محمد عبده.. عندما تتحول الأغنية إلى حياة
ليس يسيراً أن يكتب المرء عن تجربة فنية بمقام محمد عبده من غير أن يقع في أحد منزلقين واضحين؛ إما انبهار خالص يذوب في الثناء حتى يفقد قدرته على الرؤية، وإما جفاف نقدي يحوّل الفن إلى مادة باردة، تُشرح أكثر مما تُعاش. غير أن كتاب «قراءات ومقاربات في تجربة محمد عبده الفنية وأثرها الاجتماعي»، الصادر عن دار النخبة للنشر والتوزيع سنة 1447هـ، لمؤلفه مطاعن بن يحيى جدع، يسلك درباً ثالثاً أكثر اتزاناً وثراءً، درباً تظل فيه اللغة قريبة من نبض موضوعها، وتظل الفكرة متيقظة من غير أن تنطفئ حرارة الفن فيها.
منذ البدء، يشعر القارئ أنه لا يمسك بكتاب يتناول سيرة مطرب ناجح فحسب، بل أمام محاولة لقراءة ظاهرة أوسع مدى وأشد تشعباً. فمحمد عبده لا يحضر هنا مجرد صوت استثنائي في الغناء العربي، بل ينهض علامةً ثقافيةً ارتبطت بالوجدان العام، وتسرّبت إلى الذاكرة الجمعية، حتى غدت تجربته مرآة يمكن عبرها تأمل تحولات المجتمع نفسه، وأشكال تذوقه، وتبدلات علاقته بالطرب والتراث والهوية. لهذا لا تبدو التجربة الفنية في هذا العمل مساراً شخصياً لفنان كبير فقط، وإنما أيضاً سيرة موازية لمجتمع كان يعيد الإصغاء إلى ذاته عبر الأغنية.
إهداء ينسجم مع الفكرة
يأتي إهداء المؤلف إلى المستشار تركي آل الشيخ، منسجماً مع مناخ الكتاب، لا عابراً في صفحته الأولى ولا مستهلكاً في معناه. فحين ينظر إلى الفن على أنه فعل اجتماعي مؤثر، وإلى الغناء من حيث هو طاقة قادرة على تعديل الذائقة وتوسيع المجال الثقافي، فإن هذا المنظور يلتقي بوضوح مع التحولات التي تشهدها المملكة خلال السنوات الأخيرة.
وبهذا، يغدو تركي آل الشيخ أكثر من اسم يُذكر في صدر الإهداء، إذ يحضر رمزاً لتحول واسع في فهم الترفيه ووظيفته ومكانته. لقد أسهم، بما قاده من مشاريع ومبادرات، في نقل الفعل الفني من هامش محدود إلى صدارة المشهد، ومن مناسبة عابرة إلى صناعة ثقافية لها حضورها المؤثر واتساعها المجتمعي. لذلك يكتسب الإهداء دلالة أبعد، ويصبح بمثابة تحية من كتاب يقرأ الفن اجتماعياً إلى رجل يُنظر إليه في المملكة باعتباره مهندس الترفيه، وأحد أبرز من أعادوا ترتيب موقع الفن في الحياة العامة.
التراث ككائن قابل للتجدد
من أكثر صفحات الكتاب إشراقاً تلك التي تتناول صلة محمد عبده بالتراث. والمؤلف لا يذهب إلى الفهم التقليدي الذي يجعل التراث مجرد مادة محفوظة أو أثر يُستعاد في المناسبات، بل يقدمه حيّاً، قابلاً للتجدد، ومفتوحاً على التشكيل داخل الحاضر. وهنا تكمن قيمة هذه المقاربة، فهي لا ترى في الفنان حافظاً للقديم فحسب، بل محاوراً له، وقادراً على إعادة بث الروح فيه.
ويتوقف الكتاب عند مشروع «الشعبيات» باعتباره تجربة بالغة الأهمية في إعادة تقديم الفلكلور ضمن رؤية معاصرة. فالتراث هنا لا يُستدعى باعتباره ماضياً مغلقاً، بل يُعاد ترتيبه داخل الذائقة الحديثة من غير أن يفقد روحه الأصلية. وهذه من الأفكار المركزية في الكتاب؛ الفن الأصيل لا يكرر ما ورثه، وإنما يدخل معه في حوار خلاق، يعيد عبره إنتاج المعنى والصوت والدلالة.
كما يلفت المؤلف إلى البعد الحكائي الكامن في عدد من أغاني محمد عبده، حيث تتخذ الأغنية شكل سرد مصغر، له نبرة وحركة ونداء وصدى. وهذا ما يجعل الاستماع يتجاوز التلقي السلبي، ليصبح نوعاً من المشاركة الوجدانية في حكاية تتشكل شيئاً فشيئاً أمام السامع. وهنا نلمح سراً آخر من أسرار بقاء هذه الأعمال؛ أنها لا تعيش في الذاكرة فحسب، بل تسهم في صنعها.
جرأة العنوان وفرادة المقاربة
حتى عنوان الكتاب، «قراءات ومقاربات»، يكشف منذ الوهلة الأولى عن قدر من التواضع المعرفي والجرأة المنهجية معاً. فهو لا يزعم أنه يقدم الكلمة الأخيرة، ولا يدّعي امتلاك التفسير النهائي، بل يفتح المجال لاحتمالات متعددة في النظر والفهم. وهذه إحدى فضائله الأساسية.
وفي سياق المكتبة السعودية، تبدو هذه الأعمال قليلة نسبياً، إذ تميل كتب الفن في الغالب إلى أحد مسارين؛ إما التوثيق الجاف، وإما الانطباع السريع. أما هذا الكتاب فيحاول أن يجاور بين المعرفة والذائقة، بين التأمل والرصد، بين الحس الأدبي والرغبة في الفهم. ومن هنا تنبع خصوصيته، لا من موضوعه وحده، بل من طريقته في الاقتراب من هذا الموضوع.
الذهاب إلى أسئلة أوسع
هذا طرح لا يأتي ليغلق موضوعاً، بل ليعيد فتحه على أسئلة أوسع؛ كيف يصبح الفن جزءاً من المجتمع من غير أن يفقد استقلاله؟ كيف يحافظ الفنان على فرادته وهو يخاطب ذائقة عامة متعددة؟ وكيف تستطيع الأغنية أن تغدو أثراً باقياً، لا مجرد لحن عابر في زمن سريع الزوال؟
بهذا المعنى، فإن «قراءات ومقاربات» ليس كتاباً عن محمد عبده وحده، بل عن الفن حين يتجاوز حدوده المباشرة، ويتحول إلى حياة. وحين تبلغ الأغنية هذه المنزلة، فإنها لا تعود مادة للمتعة وحدها، بل تصبح وعاءً للذاكرة، وصورةً للناس، وطريقة من طرائق حضورهم في الزمن. وفي لحظة ثقافية متسارعة كتلك التي نعيشها اليوم، تبدو مثل هذه الكتب ضرورية، لأنها لا تكتفي بتسجيل ما جرى، بل تحاول أن تفهم كيف جرى، ولماذا ظل أثره ممتداً حتى الآن.

