تقارير

الإنجليزية عدوّة نفسها

المصدر

د. حسن مدن

سيكون من العبث السجال حول حقيقة أن اللغة الإنجليزية هي اللغة العالمية الأهم من دون منازع، سواء راق هذا للجميع، أم لم يرق. ورغم ما تظهره ثقافات مختلفة ناطقة بغير الإنجليزية من مقاومة بوجه ما تعدّه هيمنة لغوية تهدد مكانة لغاتها القومية، ما زالت الإنجليزية تتبوأ المكانة الأهم بين لغات العالم، ولا يظهر في الأفق القريب أن لغة أخرى قادرة على إقصائها منها.
الموضوع في جوهره ليس ثقافياً بالدرجة الأولى، إنما هو شديد الارتباط بالنفوذ العالمي، فالأمة المهيمنة اقتصادياً، وسياسياً، وعسكرياً، قادرة على فرض لغتها، سواء تمّ ذلك عبر جهود مدروسة، ومخطط لها، أو أنه يتحقق بمرور الزمن، بصورة فيها الكثير من التلقائية.
ولو أخذنا اللغة العربية مثالاً، فإن نظرة إلى التاريخ تظهر لنا أنه في فترات ازدهار الحضارة الإسلامية، وتوسع نفوذها، أصبحت الكثير من الشعوب غير العربية ناطقة بلغتنا، وبالتالي فإن الفلاسفة والأدباء والعلماء المتحدرين من تلك الأقوام وضعوا ما وضعوه من مؤلفات وأسفار بالعربية بالذات، بل إن بعضهم شارك في وضع، أو تطوير قواعد اللغة نفسها.
الفارابي، مثلاً، كازاخي الأصل، ويعود أصل ابن سيناء إلى بخارى في أوزبكستان، ورغم أن الخوارزمي ولد وعاش في بغداد إلا أن جذوره تعود إلى خوارزم في أوزبكستان أيضاً، وعلى هؤلاء يقاس آخرون، ولكننا نصفهم حينما نأتي على ذكرهم بالعلماء المسلمين، ولا نأتي على أصولهم القومية، وننظر إلى منجزاتهم كمنجزات للحضارة العربية – الإسلامية برمتها، لا لبلدانهم الأم.
وكان يمكن لقارة كبيرة مثل أمريكا الجنوبية، أن تكون ناطقة بلغة، أو مجموعة لغات أخرى، لولا غزو الإسبان لها، وفرض ثقافتهم ولغتهم عليها، وما يصحّ عليها يصح على تأثير بريطانيا في الهند، وغيرها من مناطق في آسيا، بما فيها بعض الدول العربية كالعراق، ودول الخليج العربي، ومصر، والسودان، ويمكن قول الشيء نفسه عن تأثير فرنسا ثقافياً ولغوياً في بلدان إفريقية عدة، بما فيها بلدان المغرب العربي، فضلاً عن بلدان مشرقية أبرزها لبنان، وجدت نفسها فيما يطلق عليه الحيز «الفرانكفوني».
مع ذلك، يرى باحث اسمه جوزيف ترين أن الخطر على مستقبل الإنجليزية يأتي من داخلها، فهو إذ يقرّ بأن مستقبل هذه اللغة يبدو آمناً، ينقل عن أحد محرري قاموس «أوكسفورد» تحذيراً من مآل مشابه لذاك الذي انتهت إليه اللاتينية التي تفرعت إلى لغات عدة، قد يلحق بالإنجليزية، معطياً مثالاً بقاموس مستقل عما وصف بـ«اللغة الأمريكية».

madanbahrain@gmail.com

عن مصدر الخبر

المصدر

Editor

Ads Here