لماذا لم نعد نعرف ما نريد؟
نعيش اليوم في زمن تتوافر فيه المعرفة بسهولة لم يعرفها تاريخ البشر من قبل. كل شيء بين أيدينا: المعلومات، الخيارات، المسارات. تحرّرت الذات من كثير من القيود، وأصبح الإنسان -نظرياً- سيد قراراته. ومع ذلك، يظهر تناقض مُربك: كلما اتسعت الخيارات، ازداد شعورنا بالتيه، وكأن البوصلة الداخلية تعطّلت فجأة.
ليست المشكلة نقصاً في المعلومات، ولا ندرة في الفرص، بل أزمة أعمق: أزمة معنى. السؤال الذي يواجه الجيل الحديث ليس: ماذا أريد؟ بل: لماذا لم أعد أعرف ما أريد أصلاً؟
يعيش الإنسان المعاصر في عالم صُمّم ليُبقي عقله منشغلاً بلا توقف. إشعارات، إعلانات، محتوى سريع، تنافس محموم. لم يعد الزمن يسمح بلحظة هدوء كافية للتفكير في الأسئلة الكبرى: من أنا؟ أين أمضي؟ ولماذا أفعل ما أفعل؟ هذا الانشغال الدائم خلق ضباباً معرفياً كثيفاً، جعل صوتنا الداخلي أضعف من أن نسمعه.
ومع ضعف هذا الصوت، أصبحت رغباتنا ليست رغباتنا الحقيقية، بل رغبات مصنوعة نمت في لا وعينا، صيغت عبر ثقافة السرعة والصورة والظهور. كما يقول الفيلسوف الأمريكي باري شوارتز: «كثرة الخيارات لا تمنح حرية، بل تصنع شللاً». وهذا ما يحدث اليوم: حين يستطيع الإنسان أن يكون أي شيء، يبدأ بالخوف من ألا يكون شيئاً على الإطلاق.
إحدى مشكلات العصر أن التوقعات تضخّمت. كل شيء ممكن، وكل شيء يجب أن يتحقق بسرعة. لذلك يشعر الكثيرون أنهم «متأخرون»، «غير كافين»، أو أنهم لم ينجزوا شيئاً بعد، مهما فعلوا. يصبح الإنجاز هدفاً مستقلاً عن المعنى: نفعل، نركض، نُراكم، دون أن نفهم لماذا.
وفي قلب هذه الأزمة، تآكلت المرجعيات الكبرى التي كانت تمنح الإنسان اتجاهاً أو سياقاً: الدين، العائلة، الجماعة، الحكمة المتوارثة. حلّت محلها مقاييس جديدة: سرعة الوصول، حجم الظهور، عدد المتابعين. أصبح الإنسان يقيس نفسه بما لا يعنيه، ويسير وفق معايير لا تخصه، ثم يكتشف منتصف الطريق أنه ابتعد عن ذاته الأصلية، رغم نجاحه الظاهر. وهذا هو جوهر الأزمة: نجاح بلا معنى، وإنجاز بلا جذور.
بات الإنسان الحديث يسعى لأن يكون كل شيء في الوقت نفسه: مؤثراً ومنفتحاً وهادئاً وعملياً وروحانياً ومتصلاً ومنعزلاً. هذا التشظي يصنع فجوة بين ما نريده فعلاً، وما نظن أننا نريده. ومع الوقت، تتكاثر «نسخ» الذات حتى تذوب النسخة الأصلية في زحامها، ونصبح غرباء عن أنفسنا.
لكن أزمة المعنى ليست جداراً مسدوداً؛ هي بداية سؤال. الطريق نحو الذات يبدأ بثلاث خطوات بسيطة، لكنها تحتاج شجاعة:
أولاً: العودة إلى الداخل.
أن نجلس مع أنفسنا دقائق يومياً دون هاتف أو مهمة. في هذا الصمت يبدأ أول صوت صادق بالظهور.
ثانياً: اختيار القليل العميق بدل الكثير السطحي.
لا نحتاج عشرات الأهداف. نحتاج ثلاث رغبات واضحة متجذّرة في قيمنا، لا في توقعات الآخرين.
ثالثاً: إعادة تعريف النجاح.
النجاح الذي يسرق روحك ليس نجاحاً. المعنى يبدأ عندما تتناغم أفعالنا مع قيمنا، لا مع المقارنات.
قد لا نعرف ما نريد الآن، وهذا طبيعي. لا يعني أننا تائهون، بل إننا في رحلة اكتشاف. وما نبحث عنه ليس إجابة جاهزة، بل حياة لا يكتبها الآخرون بالنيابة عنّا.
في عالم يفقد بوصلته يوماً بعد يوم.. ربما يكون أعظم انتصار نحققه هو أن نعرف: لماذا نعيش؟ ولأي شيء يستحق أن نهب عمرنا؟

