عربي ودولي

لماذا تعد الطبقة الوسطى ركيزة الاستقرار المجتمعي؟

المصدر

تشهد المجتمعات الإنسانية تحولات متسارعة في ظل متغيرات اقتصادية واجتماعية وثقافية متداخلة، تفرض واقعًا جديدًا تتزايد فيه فرص النمو بقدر ما تتعاظم التحديات المرتبطة بالاستقرار والتماسك المجتمعي. وفي هذا الإطار، تبرز الطبقة الوسطى بوصفها أحد أهم عناصر التوازن في البناء الاجتماعي، وصمام الأمان الذي يحد من حدة الاستقطاب بين الفئات، ويسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ولفهم هذا الدور المحوري للطبقة الوسطى، تبرز أهمية النظر إلى التجارب التاريخية التي أثبتت أن استقرار المجتمعات لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم اجتماعي واقتصادي طويل الأمد، كانت الطبقة الوسطى أحد ركائزه الأساسية.
لقد مرّ تطور المجتمعات الأوروبية بمراحل تاريخية معقدة، شملت صراعات وحروبًا وتحولات فكرية واجتماعية عميقة، إلا أن هذه المجتمعات استطاعت، عبر تراكم الخبرة التاريخية، أن تؤسس لنماذج متقدمة من الاستقرار والرفاه. ويُعزى جانب مهم من هذا التحول إلى بروز الطبقة الوسطى، التي شكّلت حلقة وصل بين مختلف الفئات الاجتماعية، وضمت موظفين ومهنيين ومثقفين وأصحاب مشاريع صغيرة، وأسهمت في ترسيخ قيم العمل المؤسسي، والمشاركة المجتمعية، والوعي العام، بما عزز استقرار الدولة والمجتمع.
ومع انتشار النموذج الاقتصادي الغربي خلال القرن الماضي، انتقلت أنماط اجتماعية واقتصادية متعددة إلى مختلف مناطق العالم، بما فيها المجتمعات العربية. وفي هذا السياق، أصبحت الطبقة الوسطى تمثل قاعدة أساسية لتماسك المجتمع واستقراره، ويُعد أي تراجع في حجمها أو دورها مؤشرًا يستدعي الانتباه، لما قد يترتب عليه من اتساع الفجوة بين الفئات الاجتماعية، وتراجع مستويات الاستقرار والتنمية.
وفي ظل التحولات المعاصرة، لا يمكن إغفال أثر العولمة والتغيرات الرقمية على بنية الطبقة الوسطى ووظائفها الاقتصادية. فقد برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة “اقتصاد الشهرة”، ممثلة في صعود فئة المؤثرين والمشاهير عبر المنصات الرقمية، والتي يُنظر إليها ظاهريًا على أنها نموذج حديث للصعود الاجتماعي.
غير أن هذا التحول يعكس تغيرًا في مفهوم العمل والقيمة الاقتصادية، حيث يقوم اقتصاد الشهرة على الانتشار السريع والفرص الآنية أكثر من اعتماده على الاستدامة المهنية والتراكم المعرفي. وقد أسهم ذلك في تشكيل تصورات غير دقيقة، خصوصًا لدى فئة الشباب، حول سهولة تحقيق الاستقرار الاقتصادي بعيدًا عن مسارات التعليم والعمل المنظم. كما أن اتساع هذا النموذج قد يؤدي إلى توجيه جزء من الطاقات البشرية نحو أنماط اقتصادية أقل استقرارًا، قائمة على الاستهلاك أكثر من الإنتاج، بما يضعف القاعدة التقليدية للطبقة الوسطى على المدى الطويل.
ورغم هذه التحديات، تظل الطبقة الوسطى الركيزة الأساسية في بناء المجتمعات المستقرة، إذ تمثل قاعدة التوازن الاجتماعي، ومحرك الوعي الثقافي، والداعم الرئيس لمسارات التنمية الاقتصادية. إلا أن هذا الدور يواجه ضغوطًا متزايدة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، وتغير أنماط التوظيف، وتسارع التحولات التقنية وتأثيرها في سوق العمل.
إن استمرار تراجع الطبقة الوسطى لا ينعكس على الأفراد فحسب، بل يمتد أثره إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية ككل، حيث تتأثر مستويات الاعتدال والاستقرار، وتتراجع فرص النمو المتوازن. ومن هنا، تبرز أهمية تبني سياسات تنموية متوازنة، تركز على الاستثمار في التعليم والتأهيل، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وخلق فرص عمل مستدامة، بما يسهم في تعزيز دور الطبقة الوسطى وترسيخ الاستقرار المجتمعي.
وفي المحصلة، تمثل الطبقة الوسطى ركيزة أساسية لاستقرار المجتمعات وتوازنها، ويؤدي إضعافها أو تراجع دورها إلى اختلال في البنية الاجتماعية والاقتصادية. ومن هنا، فإن الحفاظ على هذه الطبقة وتعزيز قدرتها على التكيف مع التحولات المتسارعة يُعد ضرورة تنموية واستراتيجية، تسهم في بناء مجتمعات أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية

أحمد الدويش
السعودية

عن مصدر الخبر

المصدر

Editor

Ads Here