حين يكتب البحر سيرته: قراءة في رواية “سيرة على السِّيف”
صدرت رواية «سيرة على السِّيف» للكاتب سعد أحمد ضيف الله عن دار حكاية للنشر والتوزيع، لتكون إضافة نوعية في المشهد السردي الخليجي المعاصر. تناولت الرواية مرحلة دقيقة من تاريخ المجتمعات الساحلية في الخليج، حين بدأ التحول من حياة البحر واللؤلؤ إلى زمن النفط والتمدّن السريع. جاءت اللغة غنية بالحنين، مشبعة برائحة الموج وأغاني الغواصين، لتعيد إلى الذاكرة حضور البحر في وجدان الناس ككائنٍ حيٍّ يروي سيرته بنفسه.
بين البحر والإنسان
يكتب سعد ضيف الله سيرة مزدوجة، تجمع بين الإنسان والبحر، كأنهما وجهان لمرآة واحدة. العنوان ذاته يفيض بدلالاتٍ لغوية ورمزية، فـ«السِّيف» في اللهجة الخليجية يعني الشاطئ، وفي العربية يوحي بالحدّ الفاصل، ما يجعل الرواية تنبض بتلك الجدلية بين الأمان والخطر، وبين الماضي والمستقبل.
في هذا الفضاء المتقاطع تتولد الحكاية، في لحظة وداعٍ طويلةٍ يخرج فيها الغواصون في آخر رحلة بحث عن اللؤلؤ. الرحلة تتحول إلى تأمل في معنى الذاكرة، حيث يواجه المسنون تغيّر العالم من حولهم، وتبدأ القرى البحرية في فقدان ملامحها الأولى. البحر لم يعد كما كان، والمراكب القديمة ترسو في صمتٍ يشبه الاعتراف.

أجيال تتباين.. وهوية تتبدّل
يحمل النص في جوفه حوارًا خفيًا بين جيلين: الجيل الذي عاش البحر حدّ الاندماج به، والجيل الجديد الذي يرى مستقبله على اليابسة. هذا التباين يخلق توترًا إنسانيًا ثريًا، لا بين أشخاصٍ بعينهم، بل بين رؤيتين للحياة. فالأول يرى في البحر أصل الوجود، والآخر ينظر إليه كظلٍّ منسيٍّ من تاريخٍ مضى. ومع هذا التباين تنشأ الدراما، وتتكثف الرموز. البحر هنا ليس مكانًا، بل ذاكرة، والموج يتحول إلى إيقاعٍ للحياة، والملح إلى ذاكرة تحفظ الجراح قبل أن تحفظ اللحم.
اللغة.. حين تستعيد صوت الموج
يمتلك الكاتب حسًّا لغويًا نادرًا، يوازن بين التوثيق والوجدان. الجمل تتهادى ببطءٍ يشبه حركات المجاديف، فتمنح القارئ إحساسًا بالسكينة والملوحة في آنٍ واحد. يحافظ على مفردات البيئة البحرية مثل «الدانة» و«الفطام» و«القفال»، فيجعلها جزءًا من النسيج السردي دون أن يثقل النص.
اللغة في الرواية تنتمي إلى البحر بقدر ما تنتمي إلى الذاكرة، فهي تُسمع كأنها صدى بعيد لنداءات الغواصين وقت الغروب، أو كهمس الأمواج على شاطئٍ يودّع مراكبه القديمة. كل جملة تحمل أثر الملح وشيئًا من الغياب، وكل مشهدٍ يوقظ في القارئ إحساسًا خفيًا بالحنين إلى زمنٍ لم يعد حاضرًا سوى في الذاكرة.
المكان كبطلٍ روحي
يتحوّل البحر إلى بطلٍ روحيٍّ للرواية، له أنفاسه وغضبه وسكونه. تتوزع الأحداث بين المراكب الخشبية، وسوق اللؤلؤ، ومجالس النواخذة، والقرى الصغيرة المعلقة بين المدّ والجزر. هذا المكان ليس إطارًا للحكاية، بل روحها الداخلية. يشعر القارئ أنه يسير على رمالٍ مشبعة بالذكريات، يسمع أصوات البحّارة، ويشم رائحة الحطب والملح.
البحر في الرواية أشبه بكائنٍ عجوزٍ يُعلّم أبناءه الصبر، لكنه يعاقب من ينسى قَدَره. وحين يقرّر الغواصون الرحيل في رحلتهم الأخيرة، يدركون أنهم يودّعون مع البحر أنفسهم، وأن فقدان الموج أشدّ وجعًا من فقدان الدانة.
الرموز والروح الفلسفية
تتناثر الرموز في النص دون أن تُثقل معناه؛ اللؤلؤ يشير إلى الجوهر الإنساني المستخرج من الألم، والملح يرمز إلى الذاكرة التي تحفظ ما يتبقى من الزمن، والرحلة الأخيرة تمثّل الوداع الهادئ لعصرٍ كامل. البحر هو الامتحان الأبديّ، والموجة مرآة الإنسان في ضعفه وشجاعته، أما الشاطئ فهو الحدّ الذي يعلّم التوازن بين الغرق والنجاة.
تلك الرموز لا تنفصل عن الواقع، بل تذوب فيه كما يذوب الطين في الماء، فالرواية تنبض بالحياة الواقعية، وتتنفس من وجدان البحر دون تكلّفٍ أو تنظير.
التحوّل والوعي بالزمن
العمل يحمل رؤية فكرية واضحة حول التحوّل الثقافي والاجتماعي في الخليج. الكاتب يتعامل مع فكرة التقدّم بوصفها مسارًا يحمل وجهين؛ وجه النور ووجه الفقد. فالحداثة هنا تُطلّ مثل سفينةٍ جديدةٍ تُبحر بعيدًا عن الذاكرة، تاركةً وراءها جيلًا كاملًا يبحث عن مرافئه الأولى.
الرواية لا تتجه إلى الحنين وحده، لكنها تدعو إلى التوازن، إلى حفظ العلاقة بين التطوّر والهوية. فحين يفقد الإنسان البحر الذي نشأ فيه، يفقد جزءًا من صوته الداخلي، ويحتاج إلى أن يعيد اكتشاف ذاته في زحام الحاضر.
تبدو الرواية بأكملها محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذاكرة البحر، كأن الكاتب يكتب بمدادٍ من الموج، يخشى أن يجفّ إذا لم يُدوَّن. السرد يتحول إلى صلاةٍ طويلةٍ من أجل الماضي، حيث الحكاية تسعى إلى أن تخلّد مَن عاشوا على حافة الملوحة.
وحين يُغلق القارئ الصفحات الأخيرة، يشعر أنه خرج من رحلة غوصٍ روحيةٍ عميقة، لا من قراءةٍ عابرة. البحر يظل هناك، يتقلب في الوجدان كأنه كائنٌ يواصل سرد حكايته عبر أجيالٍ لا تنتهي.
“سيرة على السِّيف” عملٌ يجمع بين التوثيق والخيال، بين الذاكرة الفردية والهوية الجماعية، بين الشعر والسرد. الرواية تهمس أكثر مما تصرخ، لكنها تترك أثرًا عميقًا في الوعي، إذ تجعل القارئ يعيد النظر في معنى التحوّل، وفي الطريقة التي غيّرت بها الحداثة ملامح البحر والإنسان معًا.
آمال القضيبي – الرياض

