس أمامها أطال التحديق إلى عينيها، ولم تكن نظراته تلك خالية، بخبرتها لاحظت في عينيه فكرة ثاقبة، قبض عليها اللحظة، واستحوذت على كل تفكيره، توقف متجهاً نحوها،
هناك شيء ما قاده إليها، وكانت تنظر نحوه بخوف، متكهنة ما يجول داخل ذلك العقل الحائر.. ما هو هذا الشيء؟
لم تكن متأكدة.. اقترب بوجهه منها وهمس لها:
- أما الدنيا.. فهي أنت..!
بلغت منها الحيرة الشديدة، لدرجة أنها لم تتمكن من تشخيص حالته في هذه اللحظة، فقط شعرت بزحف من مشاعر شتى مختلطة، داهمتها.
صدرها يعلو ويهبط في اضطراب، حاولت أن تتماسك، وأن تزيحه عنها وتشعره بالخوف منها، كلما دفعته التصق بها، قالت له (سأنادي الممرض).
همس لها:
- تتزوجيني..؟
عرفت ذلك الشعور بالمودة الذي يسيطر على كل مرضاها، وهي تبذل قصارى جهدها كي تقاوم نزعتهم ورغباتهم فيها، لكنها هذه المرة لا تشعر بإرادتها، وهي غير قادرة على مقاومته، حاولت التحرر من ذلك الشعور، ونادت الممرض.
غادرت نظراته عينيها، ونظر نحو الباب في فزع، والممرض يدخل ويقوده نحو الخارج وهو يردد:
- أنت طالق.. طالق.
ابتسمت لأنه رمى عليها يمين الطلاق، اعتبر أن طلبه الزواج منها تم.. ربما تذكر زوجته، أو هي رغبة كامنة في داخله لهذا الأمر.
قلبها يخفق سريعاً، لم تتوقف عن التفكير وسؤال نفسها، عما إذا كان ما تشعر به حقيقة أم هو مجرد شعور كاذب يسيطر عليها بشكل مؤقت، ربما هي مجرد متعة شعرت بها عندما طلبها للزواج، وطلاقه ذكرها بزواجها الفاشل. حاولت نسيان ما حدث، لكن عقلها الأنثوي منعها من النسيان، وأدركت أن ذلك الشعور ليس خالياً.
كانت تعلم بأنها مخطئة في هذا التفكير، لكن هناك سلسلة طويلة تمتد أمامها من سيرتها الذاتية، والعملية.. لم يسبق لها أن شعرت بهذا القرب من أي مريض تحت إشرافها، أو حتى زميل لها.
فهي لم تعد تؤمن أن هناك من يستحق أن تعطيه من روحها، بعد طلاقها من أبي أطفالها الثلاثة وزواجه بأخرى.
لقد أحبت زوجها وقدرته، لكن هو كان يحب نفسه، ويعيش من أجل ذاته فقط حتى سئمت العيش معه.
طُرق باب مكتبها، دخلت امرأة أنيقة، تبدو من الطبقة المخملية، تغطي نصف رأسها بمنديل أسود مزركش، وعباءة من النوعية الفاخرة، تأملتها في صمت فتحدثت معرفة بنفسها:
- معك زوجة المريض سعود..
شهقت شهقة خفية وابتسمت لها:
- أهلاً وسهلاً.. تفضلي..
وبدا لها في لحظة أن تلك المرأة لم تأتِ لزيارة زوجها، وفي الغالب لم تكن تريد رؤيته، ولا يهمها أمره.
داهمها إحساس قوي بالغضب؛ حينما قالت تلك المرأة:
- أردت أن أبلغك بأني مسافرة إلى الخارج، ولا أريد أن يخرج سعود حالياً من الصحة النفسية، حتى أكون حرة في التصرف في المال، وحتى لا أكون قلقة عليه وهو وحده.
أجابتها:
- وهل تظنين أن الشرع يجيز لك هذا التصرف؟
انتفضت ونهضت واقفة وقالت وهي تغادر:
- لا يحق لك محاسبتي.. قومي بعملك وكفى..
مسكت نفسها عن الرد، ووضعت يدها على خصرها ونادت الممرض أن يحضر لها مريضها سعود..
دخل عليها في خوف، وتردد.. أجلسته وطلبت من الممرض المغادرة، نظرت إلى عينيه مباشرة:
- تتزوجني؟!

مريم الحسن- الدمام

 


خدمات المحتوى


تقييم
8.00/10 (1 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى