صحيفة جديد العرب الدولية
الثلاثاء 23 يوليو 2019

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
ملفات وتقارير
أي مستقبل لليمن؟
24-11-14 08:28
«ما الذي حدث بصنعاء؟» هذا السؤال يشغل الناس في وقتنا الحاضر. لكي نفهم الأحداث الجارية لابد أن نرجع بذاكراتنا إلى الماضي.. وهناك متوالية حسابية طريفة، تشير إلى أن اليمن يمر كل عشر سنوات بحدث تاريخي مفصلي.



(1994) النهاية السعيدة

للحرب الباردة في اليمن:

شكّلت صنعاء أحد محاور الحرب الباردة التي اشتعلت بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وتكوّن هذا المحور المنحاز للغرب من ثلاثة أجنحة: جناح عسكري، جناح ديني، وجناح قبلي. وللتسهيل سنسميه «محور صنعاء».

ساهم هذا المحور بفعالية في مكافحة الشيوعية في مناطق عديدة من العالم، وأبرزها بالطبع في اليمن الشمالي، حيث تمكّن من دحر القوى اليسارية والتقدمية بمختلف تشكيلاتها، وبالأخص تيار «الجبهة الوطنية»، الذي تبنّى الكفاح المسلح في ثمانينيات القرن الماضي. كما شارك هذا المحور بنشاط في حرب أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي، وبفضل هذا «الجهاد» نالوا تقديراً وسمعة حسنة لدى العامة. وبلغ «محور صنعاء» ذروة سطوته عندما اندلعت الحرب الأهلية بين اليمن الجنوبي واليمن الشمالي، وتمكّن من اقتناص انتصار ثمين، أدى إلى تصفية النظام الاشتراكي، وطي صفحة الحرب الباردة للأبد في هذه الرقعة من العالم. لطالما كان نظام عدن حليفاً موثوقاً للاتحاد السوفياتي وكوكباً من كواكب المنظومة الاشتراكية.. لكن «محور صنعاء» تمكّن من محوه في تلك الحرب.

بالنسبة للإدارة الأميركية فإن إغلاق ملفات الحرب الباردة جزء لا يتجزأ من سياستها الخارجية، وهذه عقيدة ثابتة، ظلت قائمة طيلة القرن الماضي، ومايزال معمولاً بها في قرننا الحالي. وتعد جزيرة العرب –هذه القطعة من الأرض التي تشبه القلب البشري- واحدة من الحالات الناجحة، والتي انتهت بنهاية سعيدة.. ووفقاً لهذا المنظور يعد قادة «محور صنعاء» أبطالاً دوليين، ساهموا بقسطهم في الحملة الكونية لإنقاذ كوكب الأرض من لحية كارل ماركس المنقوعة بـ«الأفكار السامة»، كما يقول البعض. ولأجل هذا الإنجاز، تهيأت الأسباب في الداخل والخارج لأن يُمسك «محور صنعاء» بالسلطة، ويصبح الحاكم العميق لليمن، متجاوزاً بمراحل السلطة الفعلية لشاغل منصب رئيس الجمهورية، وكان هذا أمراً يُلمح بالكاد في عهد الرئيس السابق علي عبدالله صالح، ثم صار أكثر وضوحاً في عهد الرئيس عبدربه منصور هادي.

كان «محور صنعاء» يُمارس الحكم من وراء الستار، ويجني العوائد وينال المكاسب في المراكز القيادية للدولة بوصفه الطرف المنتصر «الأصيل» الذي كسب الحرب ضد اليسار، وأخرس أعداء النظام طيلة ثلاثة عقود من التضحيات بالدم والعمل الشاق الدؤوب. ومن هنا كان بقاؤهم في بلاط السلطة هو الثمن الطبيعي لجهودهم التي تكللت بالنجاح.



(2004) في صعدة:

عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر (2001) أطلقت الولايات المتحدة نفير الحرب على المتشددين الإسلاميين في جميع أرجاء العالم.

لم يتورط «محور صنعاء» في أية أعمال عدائية ضد الغرب، أو هذا ما يبدو ظاهراً للعيان على الأقل.. لذلك لم يتأثر هذا المحور بالحملة العسكرية الأميركية الضخمة التي اجتاحت عدداً من دول العالم، وبدا وكأنهم في مأمن تام من تلك الغضبة الأنجلوسكسونية! وإذا كان الغرب قد أظهر قدراً كبيراً من التسامح تجاههم، فإنهم بالمقابل لم يبذلوا التسامح الذي حظوا به من الآخر لإخوانهم، بل فعلوا العكس، وشنوا حرباً طاحنة على جماعة دينية شيعية منعزلة في أقصى شمال اليمن، وشرع «محور صنعاء» بملاحقة منتسبي هذه الجماعة في جبال ووديان (صعدة) وقتلهم ودك قراهم بالمدفعية والطيران الحربي، وبلغ العنف ذروته في الثامن من سبتمبر (2004) عندما وقع مؤسس الجماعة أسيراً في قبضة قوات الجيش، فصدرت الأوامر بتصفيته.. كان مؤسفاً التشكيك في سلامة إسلام ساكنة (صعدة) الذي هو مجتمع مسلم محافظ جداً، وشديد الاعتزاز بعاداته وتقاليده العربية الأصيلة.

أتذكر مشهداً عالقاً بذاكرتي: مواكب المهنئين الذاهبة إلى مقر الفرقة الأولى مدرع للتهنئة بالنصر، وأتذكر رجلاً من بينهم أخرج جسده إلى خصره من سقف السيارة، وراح يرقص على إيقاع الدفوف وهو يُمسك السيف بكلتا يديه.. شيء ما في هذه الرقصة الفخورة المزهوة جعلني أشعر وكأنني امتطيتُ آلة الزمن وسافرتُ إلى العصور القديمة.

أثناء الحرب أصدر اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بياناً يُطالب بوقف فوري لإطلاق النار، وأن تدفع الدولة تعويضات للمتضررين ولأهالي الضحايا. وقتها اُعتبر هذا البيان كفراً ولم يجد أُذناً صاغية، وظن «محور صنعاء» المُدجج بالسلاح أن بإمكانه تحقيق انتصار سهل لاستئصال الحركة الحوثية بصورة نهائية من (صعدة).

وعلى عكس تمنيات «محور صنعاء» لم تخمد الحركة الحوثية عقب الهزيمة، بل ازدادت توسعاً، وانضم إليها الآلاف من الأتباع الجدد. وتجدّدت الحرب بينهم عدة مرات، آخرها الحرب السادسة (2009).



(2014) عودة الحرب الباردة:

في الحادي والعشرين من سبتمبر (2014) اجتاح أنصار الله الحوثيون صنعاء، وتمكنوا بسهولة نسبية من بسط سيطرتهم على عاصمة البلاد. هناك الكثير من اللغط الإعلامي حول هذا الحدث الجلل، وكلٌ يقول الحقيقة التي يعرفها، وهذه «الحقائق» التي تتداولها الأفواه إما بعيدة عن الحقيقة الفعلية، أو هي حقيقة جزئية.. وأما الحقيقة الكاملة فلا يعرفها أحد، باستثناء قلة محظوظة تجلس مرتاحة على كراسيها الوثيرة في أصقاع المعمورة الأربعة.

تَلقّى «محور صنعاء» ضربة موجعة، وتفرّق قادته في المنافي، وهذا العقد الذي انفرط يصعب تجميعه مرة أخرى.. ولأجل ملء الفراغ في السلطة، تجري الآن في صنعاء عملية تكوين محور جديد، ومكونات هذا المحور هي ضديد أجنحة المحور السابق العسكرية والدينية والقبلية.

قد يتسرّع البعض ويُعلن وفاة «محور صنعاء». في تقديري الشخصي أن هذا المحور لم يمت، صحيح أنه أُثخن بالجراح، وذاق مرّ الهزيمة، إلا أنه سوف يسعى إلى استعادة عافيته، وخوض جولة ثانية من الصراع. ومن السذاجة الاعتقاد أن «محور صعدة» سوف يكتفي برفرفة أعلامه على روابي صنعاء وتخومها، إذ من المتوقع أن يواصل أنصار الله الحوثيون بسط سيطرتهم على كامل التراب اليمني.

هذا السيناريو الذي بدأت ملامحه تنجلي، يكشف أن «محور صعدة» سيشارك بفعالية في الحرب الباردة، وسيكون انحيازه للمعسكر الشرقي المتعدد الأقطاب، الذي يضم اليوم روسيا وإيران والصين.. وهذا سيعني تغييراً جذرياً في السياسة الخارجية لليمن خلال السنوات المقبلة، كما يعني ضمنياً عودة الحرب الباردة في المنطقة، بما قد يُنذر بحدوث سباق للتسلح، أو ما هو أبعد من ذلك!

هل نستطيع من خلال قراءتنا لهذا العرض السريع أن نخمن ما سيحدث في المنعطف التاريخي القادم (2024)؟ ربما أصحاب النظرة الثاقبة يدركون إلى أين سوف توصلنا الأحداث الحالية، إذ لا شيء ينبثق فجأة من الفراغ، وإنما تكون له بوادر سابقة.

وجدي الأهدل - صنعاء

 


خدمات المحتوى


تقييم
0.00/10 (0 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
جديد العرب arabsnew.com@gmail.com


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى