قصة: سيد وروكي

قصة: سيد وروكي
بقلم: وليد محسن
يستيقظ سيد من نومه قبل الفجر بساعة، مفزوعًا من فكرة التأخر عن عمله، ينهض متمايلًا كأنه يخرج من حلبة مصارعة، مستندًا بيده اليمنى على الحائط، ثم يمد يده اليسرى إلى الحائط المقابل ليسيطر على توازنه. يدخل الحمام ويغفو للحظات، ثم ينتبه فجأة لصوت زوجته التي أنهت إرضاع طفلها وهي تستعد للخروج، فتسأله: “أنت نايم ولا إيه؟”
عندها يهرع خارج الحمام ويغيّر ملابسه بسرعة، ثم يغادر هو وزوجته التي تحمل الطفل. وقبل أن يبتعدا، يؤكد لها وهو يغلق الباب: “لازم تتأكدي إن المفتاح في إيدك والباب مقفول”.
يمشيان متجاورين في وقت ما زال يلفّه الظلام، بينما يلتفّ حولهما الكلب روكي لاعبًا. يخرج سيد قطعة خبز من جيبه ويمدّها للكلب كعادته اليومية، فتلومه زوجته: “إنت لاقي تاكل لما تأكل كلاب الشوارع؟”.
يشرح لها سيد أهمية الرحمة بالحيوانات، رغم سوء سُمعة صاحب الكلب الأصلي، “العفريت” كما يُدعى، وهو حرامي وفتوة المنطقة. إن روكي مسكين؛ سرقه العفريت وهو صغير من أسرة راقية، ليقذف به إلى عشوائيات المنطقة، يعيش حياة قاسية بين الجوع والعطش وتقلبات الطقس، لا يجد من يرحمه إلا أمثال سيد.
يقطع الثلاثة مسافة ليست بقصيرة إلى نقطة الانتظار الأولى، ويفرحون ليجدوا سيارة نقل مجهزة للركاب. تبدأ الرحلة بمرور المركبة على طرق غير مستوية، ويقضي الركاب الوقت بين نوم ويقظة وصعود ونزول ركاب، حتى تنتهي هذه المرحلة لتبدأ رحلة أخرى في ميكروباص سريع ومتهور، تارة يسرع وتارة يمرّغ، مما يبعث في نفس سيد الفرح أحيانًا لقرب انتهاء الرحلة، والخوف أحيانًا أخرى لتهور السائق.
أخيرًا يصلون إلى أتوبيس الركوب الكبير، حيث يبدأ صراع آخر للتنفس وسط الزحام والضغط من كل جانب. تنجو الأسرة وتصل إلى المدرسة، مقر عمل الزوجين. تتجه الزوجة لإرضاع طفلها في الحضانة ثم تندفع للعمل مشرفة على أحد أتوبيسات المدرسة، بينما يبدأ سيد عمله في المدرسة ذاتها.
يعيش سيد في عالم من الهموم الخاصة؛ بين راتبه الضئيل الذي لا يكفيه عشر أيام، مما يضطره للاستدانة من أحد أقاربه ميسوري الحال، وبين أعباء العمل، رغم علم جميع زملائه بظروفه. وعندما يتحدثون إليه يجدونه على غير المتوقع، خفيف الدم وكثير الدعابة، تخرج الكوميديا من قلبه كما تخرج من أعماق معاناته اليومية.
ينتهي الدوام وتبدأ رحلة العودة. وعندما يقترب سيد من بيته، تنتابه سعادة الطفل العائد إلى حضن أمه. لكنه فجأة يسمع صوتًا عاليًا يملأ الشارع، فيتعرف على صوت الرجل العفريت وهو واقف بجوار كشك السجائر ينادي: “مين عايز يشتري تلفزيون وكاسيت؟”، ويكرر الصياح. يمر سيد محاولًا عدم الالتفات، لكن العفريت يستمر في الصياح وكأنه يستفزه، حتى ينجح في جذب نظره. ينظر سيد إلى التلفزيون والكاسيت، فيدعوه العفريت للشراء، لكن سيد يبتسم ويوضح له أنه من الصدف أن يمتلك تلفزيونًا وكاسيتًا مماثلين تمامًا، فيشكره ويكمل طريقه.
يلتفت لزوجته ليحكي لها ذكرياته مع والده الراحل، الذي أهداه التلفزيون والكاسيت:”كنا إحنا وإخواتي بنحبهم، وأنا اللي حالفني الحظ واخدتهم. نادر ما تلاقي النوعية دي في الوقت الحالي، يمكن انقرضت لكنها تحف فعلًا. صدفة غريبة”.
يفتح سيد باب الشقة ويدخل مسرعًا نحو سريره، لكن زوجته تستوقفه مستفسرة عنالتلفزيون. يردّ بأنه لم يغيّر مكانه، فتحاول تنبيهه إلى حقيقة الموقف التي لم يستوعبها بعد: لقد سرق العفريت المنزل! فقد وجدت شباك المطبخ مكسورًا. يصمت سيد لحظة ثم يبحث عن الكاسيت فلا يجده، فيتخذ قراره الصعب: المواجهة.
يذهب إلى العفريت محاولًا إقناعه بأن التلفزيون والكاسيت ملكه. يقف العفريت أمامه في صمت، ينظر سيد إلى جسده المليء بالندوب والأوساخ حتى ليصعب التمييز بينهما، وكأنه يرى نوعًا مختلفًا من الجلد. ثم يبدأ العفريت بعرض السلعتين للبيع بسعرٍ مبالغٍ فيه. يتراجع سيد منكسرًا حزينًا، عائدًا إلى بيته، يلاقي نظرة روكي الحزينة بنظرة أشد حزنًا.
يرقد سيد على سريره محدقًا في السقف، بينما تتصاعد من الشارع أصوات فرح وضجيج، أصوات عائلة كبيرة تملك المال والنفوذ، يحتمي أفرادها بعضهم ببعض. تعلو الأصوات أكثر فأكثر، بينما هو غارق في حزنه.
تخرج الزوجة لترى ما الذي يحدث، وبعد عشر دقائق يسمع سيد صوت طلقات نارية وصخبًا أشبه بمعركة حربية. تعود الزوجة لتخبر زوجها الذي ما زال يرقد في حالته المرضية: إن أحد أفراد العائلة أطلق النار على روكي وقتله بحجة أنه يخيف الأطفال، مما أشعل معركة بالأسلحة النارية بين العفريت ورجاله وبين أفراد العائلة الكبيرة.
تنتهي الزوجة من حكايتها ولا ترى منه أي ردّ فعل، فتحاول هزّه للتواصل، لتكتشف أنه قد فارق الحياة.
وليد محسن
الدمام

