صحيفة جديد العرب الدولية
الثلاثاء 23 يوليو 2019

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
ملفات وتقارير
الهويات العربية القلقة
16-08-15 07:22
ينتج العالم العربي اليوم وجوداً بديلاً خارج حدوده. وكأن حالة اليأس التي تنتابه تاريخياً، والحزن المبطن عبر القرون الذي يشابه اليأس في الكثير من مواصفاته؛ تدفع به إلى إيجاد مساحات تعبيرية أخرى أكثر حرية وجمالاً. قد لا تكون هذه المساحات مجانية، ولكن لا قوة تمنعها من التعبير وتكوين فضاءات جديدة تتنفس الحياة، وقليلاً من الحرية. نرى هذا واضحاً في فرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا وبلدان أوروبا الشمالية وأمريكا وغيرها. من يغادر وطناً كبر فيه، يجمع أحلام طفولته ورفات الذين صنعوا حياته وتاريخه؛ لا يفعل ذلك عن طيب خاطر، حتى ولو كانت مغريات العالم الغربي كبيرة، إذ سرعان ما يكتشف سر الفقاعة الشديدة اللمعان، فيصبح متأرجحاً بين البقاء والعودة. وعندما يتوافر سبيل خط الرجعة لا يتردد ثانية واحدة، بالخصوص إذا تحول العالم الحر الذي سلك الطريق باتجاهه إلى خيبة لا يمكن ابتلاعها. مشكلة الفنان تختلف عن العادي، فهو لا يطلب الكثير، لكنه في الوقت نفسه يطلب شيئاً شبه مستحيل، أن يكون حراً في تعبيراته الفنية الموسيقية أو التشكيلية أو اللغوية. الحرية في رأيه لا تقبل التجزئة، فهي نظام حي وديناميكي قبل أن تكون خيارات فردية أو جماعية. من يكبر داخل الموانع، لا يرى العالم المتحرك من حوله إلا داخل تلك الموانع، كيفما كانت تمظهراتها وتجلياتها. ربما هذا واحد من الأسباب الجوهرية التي جعلت من موسيقى الهجرة والرحيل، شكلاً من أشكال التعبير عن هويات مصبوغة بقلق المنافي. تتأرجح بين أنا تبتعد باستمرار، وآخر أصبح ينكر حقها في الوجود، في عالم متحول نحو تعبيرات فاشية وعرقية وطائفية وعنصرية، إذا لم يتم وعي واستدراك هذه المخاطر في الوقت المناسب.
تنتشر الفنون الموسيقية بقوة في المغرب العربي وأراضي الغربة والمهجر، وتحمل في باطنها موسيقاها واحتجاجها الكبير ضد الأوضاع المعيشية في بلدانها الأصلية. وفي الأراضي التي استقبلت الجيل الأول من المغتربين في نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين؛ ظهرت في نصف القرن الأخير وبشكل متواتر فرق فنية كثيرة تحمل الهواجس نفسها، كانت في جوهرها أشكالاً فنية تعبيرية حية وعنيفة، وشعبية، نقلت الهمّ الوطني وممارسات الاستعمار إلى الأرض الجديدة. كانت عشقيةً أيضاً في بعض مكوناتها اللغوية والشعرية، تتغنى بالمرأة، وتستذكر الماضي. واحتجاجيةً في موسيقاها وفي تشكيلاتها الإيقاعية، ضد الظلم والقسوة وسرقة الحرية والبؤس الحياتي. بسيطةً في مكوناتها ونظامها، لأن منبعها الأساس شعبي، ومباشر، يفهمها كل الناس حتى ولو كانوا من ثقافات بسيطة ومختلفة، بدليل نجاحها عالمياً، بالخصوص في جانبها البربري الأمازيغي، والمغنى باللهجة العربية المغرقة في عاميتها. هي لحظة مشحونة بالرموز، يتداخل فيها الجرح الذي ينزف بيوميات الناس، كالفقر والظلم الاجتماعي والعنصرية، والطبقات الاجتماعية الجديدة الصاعدة التي لا تحمل أي قيم حياتية وأخلاقية، فهي بلا فكر ولا ثقافة ولا وعي، يحكمها التسطح والأحكام الجاهزة، والفقر الثقافي، والحب والحرب وعلاقة الرجل بالمرأة، ومأسوية الوضع النسوي في البلدان الأصلية، والخيبات التي تهز الناس يومياً. المدهش هو أنه على الرغم من هذه المضامين القاسية، نجد أن أغلب الطبوع والأنغام مصاغة فنياً ضمن إيقاعات راقصة، يختلط فيها المنجز الموسيقي الغربي بالشرقي: (التام تام) الأفريقي الذي يذكر بالعبودية والتعبيرات الجافة والشاقة؛ بالكونترباص المضخم، والإيقاعات الخفيفة المعشّقة بالنوبات الأندلسية والإسبانية القديمة، بالخصوص في البلدان المغاربية، تحديداً المغرب والجزائر وتونس، حيث النشاط الموسيقي أكثر تجلياً وحركة. إذ نجد بشكل واضح ذلك التمازح الإيقاعي الإسباني الشرقي الذي له حتماً ما يبرر وجوده التاريخي. وهران مثلاً، المستعمرة من إسبانيا لمدة ثلاثة قرون؛ كانت منطقة عبور وإقامة للأندلسيين المرحلين من خلال هجراتهم الأخيرة في سنة 1609. قبل أن تصبح الرحلة عكسية، وينتقل الإسبان نحو وهران في فترة الحرب الأهلية الإسبانية في 1936. من هذا الخليط نشأت موسيقى هجينة، خلاسية بكل معاني الكلمة، فصنعت المشهد الموسيقي العالمي من خلال الأعمال الثنائية كالشاب مامي الذي غنى مع الفنان العالمي ستينغ، أو الشاب خالد الذي أنجز أغاني ناجحة مع غولدمان وغيره، ومنها عيشة. أو المغني الأمازيغي إيدير المعروف مع فنانين أنجلوسكسونيين والاستعانة بالموسيقى والأصوات السلتية والبروتانية. أصبحت الساحة في التسعينات تحديداً تزخر بجيل رأى في تاريخه الموسيقي نموذجية يمكن الاستفادة منها وتسويقها عالمياً بمزجها بالطبوع الغربية والإنسانية التي تسمح لها بأن تحقق انتقالاً سهلاً واختراق الحدود المغلقة. خرج هذا الجيل من سلطان موسيقى الديفا أو الرائدة في فن الراي، التي هيمنت على الأغنية الرايوية زمناً طويلاً، الشيخة رميتي، التي ملأت عصرها بقوة، والتي توفيت في أراضي الغربة، في العزلة والوحدة القاسية، ودفنت في بلدتها الصغير إيغيل-إيزان، بحسب وصيتها، بلا رايات ولا احتفالات خاصة، ولا أدنى اهتمام من المشرفين على الثقافة وقتها، في الجزائر، مع أنها المؤسِّسة الكبيرة لفن الراي الذي أصبح عالمياً بفضل جهود جيلها والأجيال التي أعقبته، وتجربتها الخلاقة بالخصوص بعد انتقالها من مدينتها ومسقط رأسها، إلى باريس حيث وجدت مساحات تعبيرية كبيرة من الحرية والتمادي في معالجة الموضوعات الإنسانية الأكثر حظراً في البلاد العربية كالمرأة، والزواج والمعاشرة، الحب والكراهية، الغيرة، نقد الوطنيات الزائفة، الجشع وغيرها. الشباب، الذين أتوا إلى الساحة الفنية لاحقاً، أعادوا ميراثها إلى الواجهة. غيروا اسم الشيخ التي كانت تعني المعلم إلى كلمة الشاب التي تعني ضخ دم جديد في فن بدأ يتقادم، وطوروه بقوة وجرأة مع تغيير جوهري في الآلات المستعملة. بدل الآلات التقليدية كالقصبة أو الناي والبندير والقلال أو القلوز، والقصبة، حل محلها السانتي الذي عوض الكثير من الآلات، النفخية والإيقاعية، والساكسو الذي كان من ورائه شخصية مميزة، قليلاً ما ينتبه لها المختصون. بلّمو الذي اخترق نهائياً قدسية الراي التقليدي وأدخل فيه مزيجاً غربياً، كان إلى وقت قريب مستهجناً على الرغم من التأثيرات الإسبانية الواضحة في الغرب الوهراني، والباتري والقيثارة الجافة والكهربائية والكمان والفيولونسيل وغيرها من الآلات والموازين والإيقاعات. ودخل الشباب الجدد غمار تجربة أكثر عالمية في فن الراي كالثالوث المعروف خالد ومامي وطه وغيرهم، من أمثال الشاب فوضيل الذي يعتبر ثمرة الغربة لأنه ولد وكبر في فرنسا، والشابة فضيلة وصحراوي وغيرهم، فقلبوا ليس فقط الفن باستعمال آلات غربية مع الحفاظ على الإيقاع الشرقي ولكن حتى الطبوع التي حولها المزيج الخلاسي إلى شيء جديد يرقص عليه الشرقي والغربي معاً. لكن هذه الموجة انحسرت قليلاً في نهايات التسعينات، أمام موجات جديدة كانت بدورها أكثر استجابة للمعطى الثقافي الإنساني الجديد، كان وراءها شباب اعتنقوا المدارس وتعلموا الموسيقى والسولفيج على الأصول، ولم يكتفوا بالصوت الجميل كموجة شباب الراي. ودخلوا حلقات موسيقى الراب والبلوز والكونتري والجاز، إريمبي، وغيرها، موسيقى أكثر جرأة في أداءاتها، إذ ترتكز على المخزون الموسيقي العالمي وعلى اليومي القاسي في مضامينها، بلغة حادة وجارحة، ونقد صريح لا يضع القفازات أثناء الكلام، كمشكلة البطالة والمخدرات والدعارة والخوف من مستقبل مبهم، والعنصرية، لكن أيضاً مشكلات البلاد الأصلية التي نستهم ونست تاريخهم، كظاهرة الإرهاب التي أدمت بلدانهم، والسخرية من البيروقراطية ومؤسسات الدولة المتهمة بالفساد، ومن الأحزاب التي تولد وتموت كالفطريات، وممثلي الشعب الذين لا علاقة لهم بالثقافة، والحكام والخيبات الوطنية الكبرى في أجيال الثورة. بل حتى المؤسسة العسكرية التي كانت في منأى عن كل نقد، مسها النقد اللاذع، وقبة البرلمان التي تعقد تحتها الصفقات خارج المصلحة الشعبية، حيث لا شيء يهم إلا المصالح الخاصة والنهب. لهذا لم يُرحب كثيراً، في البلدان الأصلية، بهذا الفن الجديد والعاري من كل خوف، كالفنان بعزيز الذي منع من الظهور في القنوات الوطنية الرسمية، بسبب أغنية انتقد فيها ببث حي وبشكل مر وبسخرية سوداء المؤسسة العسكرية وعلاقتهم بالتهريب والتحكم في التجارة، والفساد الذي ينخر البلدان المغاربية. والفنان التونسي كافون الذي تابع الثورة التونسية وعبر عن خيباتها بنقد المجتمع الجديد الذي بنى مجده على الكذب والنهب والخطابات الجوفاء والسجن والمخدرات التي تأكل المجتمع بصمت. ودوبل كانون في الجزائر الذي راجت أغانيه بشكل واسع قبل أن تتنبه لحدتها ونقدها المؤسسة الرسمية، فتعرض للمنع والظهور بعدها مباشرة، ليس فقط في القنوات الرسمية ولكن أيضاً في القنوات الخاصة التابعة في أغلبها إما لأفراد أو لأجهزة. أما فنانة الكونتري، سعاد ماسي، فقد اختارت المغادرة النهائية لأرضها، لا تحمل شيئاً كما تقول، إلا قيثارتها، لتستقر بين فرنسا وأمريكا، حيث ظلت وفيّة للنوع الذي سارت عليه قبلها المغنية الأمريكية المناضلة، الرافضة للظلم والعنصرية، جان بيز، بصوت دافئ يضرب في عمق التاريخ، ولكن بنقدية صارمة أيضاً، من خلال نصوص تغلب عليها رومانسية مقاومة لابتذال الإنسان وكسر إرادته.
وتأتي الموجة الثالثة المتسيدة اليوم على المشهد الفني، التي فرضت نفسها بقوة في المجتمع الغربي على وجه الخصوص، فاخترقت كل الحدود لأنها وجدت نفسها في فن اتسم بالعالمية: الجاز. جعلت منه وسيلتها التعبيرية الأساسية وأداتها لاسترجاع ميراث الأجداد والنقد والتقاطع مع الثقافات الأخرى من دون خوف على هوية تستطيع أن تستوعب خصوصياتها وتستقبل أيضاً ما يغنيها من عناصر إنسانية تكوينية. تنظم لها اليوم مهرجانات خاصة بها، وتسحب نحوها الآلاف من المعجبين في أوروبا وأمريكا، لأنها اختارت الإيقاع الأكثر شعبية عالمياً، ولم تدفن نفسها في المحلية الضيقة. على رأس هذا الجيل الفنان والعازف والملحن أنيس بن حلاق، ظهر بخصوصية واضحة قد لا نجدها عند الآخرين. فقد سحب كل ثقافة الجاز المتفتحة نحو عالمه الشرقي ليصبغ عليها لمسته الفنية الحية. متميز ومتفرد في جهوده التي تتأسس على ثقافة محلية وإنسانية واسعة، يملأ اليوم القاعات الفرنسية والأوروبية والمغاربية الكبيرة، في كل ظهور له. آخر حفلاته، كان قبل مدة قصيرة في معهد العالم العربي، بباريس، حيث غاصت قاعة العروض الكبيرة عن آخرها، وكان من المستحيل الاستجابة لكل رغبات وطلبات الجمهور الذي بقي جزء منه خارج القاعة، فاستمرت السهرة حتى آخر الليل، ثم سهرة مونتي كارلو، والدار التونسية بباريس وسهرات الضواحي.
الجميل في كل هذا، هو أن الجمهور الذي يحضر هذه العروض الفنية، وهو من جنسيات متعددة، عربية، أمريكية لاتينية، أوروبية أمريكية؛ محب للجاز بقوة، بغض النظر عن تنوعاته ومدارسه المختلفة التي يتشكل منها، وبغض النظر أيضاً عن جنسيته. بل إن الجاز الحيوي استطاع أن يتحول هو نفسه إلى هوية مفتوحة دائمة العطاء والاستقبال. وكأن الجاز الشرقي اليوم يشكل وسيلة جديدة يرى المهاجر العربي، أو كيفما كانت جنسيته، من خلالها، آلامه ومآلاته التي ترسم في الأفق سواداً لا يخترقه إلا الجاز بقوته الباطنية التي لا تؤمن بالعالم الثابت والمغلق والمنتهي.

د. واسيني الأعرج - باريس

 


خدمات المحتوى


تقييم
8.00/10 (1 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
جديد العرب arabsnew.com@gmail.com


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى