الطـائف.. عروس الغرب السعودي
الطائف.. إحدى أقدم مدن الحجاز، مدينة هادئة ذات تاريخ عريق وطبيعة خلابة، تقع على جبل (غزْوان)، أحد جبال السّروات الضخمة في غربي الجزيرة العربية، على ارتفاع عن سطح البحر يبلغ في أدنى مستوياته (1700) متر، وقد حظيت على مر تاريخها بمكانة كبيرة، أسهم في صنعها كونها ملتقى طرق شبه الجزيرة العربية، وقربها من مكة، واتصال سكانهما بعلاقات تنافسية تارة، وتكاملية تارة أخرى.
يذهب أغلب المؤرخين إلى أن تاريخ الطائف يعود إلى عصر العماليق، وأنهم أول من سكنوها على جانبي وادٍ كبير بها سُمي بـ(وادي وِجّ)، نسبة إلى أحد زعمائهم هو (وِجُّ بن عبدالحي)، ثم أُطلق الاسم على القرية الناشئة، وتعاقبت عليها قبائل عديدة، أشهرها إياد وعُدوان، إلى أن قدِمت إليها ثقيف، فسادتها وشيّدت حولها حائطاً يُطوِّفها، لحمايتها من غارات القبائل الأخرى، فُعُرفت باسم الطائف؛ نسبة إلى ذلك الحائط، وقد أشار إليه شاعرها أُميّة بن أبي الصّلت في قوله:
نحن بنيْنا حائطاً حصينا
يقارعُ الأبطال عن بنِينا
في عام (631م)، دخلت الطائف في الإسلام، وولّى النبيُّ عليها عثمان بن أبي العاص الثقفي، ثم حظيت بكثير من الاهتمام في عهد الخلفاء الراشدين والحكام الأمويين، لكنها أُهملت في العهد العباسي، وظلت تعاني التهميش، حتى ولِي الأشراف من نسل الحسن بن علي سنة (968م) أمر منطقة الحجاز، ولأن الطائف جزء منها، بدأت تزاحم في لعب دورها من جديد. وفي عام (1350م)، بسط المماليك سيطرتهم على الحجاز، ثم طردهم منها العثمانيون سنة (1517م)، وأبقوا ولايته في يد الشريف بركات بن حسن، على أن يكون تابعاً لهم، إلى أن قامت الثورة العربية ضد العثمانيين سنة (1916م)، فدخلت بعض قواتها الطائف بقيادة عبدالله بن الشريف حسين، وطردت الحامية العثمانية منها، وظل يحكمها الأشراف حتى ضمها الملك عبدالعزيز آل سعود سنة (1924م) لحكمه، في مسيرته لتوحيد المملكة العربية السعودية، وهي اليوم عاصمة لمحافظة تحمل اسمها، تبلغ مساحتها إجمالاً نحو (13840) كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها (993) ألف نسمة، وتتبع إمارة مكة المكرمة إداريّاً، وتعد بوابتها الشرقية، إذ تبعد عنها شرقاً بنحو (85) كيلومتراً، بينما تبعد عن العاصمة الرياض بنحو (800) كيلومتر.
تمتاز أرض الطائف بتنوع تضاريسي يضفي عليها وقاراً وبهجةً؛ فتحيط بها الجبال، وتنتشر بها الوديان، والسهول التي تكثر بها مزارع العنب والرمان والتين والورود، ويعتدل مناخها أغلب أيام السنة، وبينما تتساقط الأمطار فيها على مدار الفصول الأربعة؛ فإنها تغزُر في فصلي الشتاء والربيع، ما أهّلها لأنْ تصبح أهم مقصد سياحي صيفي لسكان المملكة، وواحدة من أهم مدنها المستضيفة للفعاليات السياسية والثقافية والرياضية، المحلية والإقليمية. ومنذ القدم؛ كان لهواء الطائف وزروعها وعيونها، سمعة طيبة ذائعة الصيت، تزخر بها كتب الرحالة والمؤرخين، فقد وصفها المستشرق الفرنسي لويس سِيديو (1875م) بأنها (المصيف الأول لأهل مكة)، وقال عنها ياقوت الحموي (1229م): (مدينة ذات مزارع ونخل وأعناب وموز وسائر الفواكه، وبها مياه جارية وأودية… وهي طيبة الهواء شمالية، ربما جمد فيها الماء في الشتاء، وفواكه أهل مكة منها). ووصفها المؤرخ حسن إبراهيم (1968م)، بأنها (
بستانٌ ونزهة لأهل مكة.
وتنتشر بالطائف العديد من المواقع والمعالم التاريخية، التي أسهمت في صنع تاريخها، وتشكيل ملامحها، قبل الإسلام وبعده، أهمها:
سوق عُكاظ التاريخي، وهو أشهر أسواق العرب في الجاهلية، ومضمار منافسات الشعراء الجاهليين، الذي أهّل الطائف لتصبح بقرار من أكاديمية الشعر العربي، أول عاصمة للشعر العربي عام (2022م). ووادي وِجّ، أشهر وديانها الذي يخترق المدينة من جنوبها الغربي إلى شمالها الشرقي. وديار بني سعد، موطن حليمة السعدية مرضعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيها كانت حادثة شق صدره التي تذكرها كتب السيرة، وميقات قرْن المنازل، وميقات وادي محرم، وهما من مواقيت الإحرام، وقبر ومسجد عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، وسد سِيسِيد، وبيت الكاتب، أحد القصور التاريخية في المدينة، شيده صاحبه محمد علي عبدالواحد، كاتب الشريف عون في العهد العثماني. وقصر شُبرا، الذي بناه الشريف علي عبدالله في العصر العثماني، وكان مقرّاً لإقامة الملك عبدالعزيز عقب توحيد المملكة، ثم حولته السلطات لاحقاً إلى متحف، جمعت فيه آلاف القطع الأثرية، إضافة إلى منطقة الهدا، نسبة إلى جبل الهدا، وهي منتجع طبيعي يقع على الحافة الغربية لمرتفعات جبال الحجاز. ومسجد عدّاس، نسبة إلى عدّاس مولى عتبة بن ربيعة، وقد بُني في المكان الذي استراح فيه النبي في رحلته الشهيرة إلى الطائف. وقلعة باب الرِّيع كانت على هضبة مرتفعة غربي الطائف، وأخيراً هدمت السلطات ما تبقى منها، وأقامت مكانها منشآت حكومية، ومنطقة سوق البلد المركزية، أكبر أسواق المدينة، وتضم مئات المحلات والدكاكين التجارية، وتمثل المباني التراثية أكثر مبانيها، ولها ثلاث بوابات في مداخلها الرئيسة، وبرج قلب الطائف، وفندق سياحي يتوسط المدينة افتتح سنة (2006م)، وهو أعلى مباني الطائف، يبلغ ارتفاعه (150) متراً، ويعتبر أشهر معالمها العصرية، كما تنتشر بالمدينة بساتين الورود، التي تقوم عليها صناعة العطور بالمملكة، ويُصدّر بعضها إلى الخارج، وتقيم المحافظة سنويّاً مهرجاناً لورد الطائف.
على مدى تاريخها الطويل، أنجبت (الطائف) العديد من الشخصيات، التي كان لها أثر فاعل في صنع الأحداث المحلية والإقليمية، من بينها: الحجاج بن يوسف الثقفي، أشهر الولاة والقادة في عصر بني أمية، ولد بالطائف سنة (661م)، ولِي مكة والمدينة والطائف والعراق، وبنى مدينة واسط العراقية ومات بها، والحارث بن كلدة الثقفي، الطبيب العربي المشهور، عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام فأسلم، ومحمد بن القاسم الثقفي، فاتح بلاد السند وواليها في العصر الأموي.
ومن أعلام الطائف المعاصرين، الذين أسهموا في تشكيل وجهها الثقافي المعاصر، وكانوا رواداً في مجالاتهم على مستوى المملكة: عثمان بن عبدالرحيم، أديب وقاضٍ، وصفه محمد سرور الصبان بزينة شباب الحجاز. وحسين عبدالله سراج، أول كاتب مسرحي سعودي. ومحمد سعيد كمال، مؤرخ ومؤسس مكتبة المعارف بالطائف، إحدى أقدم المكتبات بالمملكة. وطارق عبدالحكيم، شارك في تلحين النشيد الوطني السعودي، وأسس متحف الموسيقا العسكري بالرياض، وحصل على جائزة اليونيسكو للموسيقا عام (1981م)، وانتخب رئيساً للمجمع العربي للموسيقا مرتين؛ في (1983م و1987م). وعبدالله محمد، أحد مشاهير الغناء بالمملكة، ومحمد الثبيتي، أحد أبرز رواد شعر الحداثة بالمملكة. وعبدالرحمن الهزاع، إعلامي تولى رئاسة هيئة الإذاعة والتلفزيون السعودية. وناجية الربيع، إحدى رائدات التمثيل والإذاعة بالمملكة. وفهد ردة الحارثي، كاتب ومخرج مسرحي، وعضو مؤسس لجمعية المسرحيين السعوديين، ولد في مكة ثم انتقل إلى الطائف، ويعيش فيها إلى اليوم. وهادي صوعان، أول لاعب سعودي يحصل على ميدالية في الأولمبياد، في دورة سيدني سنة (2000م). ويعتبر الأمير سعود بن فيصل وزير الخارجية السعودي الأسبق، والمولود بالطائف سنة (1940م)، أحد أشهر السياسيين والدبلوماسيين الذين أنجبتهم تلك المدينة الغراء.
سامي أبو بدر

