تقارير

قوة المنصب

المصدر

أحمد مصطفى

ما إن أعلن يوم الجمعة الماضي عن نتيجة إيجابية لاختبار فيروس كورونا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حتى اهتزت أسواق العالم الرئيسية وهوت مؤشرات الأسهم وأسعار السلع بما فيها النفط، وارتفعت أسعار الذهب كملاذ آمن يضع الناس فيه ثرواتهم في وقت الاضطرابات.

وهذا طبيعي بالنسبة للأسواق التي تتأثر بأي خبر مهم، خاصة إذا تعلق باقتصاد رئيسي في العالم. لكن خبر إصابة ترامب لم يقتصر تأثيره في الأسواق، بل إن كثيراً من دول العالم بدأت تعيد حساباتها في قضايا إقليمية ودولية تخصها على ضوء احتمالات جديدة لأي تغير سياسي في واشنطن في غضون أسابيع. وأصبحت أخبار مرض الرئيس الأمريكي وتطوراته الخبر الأول في عناوين الصحف ونشرات الأخبار بكل لغات العالم تقريباً. ليس هذا فقط لهيمنة وسائل الإعلام الأمريكية والناطقة بالانجليزية، وإنما لما تمثله أمريكا في العالم من ثقل.

ربما لا حاجة للتذكير بأن الولايات المتحدة تملك أكبر اقتصاد في العالم والأكثر مرونة في مواجهة الأزمات ولديها أكبر قوة عسكرية في العالم وأكثرها تطوراً وأوسعها انتشاراً. لكن الولايات المتحدة، (ورئيسها بغض النظر عن شخصه) لها ميزة أخرى تجعلها في موقع الريادة كقوة عظمى وحيدة على الساحة الدولية، هي طريقة الحكم وإدارة البلاد. ومن هنا تأتي قوة وأهمية منصب الرئيس الأمريكي ما يجعل أدنى تفصيلة تتعلق به محط أنظار واهتمام العالم أجمع.

يضع الدستور الأمريكي السلطة التنفيذية بشكل مطلق في يد الرئيس المنتخب، فهو رئيس مجلس الوزراء والقائد الأعلى للقوات المسلحة. ورغم أهمية السلطة التشريعية، المتمثلة في الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ، إلا أن الرئيس يملك حق التصرف الاستثنائي دون موافقة برلمانية إذا رأى ذلك. ومع أن القضاء مستقل وله الكلمة الفصل بين جناحي السلطة، التنفيذي والتشريعي، إلا أن اللجوء إليه في قرارات السلطة أمر نادر ومعطل لعمل الحكومة.

هكذا، فإن الرئيس الأمريكي يستمد مكانته في العالم من قوة هذا المنصب الذي يحظى بسلطة أكبر من غيره في الديمقراطيات الغربية الأخرى، ناهيك عن أنه منصب قيادة القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم. ودائماً ما تجد المعلقين والمحللين الأمريكيين الذين ينتقدون ترامب يركزون على أنه «يضر بمنصب الرئيس» في إشارة إلى حرصهم على استمرار هيبة المنصب وقوته أمريكياً وعالمياً.

أضاف ترامب، بغض النظر عن موقفك منه ومن سياساته، عاملاً جديداً قد يراه البعض انتقاصاً من قوة منصب الرئيس ويراه آخرون إضافة لقوته. فحتى الذين يعارضون سياسته يقرون بأنه منذ دخل البيت الأبيض مطلع عام 2017 «خلخل» كثيراً من أسس الحكم التقليدية بطريقة ستجعل أمريكا ما بعد ترامب غير أمريكا ما قبله.

فترامب القادم من خارج واشنطن، والذي لم يسبق له أن تولى منصباً حكومياً صغيراً أو كبيراً ولا انتخب لمنصب في حياته قبل عام 2016، كسر إلى حد كبير دور «المؤسسة» أو ما يحلو للبعض أن يسميه «الدول العميقة». وإذا كان هذا ما يقصده من يرون أنه «نال من قوة وهيبة الجهاز التنفيذي للحكم» فربما يكون ما يحدث هو العكس. أي أنه بذلك يضفي مزيداً من الحيوية والمرونة على سبل إدارة البلاد، حتى لو كان ذلك عبر توجه «شعبوي» لا يستند إلى الحكمة التقليدية في السياسة والإدارة.

انتهيت للتو من قراءة كتاب بوب وودورد «غضب» وسبق أن قرأت تقريباً الكتب التي نشرت عن رئاسة ترامب منذ توليه السلطة في أمريكا. وهي في الأغلب الأعم كتابات تنتقد الرئيس وسياسته وطريقة إدارته لشؤون البلاد. إنما الخلاصة الأساسية أنه لا يقود مثل أي من سابقيه، سواء اتفقت مع طريقته أم لا، وأنه بالفعل – سواء كان يدرك ذلك أم لا وأنه نتاج جانبي لتصرفاته – يعمل على تغيير طريقة الحكم في «قائدة العالم الحر» كما يسمي العالم أمريكا.

هذا التغيير الذي أحدثه ترامب باق سواء ظل ترامب في البيت الأبيض أو خرج منه بعد نحو ثلاثة أشهر.

وسيكون من الصعب على من يخلف ترامب، بنهاية هذا العام أو بعد أربع سنوات، أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. لأنه في الأغلب ستكون نتيجة تلك المحاولة التقليل من القوة الإضافية لمنصب الرئيس التي طورها دونالد ترامب.

mustafahmed@hotmail.com

عن مصدر الخبر

المصدر

Editor

Ads Here