عاشق العربية محمد يعقوب تركستاني
حينما خرج علينا كتاب (أضواء كاشفة على سيرة أبي – محمد بن يعقوب التركستاني – من لطائف مقالاتهم وطرائف خطاباتهم) لابنه الدكتور فهر بن محمد يعقوب التركستاني الصادر عن نادي جدة الأدبي، تذكرتُ أن معرفتي به ترجع إلى يفاعتي حين كان يعد ويقدم برامجه اللغوية في إذاعة جدة مطلع العشر الأُوَل من هذا القرن.
فكان يدهشني حديثه العذب عن أسرار العربية ومكامن الجمال فيها والفوارق بين الفصيح والعامي، وعلم الدلالة وسحر الألفاظ، وبيان معانيها، وكيفية بناء الاشتقاق للمصطلح، وكان يأسرني بما تحمله لغتنا من شواهدها واقتباساتها لتؤكد عظمة لغة القرآن، فكنت أدرب سمعي على الكلمات بفصاحة صوته الرخيم.
وحين خطوت في العمر قليلاً أدركت أنّ لأبي فهر ملحقاً تراثياً باذخاً، يقدمه من صحيفة المدينة كل أسبوع، وينهض على إحياء تراثنا الأدبي واللغوي والثقافي.
وكان مرد صدوره أن شيخنا ارتأى أن يوثق العلاقة بين هذا الجيل وبين تراثه الكبير والعميق، فقدم لنا معلومات عن عيون المصنفات في اللغة والنحو والبلاغة والشعر، مع أخبار المؤتمرات والندوات ذات العلاقة بتراثنا العربي، وكان -حفظه الله- يقف بنفسه على تنفيذ مادته وتصحيحها وإخراجها. ولعمري أن ذلك من أشق الأعمال الصحفية، لذلك تجد الملحق زاخراً بألمع الكُتّاب والأشياخ الذين عرف عنهم اهتمامهم الكبير بكنوز العربية منذ عصور شموخ العربية في قرونها الأولى، كما تجد فيه أخبار تحقيق المخطوطات وكذا الفصول المتنوعة في اللغة والنحو والبلاغة، ناهيك عن غرر القصائد وعيونها، وظل هذا الملحق التراثي يصدر ردحاً من الزمن منذ صدوره (عام ١٣٩٢هجرية) يطل علينا كل أسبوع، والقارئ يتعطش لما يقوم عليه من مواضيع جاذبة وفقرات متجددة، كان ذلك أول ما عالجت الكتابة، وتعلقت بصنعة القلم، إلا أنني ظللت أتساءل عن سر هذا التفوق والعمق في المعرفة الذي حظي به التركستاني، إذ كان يدفع بنفسه دفعاً إلى مراقي العلا، فعلمتُ أنه ربيب حلقات العلم في الحرم المكي، بل يسر الله له أخذ العلم من مشايخ العربية الكبار عذباً سائغاً، أمثال:
سيد أحمد صقر، محمود شاكر، محمد متولي الشعراوي، أحمد جمال، محمد أمين كتبي، يحيى الجبوري، محمد المبارك، فوزي البشبيشي، رمضان عبدالتواب، وعبدالحكيم حسان، وغيرهم من أساطين العربية حتى جَوّدَ المعقول والمنقول.
ولا غرو أن يكون شيخنا بتلك الحذاقة التي عرفه بها زملاؤه وطلابه وكل من تابع نشاطه العلمي.
ولو تأملنا الدور العلمي للدكتور أبي فهر ومنتوجه في تصانيفه الجمة التي ربت على العشرين كتاباً لدُهشنا مما حققه في كتب التراث بدقة عالية، إذ خَطّ لنفسه منهجاً يسير عليه من حيث تردده على خزائن المخطوطات في أصقاع العالَم، لا سيما البلدان التي عرفت بكثرة هذه الخزائن، فمضى يبحث في قماطرها المخبوءة، ثم يقارن بين النسخ، ويبرز مواضع الاختلاف، ويعاود النظر برؤية وتبصر، ثم يقوم بدراسة النص والهامش أيضاً، مع شرح بعض المصطلحات المتعلقة بالمتن، ويضع تعليقه على مواد الكتاب، ويختتم تحقيقه بثبت الفهارس من المصادر والمراجع والموضوعات والآيات والأمثال والأعلام، وهو بصنيعه هذا؛ بزّ الكثير ممن استهواهم فن التحقيق، بعلمه الواسع، ودرايته الفائقه لهذا الفن.
وفي كتابه الفذّ في فقه اللغة العربية (الذي صدر عام ١٤٤١هجرية) والذي وقع له في نفسي القبول والاستحسان لترى مسلكه في التأليف، من حيث اختياره للموضوع، وحسن تناوله للمادة، وقوة حججه الدامغة، ما يجعلك تدرك جمال العربية، وتتذوق دقائقها الفاتنة ليتم استيعابها، وأبرز ما تميزت به، وبناه على خمسة أبواب، مثل: فقه المصطلحات، وتحدث فيه عن العرب والعربية، الفروق بين اللغة واللهجة، وفقه الحركات ووظائفها كالمثنيات اللغوية والمثلثات أيضاً، وفقه المفردات، كأهمية الجرْس، وتعدد الصيغ والألفاظ، ومتقاربة الأوزان، وفقه التراكيب كشدة الدقة والإحكام في تأدية المراد، وخاتم الأبواب كان عن فقه الخصائص ومنها الترادف والتضاد والمشترك اللفظي والوقف والحذف.
إن الدكتور أبا فهر جمع مع علمه الغزير: تواضعاً جماً، وخلقاً رفيعاً، وسمتاً حسناً، وابتسامة دائمة لا تفارق محياه كأنها الفجر الصادق، وسكينة تبرز لك حينما تنظر إليه، وطمأنينة رسّخها إيمانه العميق. وسيبقى نتاج الدكتور التركستاني غيثاً تزخر به سماء العربية، ولا غرو إن قيل فيه ما قاله الشاعر الدكتور عمر باشهاب من قصيدة طويلة والتي منها:
لأبي فهرٍ وأيّ فتًى
عزمه بالله ما وهنا
لم تقفْ عيْني على شَبَهٍ
ندُّهُ شاماً ولا يَمَنا

