رياضة

كيف صنعت القرارات المبكرة الفارق بين الأهلي والنصر؟

المصدر

 

قد تبدو نتائج المباريات الأخيرة، ومنها المواجهة التي أُقيمت قبل نحو شهر، وكأنها لحظة فاصلة في مسار التنافس بين الأهلي والنصر. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن الحكاية لم تبدأ هناك، بل تعود جذورها إلى عام 2024، تحديداً إلى مرحلة انطلاق دعم الصندوق للأندية الكبرى، وما صاحبها من قرارات استراتيجية رسمت ملامح المرحلة التالية.
 
عندما وُزّع الدعم على أندية الصندوق في 2024، لم تكن جميع الأندية تقف على خط بداية واحد. فقد كان الهلال، على سبيل المثال، أكثر جاهزية من الناحية الإدارية والفنية، نتيجة تراكم سنوات من العمل المؤسسي المستقر. وتميّز بقاعدة محلية قوية ومنظومة واضحة المعالم، ما جعله الأقدر على استثمار الدعم بصورة فورية وفعالة. لذلك لم يكن مستغرباً أن يحقق موسماً استثنائياً تُوِّج فيه بالدوري دون هزيمة، مسجلاً أرقاماً قياسية لفتت الأنظار محلياً وعالمياً.
 
لكن في خضم هذا التفوق الهلالي، بدأت ملامح قصة أخرى تتشكل بهدوء. ففي نهاية موسم 2024، ظهر تصاعد فني واضح في أداء الأهلي والنصر. الأهلي استطاع أن يترجم هذا التطور بتحقيق لقب النخبة، بينما قدّم النصر موسماً تنافسياً من حيث النتائج، رغم خروجه دون بطولات محلية؛ إذ حقق بطولة عربية في بداية الموسم، وبلغ نهائي كأس الملك، وأنهى الدوري وصيفاً بأرقام هجومية مميزة. غير أن هذه المؤشرات لم تحظَ بالقراءة العميقة التي تستحقها، بسبب التركيز الإعلامي الكثيف على منجزات الهلال القياسية.
 
ومع انتهاء الموسم، انقسمت الطرق بين الناديين في كيفية التعاطي مع المرحلة التالية. هنا تحديداً بدأت تتضح آثار القرارات الإدارية على المدى المتوسط.
 
الأهلي اختار الاستمرار في مشروعه الفني، فحافظ على مدربه وعلى الهيكل الأساسي للفريق، واكتفى بتدعيم الصفوف بعناصر محددة قادرة على إضافة الجودة وتوسيع الخيارات، دون المساس بالانسجام العام. هذا القرار عكس إيماناً بفكرة “التراكم” لا “الانقلاب”، وبأن البناء يحتاج إلى صبر وثبات أكثر مما يحتاج إلى تغييرات جذرية متكررة.
 
في المقابل، استجاب النصر لضغوط جماهيرية وإعلامية متعجلة، فأجرى تغييرات متكررة على مستوى الجهاز الفني، وتخلى عن بعض الأسماء المحلية المؤثرة، قبل أن يعود لاحقاً إلى تصحيح بعض تلك القرارات. وبهذا، دخل في دائرة إعادة البناء من جديد، وهي دائرة تستهلك الوقت والجهد، وتؤخر تكوين هوية فنية مستقرة، مهما كانت جودة العناصر الأجنبية المتاحة.
 
ومن هنا يمكن فهم ما جرى لاحقاً، بما في ذلك المباراة التي أُقيمت قبل شهر. فالنتيجة لم تكن حدثاً منفصلاً، بل امتداداً لمسار بدأ قبل عامين. الأهلي، الذي راكم الاستقرار وعزّز نقاط قوته تدريجياً، وصل إلى مستوى عالٍ من الانسجام والثقة، حتى بات فريقاً يمتلك شخصية واضحة وقدرة على فرض إيقاعه أمام المنافسين. في المقابل، لا يزال النصر – رغم امتلاكه أسماء أجنبية لافتة وربما الأفضل من حيث القيمة الفردية – يعاني من فجوات في مراكز حساسة، مثل الأطراف الدفاعية وحراسة المرمى، فضلاً عن غياب هوية متماسكة قادرة على الصمود في اللحظات الحاسمة.
 
إن جوهر المسألة لا يتعلق بتفوق فني مؤقت، بل بفلسفة إدارة المشروع الرياضي. فالهلال صنع كاريزمته عبر سنوات من العمل المنظم، والأهلي يسير اليوم في الاتجاه ذاته، مستفيداً من لحظة 2024 كنقطة انطلاق لبناء طويل الأمد. أما النصر، فإنه يملك الإمكانات البشرية والمالية، لكنه بحاجة إلى حسم خياره بين مشروع مستقر طويل النفس، وبين الاستجابة السريعة للضغوط الآنية.
 
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل بروز قوى جديدة على الساحة. فالقادسية، المدعوم بخبرة أرامكو الإدارية وملاءتها المالية، مرشح لأن يكون رقماً صعباً في المعادلة خلال السنوات المقبلة. وإذا ما سارت مشاريع نيوم والعلا وغيرها بالوتيرة ذاتها، فقد نشهد خريطة تنافسية مختلفة تماماً، تتقدم فيها مشاريع منظمة وطويلة الأمد، بينما تتراجع أندية عريقة إن لم تحسن إدارة مرحلة التحول.
 
لقد شهدت الكرة السعودية عبر تاريخها صعود أندية وتراجع أخرى؛ فالفرق التي كانت يوماً في صدارة المشهد مثل الاتفاق والشبابوالرياض، وقبلها الوحدة، تراجع حضورها مع تغير الظروف الإدارية والمالية. والتاريخ يعيد نفسه حين تغيب الرؤية ويضعف التخطيط.
 
من هنا، فإن الحديث عن مباراة واحدة لا يكفي لفهم الصورة. القصة بدأت في 2024، يوم قررت الأندية كيف تستثمر الدعم الممنوح لها. ومنذ تلك اللحظة، أخذ كل نادٍ مساراً مختلفاً، وما نراه اليوم ليس سوى نتيجة طبيعية لذلك الاختيار المبكر بين الاستقرار أو الاضطراب، وبين البناء المتدرج أو الهدم المتكرر.

أحمد الدويش
السعودية

عن مصدر الخبر

المصدر

Editor

Ads Here