تقارير

عام على حراك لبنان

المصدر

د. خليل حسين **

مرّ عام على انطلاق الحراك في لبنان على قاعدة المطالبة بالإصلاح، الذي تدرّج فيما بعد لإسقاط النظام. هذا الحراك لا يشكل سابقة في سياق المطالبات الشعبية بالتغيير والإصلاح، وعلى الرغم من المحطات المعبرة التي ظهر فيها، فإنه إلى الآن لم يسجل أي خرق لتحقيق أي من شعاراته التي رفعت، فما هي أسباب ذلك؟ وما هي الظروف التي عززت من فشل الحراك إلى الآن؟ فلبنان الذي يرزح اليوم تحت أزمة كيانية وجودية، يغرق في أزمة اقتصادية مالية لا سابق لها؛ حيث الطبقة المتوسطة تلاشت، وشاع الفقر بين شرائح اجتماعية واسعة وانتشر العوز والمرض، وشاع التفلت الأمني في بعض المناطق؛ حيث انتشرت مظاهر التفكك المجتمعي ومظاهر تلاشي السلطة الرسمية. كل ذلك يترافق مع حكومة مستقيلة ليست لها القدرة حتى على تصريف الأعمال، وفي وقت لم يتفق على تكليف لتشكيل الحكومة، وفي ظل التأجيل المتعمد لما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية؛ حيث وضعت المبادرة الفرنسية جانباً، وترك لبنان لقدره.
إذاً، هذه المظاهر مجتمعة كافية لتحريك أي مجتمع للتغيير والوصول أقله إلى نتائج مرضية، إلا أن الحراك اللبناني لم يتمكن من تحقيق نجاحات تذكر للعديد من الأسباب من بينها، تشرذم مجموعات الحراك بين عشرات المجموعات إن لم تكن مئات، وعدم التوصل إلى برامج محددة للإصلاح، وسط غياب قيادات كارزمية قادرة على اجتذاب الجماهير وهي كثيرة وحائرة. وفوق ذلك كله، افتقاد جماعات الحراك لتنظيم سياسي ريادي قادر على استيعاب وتأطير أصحاب المصلحة في التغيير والإصلاح.
إن مفتاح نجاح أي حراك مطلبي ذات أبعاد اجتماعية اقتصادية مرتبط بوجود تنظيمات سياسية قادرة على إفراز قيادات موجهة ومؤثرة في تحريك الشارع، وهو أمر مفقود لدى المعارضة في لبنان، وثمة عوامل محبطة للوصول إلى ذلك، بفعل تجربة اللبنانيين مع الأحزاب التي سادت خلال الحروب المتواصلة منذ عام 1975 وحتى أيامنا هذه.
ومن المفارقات العجيبة الغريبة في لبنان، أن تجد أحزاب السلطة هي من تقود حراك الشارع وتجدها في طليعة المعترضين على سياسات السلطة نفسها التي هي جزء منها، والمضحك المبكي أن تجد شعاراتها ووسائل التعبير عن عدم الرضا أشد قساوة وعنفاً من تجمعات الحراك وبعض أحزاب المعارضة، كما أن ظاهرة احتواء النقابات والاتحادات أمر شائع في لبنان؛ حيث تتحرك وفق مصالح من في السلطة وأحزابها وبعض مؤيديها.
جانب آخر من الأسباب التي تسجل في خانة اليأس والإحباط الذي وقع فيه معظم اللبنانيين، الذي عزز من فرص الفشل هو عدم الإيمان بإمكانية التغيير؛ إذ بات من يطالب بالإصلاح والتغيير ينظر إليه كوجه من وجوه الفساد السياسي والمالي الذي يسود الحياة السياسية في لبنان، الأمر الذي صعّب من فرص التغيير والاتكال على القاعدة الشعبية العريضة التي تتقاطع مصالحها مع التغيير.
ثمة بعض القائمين في الحراك وكذلك الذين في السلطة، يترقبون ويتحينون الفرص لاستغلال مناسبات ووقائع وأحداث خارجية لاستغلالها أما في عمليات التصعيد أو إطفاء محركات الحراك، وهو أمر شائع وواضح، واستعمل في العديد من المحطات خلال العام المنصرم، على الرغم من أنه لم يحقق أي نجاحات ذات قيم وازنة. والمفارقة الأغرب في هذا المجال، أن بعض الأحزاب التي تعاير أخصامها السياسيين بالوقوف خلف مطالب قوى خارجية، فيما هي نفسها تعتمد وبشكل كبير على دعم قوى خارجية إقليمية وازنة.
في أي حال من الأحوال، ثمة حركات شعبية استهلكت زمناً طويلاً لتحقيق بعض ما ترنو إليه من غايات وأهداف، وبعضها الآخر لم يتمكن من تحقيق أي شيء، فآثر الانسحاب من المواجهة، في حين أن حراك لبنان يعد أمراً استثنائياً وخارجاً عن تلك القواعد، فعلى الرغم من الضياع الذي يقابله تحشيد كبير ولافت للبقاء في الشوارع، ثمة حجم كبير بات لا مبالياً لمعظم ما يحيط به وكأنه ينتظر أمراً كان مقضياً. فهل سيستهلك الحوار سنين قادمة كثيرة للتغيير، في لبنان إنه ضرب من ضروب التبصير والتنجيم.

رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

عن مصدر الخبر

المصدر

Editor

قد يعجبك أيضا

Ads Here