الإقصاء الثقافي على هامش «ظاهرة حسن أبو عِلّة»
في مساءٍ بعيدٍ من أمسيات قريتي بيش، كنتُ أستمع إلى السيمفونية التاسعة لـ(لودفيغ فان بيتهوفن)، لا بوصفها موسيقى فحسب، بل كنصٍّ كونيٍّ مفتوح، يُقرأ بقدر ما يُسمَع. كانت هدية من معلّم لغة عربية مصري نبيل، أدرك -بحسّ المربّي- أن الذائقة ليست ترفاً، بل باب معرفة.
يومها، اقتحم أحد الأصدقاء خلوتي، واستمع قليلاً، ثم أطلق حكمه العفوي:
«هب لنا زلاف نسمعها أحسن من موسيقى الأخبار».
لم تكن العبارة ساذجة كما بدت، بل كانت تعبيراً مبكراً عن منطق ثقافي شائع:
ما لا يُشبه أذني، لا يستحق الإصغاء.
بعد أربعة عقود، عادت تلك الجملة إلى ذاكرتي وأنا أقرأ مقال الصديق علي مكي المعنون:
«الشعر حين يغادر القصيدة.. ظاهرة حسن أبو عِلّة والالتباس الثقافي».
لا يقرأ المقال شاعراً بعينه، بقدر ما يقرأ آلية اشتغال المشهد الثقافي حين تتحول القصيدة من فعل جمالي إلى ذريعة صدام، ومن نص قابل للتأويل إلى (حدث) يُقاس بحجم الضجيج الذي يثيره. هنا، لا يعود السؤال: كيف نقرأ؟ بل: كيف نُقصي؟
ولا تُختبر القيمة بعمق النص، بل بسرعة انتشاره.
إن ما يسميه المقال (ظاهرة) لا ينحصر في تجربة حسن أبو علة، بل يتجاوزها إلى نمط متكرر في الثقافة العربية المعاصرة:
ثقافة تميل إلى المصادرة بدل المراجعة، وإلى الأحكام النهائية بدل الأسئلة المفتوحة، وتستبدل النقد بوصفه تفكيراً، بالاستفزاز بوصفه أداة حضور.
ليس المقصود هنا الدفاع عن شاعر أو إدانته، فحسن أبو عِلّة -على المستوى الشخصي- كان معلّمي منذ نعومة أظفاري، لكن هذه القرابة الرمزية لم تدفعني يوماً إلى تبنّي منطق الاصطفاف الأعمى، ولا إلى تبرير الإقصاء تحت أي لافتة جمالية أو أخلاقية.
المشكلة أعمق من اسم، وأخطر من قصيدة.
إنها مشكلة ميزان ثقافي مختل، حين يصبح الصوت الأعلى أكثر إقناعاً من النص الأعمق، وحين تُكافأ الصدمة لأنها سريعة، لا لأنها منتجة للمعنى.
يلتقط مقال علي مكي هذه اللحظة بدقة:
لحظة انغلاق التأويل، وتحوّل النقاش إلى استعراض، واشتغال المنصات الإعلامية لا بوصفها فضاءات تفكير، بل مكبّرات تضخيم، تعيد إنتاج الرأي حتى يفقد معناه، ويغدو (الحدث)غايةً في ذاته.
في هذا السياق، يعود منطق «هب لنا زلاف» متخفياً بأقنعة أكثر فصاحة:
إمّا أن يعجبك ما يعجبني، أو فأنت ضدي، وضد ذائقتي، وضد فكري، وضد كل ما أتصوره حقاً.
وهنا، بالضبط، تُختبر حيوية الثقافة. فالثقافة التي لا تحتمل الاختلاف الجمالي، ولا تسمح بتعدّد القراءات، هي ثقافة خائفة، تستعيض عن الإصغاء بالضجيج، وعن النقد بالصياح.
بين موسيقى بيتهوفن التي تُصغي إلى العالم، وضجيج الأخبار، وضجيج المشهد الثقافي، يبقى السؤال معلقاً: هل نريد ثقافة تُقرأ ببطء، أم ثقافة تُستهلك بسرعة؟
ذلك، في جوهره، هو سؤال المقال.. وسؤال اللحظة الثقافية بأكملها.

