قصة

طبيبة العيون

المصدر

دلف بصحبة أخته إلى عيادة طبيبة العيون، التي أصرت أن تذهب إلى طبيبة عيون بدلاً من طبيب، لأنها لا تحب الأطباء الرجال. السلام عليكم، ألقى بالسلام عند دخوله، رفعت رأسها قائلة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومن أول وهلة التقت عيناه بعينيها، انتابه شعور غريب، وإحساس عجيب، شرد بخياله للبعيد، وكأنه يبحث في بحر عينيها عن شيء مفقود، تذكر أبياتاً من قصيدة الشاعر السعودي صلاح بن هندي:
طبيبة العيون عيناك سر الأسرار
وطريق صعب المشوار
عيناك بحر ممدود أتعبني طول الإبحار
لو أبصر ميناء ينقذني من عصف دوار
صوتها الرقيق الناعم وهي تقول: تفضلوا بالجلوس، أعادته إلى عالم الواقع القريب.. هه ماذا قلتي؟ قلت تفضلوا بالجلوس، قالت ذلك وهي تصلح من نقابها الذي نزل قليلاً عن أنفها، وقد بدت ابتسامتها ساطعة كشمس على سطح عينيها، جعلته يشعر بجفاف شديد في حلقه، في حين ردت أخته وعليكم السلام، ازدرد ريقه بصعوبة كأنه لم يشرب ماء منذ أيام!، وهي تطرح سؤالاً عليه من منكما المريض؟ أنا يا دكتورة. أجابتها أخته، في حين رد مرتبكاً أنا أسف لقد شردت قليلاً.. تناولت نوتة البيانات وأمسكت القلم ومضت تسأل أخته ما اسمك؟ فتحية عبدالله سالم. العمر؟ عشرون عاماً. ما المشكلة؟ لي فترة أشعر بجفاف في عيني واحمرار مع حرقة في أوقات مختلفة وأحس بين فترة وأخرى شيئاً داخل عيني مما يسبب لي إزعاجاً دائماً، وأحياناً أخرى أشعر بشيء ممتد في نص العين اليمنى. لا بأس عليك سأفحصك ونعرف المشكلة. قالت للممرضة فادية قيسي ضغطها وخذي حرارتها. نادتها الممرضة، سألتها: ألم تراجعي طبيباً من قبل، رد على سؤال الطبيبة: لقد أخذتها منذ شهرين إلى طبيب عيون ولم تستفد من علاجه شيئاً، فأصرت أن آخذها إلى طبيبة. ابتسمت وهي تسأله: لم طبيبة وليس طبيباً؟ قال: هي لا تحب الأطباء الرجال. بدت ابتسامتها أنقى وأشرق وهي تنظر في عينيه، وتابع: هي تخجل منهم. تركته لتفحص شقيقته في حين سافر بخياله مع أبيات من قصيدة شاعره المفضل صلاح:
لو بسمة ثغر تنعشني
كي تهدأ ثورة أفكاري
لو غمزة عين تؤنسني
من وحشة ظني وقراري
ما أروع نظرة عينيك
تجذبني نحو التيار
لا طوق نجاة ينقذني
عيناك نجاتي ودماري
أنهت الطبيبة فحص عيني أخته، وطلبت منها أن تتبعها لتصف لها العلاج، سألها بلهفة: خير يا دكتورة؟ تبعتها أخته جلست على الكرسي المقابل لأخيها، من الكشف اتضح أن لديك حالة تسمى ذبابة العين، شهقت هل دخلت ذبابة في عيني كيف؟! اهدئي ولا تخافي لم تدخل أي ذبابة في عينك أبداً، ما ترين أن شيئاً في وسط العين، يسمى علمياً ذبابة العين وهذا يحتاج لعمل عملية جراحية بالليزر وتعود عيناك كما كانت، والجفاف وإحساسك بشيء داخل العين فهذا يعود لقلة الدموع في العين، مشكلتك بإذن الله سهلة وعلاجها سهل أيضاً فقط أريد منك المداومة على العلاج ومتابعة المواعيد وسأصف لك قطرات لإزالة الجفاف والاحمرار وبعد ذلك نجري لك عملية العين، هذا إذا أردت عملها في هذا المستشفى. أجل سأعملها لديك. ناولت أخاها ورقة العلاج قائلة: تفضل اصرف علاج زوجتك، وأحضره لأتأكد منه، بسرعة قال: هي أختي وليست زوجتي، ابتسمت دون تعليق، طلب من أخته أن تبقى في السيارة، لحين صرف العلاج من الصيدلية، وأخذه للطبيبة لتراه، طرق الباب ثم دخل قبل أن يسمع الأذن بالدخول.. كانت الطبيبة سامية قد خلعت النقاب لتمسح قطرات العرق التي بللت وجنتيها، فتح الباب بسرعة جعلها ترتبك فيسقط النقاب من يدها، مدت يدها لترفعه من الأرض وترتديه بسرعة، رجع للوراء مركزاً عينيه على ملامح وجهها الذي راح يختفي نصفه بالنقاب، قال: آسف يا دكتورة إذا كنت قد سببت لك إزعاجاً. بضيق: لا عليك، هل صرفت العلاج؟ أجل تفضلي، مد يده به تناولته فتحت الكيس ومضت تطالع الأدوية، أعادتها إلى الكيس وهي تقول له مناولة الكيس: تمام. شكراً يا دكتورة مع السلامة، مع السلامة.
ناول أخته العلاج وهو يقول احرصي على استعماله والموعد بعد أسبوع، شكراً أتعبتك معي، لا تشكريني أنت أختي وهذا واجبي، حاول أن ينام لكن ما حدث في العيادة سلب النوم من عينيه، ظلت صورتها مرسومة أمام عينيه، أحس فؤاده يغادر جنبيه، حلق بأحلامه بعيداً، وتساءل: ترى هل هي متزوجة؟ وهل هي أم؟ وابنة من هي؟ ومضى معظم ساعات الليل وهو مؤرق الفكر سهران يفكر كيف يعرف معلومات عنها؟ في نهاية تفكيره توصل أن يركز في الموعد القادم على يديها ليعرف من الخاتم إذا كانت متزوجة أو مخطوبة أو.. ومضى يردد بينه وبين نفسه أبياتاً من قصيدة شاعره المفضل صلاح بن هندي:
آه يا رمشاً علقني ما بين الجنة والنار
آه يا جسداً أغراني عراني من ثوب وقاري
مر الأسبوع كأطول ما يكون على سعد ليأتي يوم الموعد لأخذ أخته لموعدها، ويحقق مأرباً في نفسه حين حان دور أخته، نادتها الممرضة دخلا ألقيا السلام على الطبيبة وعليكم السلام تفضلوا بالجلوس، كيف حالك؟ وجهت السؤال لأخته.. الحمدلله بخير، خف الجفاف والاحمرار، جيد الحمد لله قالت الطبيبة: اصعدي سأكشف على عينيك، لاحت التفاتة منها على سعد مستغربة صمته، كانت عيناه مركزة على أصابع يديها، فجأة لاحظت اصفراراً في وجهه وقد تبلل بالعرق، سألته، ما بك يا أستاذ هل تشعر بتعب ما؟ ازدرد ريقه.. لا، وتناول منديلاً ومضى يجفف العرق، في حين ذهبت للكشف على أخته، الحمد لله يا فتحية عيناك أفضل من قبل استمري على العلاج، وبعد أسبوعين نجري لك العملية.. مع السلامة، ردت مع السلامة موعدنا بعد أسبوعين، رد إن شاء الله، لم يستطع أن ينام، ظل مسهداً، مجروح الفؤاد، موجع القلب، وكأنه يعرفها من عدة سنوات وليست أياماً معدودات، ومضى يردد أبيات شاعره المفضل وكأنه يعزي نفسه وقد تبخر حلمه كما يتبخر السراب، وطار أمله كما يطير الطائر في الهواء دون عودة:
دكتورة طب العيون
شفيت من ضعف الإبصار
شفيت من نظرة عينيك
لا من أدوية وعقاري
أحسد مرضاك يا أملي
حتى عدسات المنظاري
أحسد بالطواً عانقك
ونقاباً يزعج أنظاري
يا فتنة حسن يا أنثى
قنصت بالنظرة أشعاري

بهية بوسبيت – السعودية

عن مصدر الخبر

المصدر

Editor

قد يعجبك أيضا

Ads Here