صحيفة جديد العرب الدولية
الثلاثاء 23 يوليو 2019

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
ملفات وتقارير
هذا العمل من نسج الخيال !
24-11-14 08:30
شَكّلَتْ الأعمال الدرامية التي تتأسس بنيتها على حدث واقعي شهير يستثمره المُبدِع ليحمله بما يطيقه - وفي بعض الأحيان بما لا يطيقه - إحدى الممارسات الفنية التي اعتمدتها الدراما التليفزيونية والسينمائية والمسرحية على مدار تاريخها المديد، وما بين الإعلان عن الانتماء الصريح للتاريخ أو التواري خلفه أو التأكيد على الانفصال عنه تراوحت تصريحات مؤسسي هذه الأعمال التي حضرت بكثافة لافتة في دراما رمضان 2014، واضعة المتلقي أمام تساؤل مشروع حول المقومات الإغرائية التي تحوزها، والتي تحفز المُبدِع على مقاربتها، على الرغم من دروبها المُفخَّخة بأشراك فنية واجتماعية وسياسية، وفي كثير من الأحيان قانونية.

تظلم الشاشة ثم تبدأ الكلمات تتابع في الظهور على الخلفية السوداء مشفوعة بصوت نقرات الكتابة التقليدية لتنقش عبارة «إن هذا العمل من نسج خيال المؤلف ولا يمت للواقع بصلة وأي تشابه في الأحداث أو الأشخاص بينه والواقع هو من قُبَيل الصدفة البحتة».. بهذه العبارة أو بتغير طفيف في محتواها- استهلت مسلسلات عديدة تتراتها، مولدة تساؤلاً منطقياً حول القيمة الوظيفية لهذه العبارة، أو بصيغة أخرى حول جدوى افتتاح العمل الدرامي بهذه العبارة الخبرية ذات الطابع الجاف؟ تبدو الإجابة موزعة بين مستويين أولهما مباشر ذو منزع نفعي، وثانيهما أكثر مراوغة وإن تشبث بمنطقية العلاقات وبلاغة الإشارات.

فالتفسير الأول يرى في هذ النوع من العبارات التي اعتادها المتلقي العربي إحدى الوسائل الناجزة التي يتذرّع بها القائمون على العمل للنجاة بأنفسهم من الوقوع في براثن الدعاوى القضائية التي يمكن أن يقيمها أصحاب الحكاية الواقعية بغية تحقيق بعضٍ من المكاسب المعنوية أو المادية.

أما التفسير الثاني فينظر إلى هذه العبارة المتأطرة ببراءة ممجوجة بوصفها إحدى الحيل الفنية -لا القانونية- التي يلجأ إليها المؤلف لتأكيد العلاقة بين عمله الفني وظهيره الواقعي، بما يضمن تحقيق مزيد من المقبولية لعمله لدى المتلقي العربي المُولَع بتحقيق العلاقات الترابطية بين المعيش والمتخيّل على مستوى الأحداث والأشخاص، بما يجعل العبارة الآنفة تؤدي دوراً جمالياً عبر ما تسبغه على العمل من بعد شعري نابع من قدرتها على استثارة الحس التأويلي لدى المتلقي.

إن قيمة العبارة الوظيفية تتخلق بإيحاءاتها ومأزقيتها وتوزعها بين الرمزية والواقعية، وكأنها تدعي انفلاتها من المرجعية الواقعية لترسخ هذا التلازم، ولكن عبر شفرة جمالية تجعل المتلقي مُدمَجاً في أتون تأسيس هذه العلاقة أو بالأحرى تأكيدها لتتحدى من يعيش مأزقاً وتمزقاً بين الرمز والواقع.

يبدو من المُجْحِف تصنيف الأعمال التي تستلهم حكايتها من الواقع بوصفها أعمالاً من الدرجة الثانية على المستوى التأليفي، فعلينا ألا نغفل عن مأزقية هذا النمط من الأعمال، حيث يجد المُبدِع نفسه في مواجهة إشكالية تحقيق التوازن بين فعلي الاتكاء على الواقع والانفصال عنه، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر.

ففي مسلسل «ابن حلال» على سبيل المثال يدرك المتلقي من اللحظة الأولى أنه سيكون في مواجهة عمل درامي يعتمد على حادثة شهيرة لابنة إحدى المطربات التي قُتِلَتْ على يد نقّاش، ويبدو المؤلف عامداً منذ بداية العمل على تأكيد هذا الإغراق في المرجعية الواقعية بتأسيس شبكة من العلاقات التماثلية التي تكاد تتطابق مع الواقع، كما يتجلّى على سبيل المثال في مشهد النقاش الذي يجبره ضابط المباحث على الاعتراف بجريمته تحقيقاً لمصالح أحد رجال الدولة الذي تورّط ابنه في الجريمة، يتذكر المُشاهِد حالة الارتباك التي أصابت المتهم الحقيقي وهو يقوم بعملية تمثيل الجريمة أمام النيابة حتى أنه كان يتلقى التعليمات من ضابط المباحث بشكل أثار استفزاز وحفيظة المُطالِع لهذا الفيديو المُسرَّب حينها، يحرص العمل على تكرار المشهد ليدعم علاقة المحاكاة التي تصل إلى حد التطابق بين النصين الواقعي والفني، غير أن الجديد الذي يضيفه العمل الدرامي يتمثل في التطرُّق للنواحي الإنسانية لأطراف المعادلة الدرامية كافة، محاولاً إعادة الحياة لهذه الشخصيات التي لا يعرف عنها المتلقي شيئاً سوى من صفحات الحوادث، يبث الحيوية في شرايين هذه الشخصيات الورقية بجرعات إنسانية تغوص في أعماقها وتكشف عن جوانب ضعفها وقوتها.

يتكرّر الأمر في مسلسل «المرافعة»، الذي يعتمد على الحكاية الشهيرة لمقتل المطربة العربية على يد أحد رجال الأعمال المشهورين عبر قاتل محترف، حيث يكاد المتلقي يحدِّد الشخصيات بأسمائهم الحقيقية في اللحظة التي يجد فيها نفسه متعاطفاً وناقماً في الوقت ذاته على الشخصيات التي تكتسب حيوية بفعل تعايشها معه لمدة 30 يوماً ليجد نفسه في النهاية يعيد تقويم الفعل التاريخي المرجعي على أساس العمل الفني.

تظلّ ثنائية المراوحة بين الواقع والفني حاضرة بقوة حتى في الأعمال التي تعلن انتماءها الصريح إلى التاريخ، كما نلفيه في أعمال مثل «صديق العمر»، الذي يتناول حياة المشير عبد الحكيم عامر، متطرقاً إلى جوانب إنسانية أسهمت في تغيُّر وجهة نظر مجموعة كبيرة من المشاهدين تجاه هذه الشخصية وعلاقتها بغيرها من الشخصيات بمن فيها شخصية الرئيس جمال عبد الناصر.

لا شك أن الغاية الأيديولوجية للكاتب تظلّ هي الروح الهادية التي تسري في أوعية العمل لتقوده إلى مصبها، ومن ثَمّ يغدو اتكاء العمل على حدث واقعي أحد سبل تحقيق هذه الغاية الأيديولوجية التي يمكننا تحديدها في التشويش على المرتكزات الثابتة التي اكتسبت رسوخها بفعل مألوفية التكرار وإخصاء الممارسات النقدية الكاشفة عبر شبكة من علاقات المصالح والفساد، ليغدو فضحاً لسلبية السياق المحيط الذي يعيد النظر فيما ظنه ثوابت مما يخلق لديه حالة من حالات التشكك المنتج في الثابت الذي يصير متحولاً خاضعاً للممارسة التأملية، وهي البوابة التي يدلف منها المتلقي بمعاونة المبدع وإرشاده إلى النظر في الثابت في المجالات كافة.

ومن ثَمّ يمكننا تلمُّس حدود نجاح العمل التليفزيوني ذي الأهداب المرجعية من خلال قدرته على الانفتاح على التاريخ وحفز المتلقي على إعادة مساءلة التاريخي لصالح الفني، فلا يكاد ينتهي العمل الفني حتى يبدأ المتلقون مدعومين ببرامج «التوك شو» في إعادة الحياة إلى القضيّة المنسيّة وإخضاعها للتحليل المنطقي، الذي يتأسَّس في كثير من الأحيان على تفصيلات العناصر الفنية المتناثرة داخل العمل، ونتذكر جميعاً التغير الكبير الذي حدث في موقف فئة كبيرة من المشاهدين تجاه شخصية الملك فاروق بعد عرض مسلسل الملك فاروق، الأمر الذي وصل إلى حد تحريك المياه الراكدة في البركة التاريخية وإعادة طرح الثنائية الأليفة الظالم والمظلوم مع تبدُّل عناصر المعادلة، وهو ما تكرّر مع معظم الشخصيات التي تناولتها الأعمال الدرامية، سواء أكانت شخصيات سياسية أم فنية أم اجتماعية، وهو ما يؤكد مجدداً قدرة الإبداع على القفز فوق حواجز الزمن وتحطيم أسوار التاريخ الراسخة، مؤمناً أن جوهرَ الصراع بين الفرد وسياقه معرفيٌّ وليس قيمياً أخلاقياً، ومن ثَمّ يكون من الطبيعيّ انتهاء مسببات الصراع عندما يُقدِّم المُبدِع للمتلقي الفرد هذه المعرفة التي تحقق له التوازن المعرفي، الذي يمكن الاعتماد عليه في الحكم على صحة - أو فساد - وجهة نظره في هذه القضية وغيرها من القضايا المسكوت عنها.

متابعات
مثقف نازح
أوروبا.. آفاق الحركات
أي مستقبل لليمن؟
طموحات وكوابيس
العودة إلى نصر حامد أبو زيد
هجرة جديدة

سينما
الخيال الحائر
مذاق خاص
جرأة زائدة
خالد صالح.. عمر قصير وسيرة
جولييت بينوش لـ «الدوحة»: ..
رأفت الميهي .. رهانات

تشكيل
خلف طايع .. رَسّام كل الوجوه
أحمد طوغان .. شواهد

موسيقى

أدب
باتريك موديانو .. أوراق حميمة
احتفال بِفَنّ الذاكرة
موديانو بيننا
أسطورة حيّة
عبدالله سالم باوزير .. ثلاث
كاتب عربي في بزّة عسكري



د.علاء عبد المنعم إبراهيم

 


خدمات المحتوى


تقييم
0.00/10 (0 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
جديد العرب arabsnew.com@gmail.com


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى