تقارير

أدوات الكتابة عبر العصور

المصدر

تعد الكتابة إحدى النعم العظيمة التي خص بها الإنسان عن سائر المخلوقات، وتعد من أقدم متطلبات الحياة الإنسانية على وجه الأرض، وقد ظهرت البدايات الأولى للحاجة إليها عندما أراد الإنسان القديم أن يسجل أهم أحداثه اليومية المختلفة الموضوعات، وقد زادت الحاجة إلى الكتابة وأصبحت أساسية وضرورية بمرور الزمن، وذلك مع زيادة حاجة الإنسان إلى توثيق الكثير من العلاقات القانونية والاجتماعية والأحداث التاريخية المهمة التي يمر بها والحاجة إلى المراسلات بين الشعوب والقبائل آنذاك، وقد عني الكثيرون من علماء الكتابة واللغات القديمة وبخاصة من العرب وغيرهم بالبحث وراء معرفة تاريخ الكتابة منذ بداياتها الأولى، وقد اختلفوا في توقيتها وكيفية ظهورها إلا أنه وجدت لدينا بعض الثوابت غير القابلة للنقد حتى الآن وهي أن الكتابة المسمارية التي يعود تاريخ أقدم لوحة كتابية منها إلى عام 3600 ق. م والتي ترجع إلى السومريين في العراق قبل 5630 سنة، هي أقدم صورة للكتابة على الأرض، وأن الكتابة الهيروغليفية في مصر الفرعونية والتي ظهرت على أغلب الآراء بين عام 3200 إلى عام 3300 ق. م هي أول كتابة منظمة عرفها التاريخ، ويرجع إليها بعض العلماء اشتقاق كثير من اللغات كالعبرية والهندية والفينيقية وغيرها وكانت تعتمد اللغة الهيروغليفية بشكل كبير على صور لأجزاء من جسم الإنسان والحيوانات والطيور والأدوات الحياتية للتعبير عن حروفها.
وقد ظهرت العديد والعديد من اللغات والأبجديات القديمة في مختلف بقاع الأرض، وتعد اللغة العربية بحروفها هي أسمى وأشرف وأكمل اللغات والحروف على الإطلاق، وقد انتشرت الكتابة بين العرب بواسطة العرب من سكان سواحل جزيرة العرب الذين تعلموا الكتابة من البلدان والحضارات المجاورة لهم كبلاد الفرس والرومان وقبائل حمير والأنباط، وأيضاً من الأنباط الذين كانوا ينزلون قبل الإسلام إلى حوران والبتراء ومعان بالقرب من المدينة، كما أن هناك رواية تاريخية تشير إلى أن الكتابة العربية قد انتشرت بين العرب في شبه الجزيرة العربية بواسطة رجل يسمى (بشر بن عبدالملك) الذي كان قد تعلم الكتابة من الأنبار، فتزوج (الصهباء بنت حرب أخت أبي سفيان)، فتعلم أبوها (حرب بن أمية) وتبعه في ذلك جماعة من قبيلة قريش.
أما عن الأدوات التي استخدمها الإنسان على مر العصور في تدوين ونقش كتاباته، فقد تنوعت واختلفت وتعددت، بل وتطورت تلك الأدوات واختلفت أيضاً بمرور الزمان حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن مع التقدم التكنولوجي في العصر الحديث، والعامل المشترك بين أدوات الكتابة منذ أقدم العصور إلى الآن هو أن جودة الخط وشكل الكتابة يتوقفان على جودة الأداة المنفذ بها الخط ونوع السطح المنفذ عليه الكتابة، ولعلي أورد ذكر بعض من هذه الأدوات في القرآن الكريم للدلالة على عظم قدرها وأهميتها في حياة البشر.
ويمكننا تقسيم الأدوات التي استخدمها الإنسان في الكتابة منذ القدم وحتى الآن إلى قسمين:
القسم الأول ويختص بالمواد والأدوات التي كتب بها وتأتي في مقدمتها يد الإنسان وتعتبر اليد من أكبر نعم الله على الإنسان بعد العقل لأن الإنسان بغير يد لا يملك القوة ولا يعتبر شيئاً مهماً لأن عقله سامٍ، فاليد هي المكمل للعقل، فاليد هي التي تمسك بأدوات الكتابة وتتحكم فيها ويتوقف جمال الخط وانتظامه على مدى دقة اليد وتحكمها في أداة الكتابة من أقلام وغيرها.
يلي اليد من حيث الأهمية في الكتابة القلم وكانت تصنع الأقلام قديماً من الخشب والحجر والحديد بعد ذلك، حيث كان ينقش بها على الطين قبل تجفيفه، وكان له عدة أشكال فمنه القلم المربع ومنه القلم المثلث ومنه الحاد المشطوف، وللقلم في الإسلام مكانة خاصة حيث ورد ذكره في القرآن الكريم في سورة القلم الآية رقم (1)، (ن والقلم وما يسطرون) وكان العرب قديماً يطلقون على القلم لفظ (اليراع) وهو القصب أو المزبر أخذاً من قولهم زبرت الكتاب إذا أتقنت كتابته، ومنه سميت الكتب زُبُراً…. وللعرب كلام كثير في فضل القلم حيث قال أبو حفص الأندلسي: ما أعجب شأن القلم يشرب ظلمة ويلفظ نوراً. وقال إبراهيم ابن العباسي لغلام بين يديه يعلمه الخط: ليكن قلمك صلباً بين الدقة والغلظ ولا تبره عند عقدة فإن فيه تعقيد الأمور ولا تكتب بقلم ملتوٍ، ولا ذي شق غير مستوٍ واختر من الأقلام ما يميل إلى السمرة، وكانت الأقلام العربية الأولى تصنع من السعف والغاب أو القصب، فكان الغاب أو القصب يقط ويقلم أو يبرى، ثم يغمس في المداد ويكتب به، وقد استخدمه المصري القديم منذ العصر الفرعوني في الكتابة على البردي ومازال الخطاطون المصريون يستخدمونه حتى الآن حيث يكثر وجوده على شواطئ نهر النيل.
ويعد مداد القلم أو الحبر العنصر الرئيسي في إظهار الكلمات، وقد سمي الحبر بالمداد لأنه يمد القلم ويعينه، وسمي المداد حبراً لأنه يحبر الخط، يقول الصولي في (أدب الكتاب): ثم كثر استعماله (المداد) لما تمد به الدواة، فغلب كل شيء غيره، فإذا قيل مداد لم يعرف شيء غيره، وإنما سمي الحبر حبراً لتحسينه الخط، من قولهم حبرت الشيء تحبيراً، وحبرته حبراً زينته وحسنته، وكان المداد بصفة عامة نوعين أسود وأحمر وإن كانت توجد أحياناً ألوان أخرى على لوحة من لوحات الكتابة ولكن هذه الألوان مما يستخدمه المصور في رسم المناظر لا الكاتب في التدوين وإن كنا نجد بعض الكتاب قد استخدموها أحياناً في التدوين.
أما الدواة فهي الإناء أو الوعاء أو الآلة التي يوضع فيها المداد أو الحبر والدواة والمحبرة بمعنى واحد، وتعد من أهم أدوات الكتابة التي حظيت على اهتمام الإنسان حيث نوع في مواد صناعتها بين الخشب والآجر والنحاس والفضة وحتى الذهب وكذلك تشكيلها بأشكال متميزة ومتنوعة وزخرفتها بالزخارف الكتابية والنباتية والهندسية وغيرها.
أما القسم الثاني فيشتمل على المواد التي كتب عليها وتتمثل منذ القدم في الأديم والرق حيث يعدان من المواد الأولى التي استخدمها الإنسان للتدوين، فالأديم هو الجلد الخارجي للكائن الحي، أما الرق فيؤخذ من جلود الحيوانات حيث يمثل البطانة الداخلية لها، ويتميزان بألوانهما البيضاء والحمراء، ويتميز الرق بصلاحيته للكتابة على الوجهين وثبات المداد عليه، ولقد استخدم في الحضارة الفرعونية في بعض الأوقات التي كان يقل فيها توافر البردي، كما عُرف لدى العرب واستخدموه في الكتابة كما يشير إلى ذلك قول حسان بن ثابت:
عرفتُ ديار زينب بالكسيب
كخط الوحى في الرق القشيب
كما كثرت الكتابة على الرق في الحضارة الإسلامية منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
كما استخدم الإنسان أيضاً الاكتاف والأضلاع وعظام الحيوانات وبخاصة الإبل والجمال والأغنام، ثم حدث بعض التطور في المواد التي كتب عليها الإنسان فاستخدم الألواح الطينية والمعروفة علمياً باسم الرُقُم وكان يكتب عليها الإنسان القديم وهي نيئة لينة ثم تجفف تحت أشعة الشمس أو توضع في النار حتى تثبُت الكتابة عليها، وكانت هذه الطريقة منتشرة لدى السومريين وقد كُتب عليها باللغات السومرية والآكدية والآشورية، وعادة كان يأخذ اللوح المكتوب عليه الشكل المستطيل.
كما استخدم الإنسان قديماً الكرانيف والعُسب كمواد للكتابة عليها، فالكرانيف هي ما تبقى في جذع النخلة بعد قطع السعف فهي أصل السعف الغليظ الملتصق بجذوع النخل، أما العُسب فهو جريد النخل الذي لا خوص فيه ويستخدم منه الجزء العريض، حيث كان يقشط الخوص ويكتب على جزئها العريض، وكانت من أكثر أدوات الكتابة انتشاراً وذيوعاً وبخاصة لدى العرب قديماً نظراً لتوافرها وسهولة الحصول عليها.
كما استخدمت فروع النباتات وأعوادها كمواد للكتابة عليها وكان للصينيين قديماً الغلبة في استخدام هذا النوع من الأسطح للكتابة حيث انتشر لديهم عمل شرائح رقيقة مستطيلة من أعواد الغاب أو البوص المعروف باسم (البامبو) ويُعتقد أن هذا هو السبب وراء كتابة الخط الصيني في أعمدة من أعلى إلى أسفل حيث لا يتسع الحيز على العود إلا لكلمة واحدة.
وهناك أيضاً الأقمشة والمهارق ومفردها مهرق وهو لفظ فارسي معرب يقصد به صحف بيضاء من القماش تصقل بواسطة الصمغ ويكتب عليها، ولقد استخدمت الأقمشة كمادة يكتب عليها منذ أقدم العصور، واستخدمها العرب قبل الإسلام في كتابة المُعلقات السبع التي عُلقت على أستار الكعبة قبل الإسلام وقد نفذت عليها الكتابات بالخيوط المنسوجة.
ومن المواد المهمة التي استخدمها الإنسان قديماً وحتى الآن الأحجار والألواح الخشبية والجص والآجر والرخام، والتي كان لها دور عظيم في حفظ الكثير من المعلومات التاريخية وغيرها منذ أقدم العصور حتى الآن فهي تعد من المواد الأولية التي استخدمها الإنسان منذ أقدم العصور في الكتابة ولعل بدايتها كانت في اللخاف وهي الحجارة البيض الرقاق الخفيفة العريضة والمسطحة، وتتميز المواد سالفة الذكر بتطورها في شكلها وطريقة الكتابة عليها بمرور العصور حتى العصر الحديث، حيث مازالت تنقش على الألواح الخشبية والآجر والرخام والجص الكثير من الكتابات التأسيسية والتذكارية والموضوعات الفنية الزخرفية الكتابية، وإن قل أو ندر استخدام الأحجار حديثاً، ويظهر مدى تطور استخدام هذه المواد في الكتابة من خلال التحف الأثرية في الكثير من متاحف العالم بالإضافة إلى العمائر الأثرية المختلفة الأغراض والمنتشرة في كثير من البلدان العربية وغيرها وأغلبها ينسب إلى العصر الإسلامي خصوصاً في مصر والشام والعراق.
وكانت الطفرة آنذاك وبخاصة في العصور الفرعونية حينما استطاع الإنسان صنع مادة أكثر مرونة وطواعية وثباتاً للحبر عن كل ما استخدمه قبل ذلك حيث توصل إلى صناعة ورق البردي من نبات البردي وهو نبات قديم ينبت في الأراضي الطينية الرطبة وجادت زراعته ووجوده في مصر، فصنع المصري القديم منه ورقاً للكتابة عليه، وكذلك استخدمه الإغريق، وكان للبردي دور كبير في التدوين في الحضارة الإسلامية طيلة الثلاثة قرون الأولى تقريباً من الهجرة النبوية الشريفة، والحقيقة أنه كان للبردي دور عظيم في حفظ الكثير والكثير من الأحداث التاريخية المهمة على مر العصور بل وحفظ الكثير من المعلومات عن العلوم والآداب والمواثيق في الحضارات القديمة والحضارة الإسلامية، ومازالت متاحف العالم بأرشيفاتها تحتفظ بأعداد عظيمة من البرديات خصوصاً متاحف النمسا وألمانيا ومن هذه البرديات ما تمت دراسة محتواه ولكن العدد الأكبر منها لم يتم دراسته وهو معرض الآن للتآكل بفعل الفطريات والبكتيريا، هذا ومازال يزرع البردي في مصر حتى الآن في بعض البلدات بها حيث يستخدم كإحدى أهم الهدايا للسائحين الوافدين إلى مصر.
الورق (الكاغد) المعروف في التاريخ أن أهل الصين هم أول من عرف صناعة الورق، وترجع أقدم نماذج له إلى عام 105 م وتم العثور على تلك القطع في عدة مناطق متفرقة من الصين، وكان التجار العرب يستوردون (الورق الصيني) وعرف العرب الورق الصيني بلفظ الكاغد بفتح الغين، والكلمة فارسية من أصل صيني، وورد بلفظ (الكاغد والكاغذ) في المراجع العربية القديمة وقد رأى العرب في الورق مادة خفيفة لينة سهلة الحمل والنقل لا تتطلب حيزاً كبيراً، فأكثروا منه إكثاراً عظيماً، وفضلوه على الرق والبردي، ولقد ظلت صناعة الورق مقتصرة على الصين طيلة خمسة قرون تقريباً، ثم انتشر في البلدان والأقاليم القريبة من الصين كاليابان وجنوب شرق آسيا ومنها إلى العراق ودمشق ومصر حتى وصل إلى أسبانيا على يد العرب المسلمين في سنة 1151 م تقريباً، وجدير بالذكر أنه قد أقيمت أول صناعة للورق في البلدان العربية في العراق ومنها انتشرت إلى باقي البلدان العربية.
هذا بالإضافة إلى الكثير من المعادن التي استخدمها الإنسان على مر العصور في نقش كتاباته عليها وقد صنع الكثير منها بغرض الزينة ولا سيما في العصر الإسلامي الذي اشتهر بتشكيل المعادن وصناعة التحف المعدنية المختلفة ذات الاستخدامات المتعددة كالأدوات المنزلية والحلى والزينة وكذلك أدوات الإنارة وجميعها قد اصطلح في العصر الحديث على تسميتها بالتحف التطبيقية أو الآثار التطبيقية وتتميز جميعها بسهولة نقلها، وهناك أيضاً الكثير من الأسطح التي استخدمها الإنسان في تنفيذ نقوشه الكتابية منذ القدم والتي تتميز بكبر الحجم وثقل الوزن وصعوبة النقل بل إن بعضها ثابت كجدران المعابد والمنازل والمساجد وعادة كانت تستخدم مواد كالحجارة أو الرخام لهذا الأمر، ومن أدق الأسطح المعدنية التي نفذ عليها الإنسان الكتابات العملات المعدنية (المسكوكات) والتي تتطلب مهارة ودقة في تنفيذ الكتابات عليها.
وبعد فقد حرص الإنسان منذ أقدم العصور على تسجيل الأحداث والأفكار والعلوم وغيرها فظل يبحث جاهداً عن شيء يمكنه بواسطته الاحتفاظ بكل ذلك غير ذاكرته العقلية، فبدأ بأبسط الوسائل التي كانت متاحة أمامه في بيئته الفسيحة البسيطة، وطور تلك الأدوات منذ ذلك الحين ومازال إلى الآن يطور في وسائل الكتابة وأدواتها، وبرغم ما وصل إليه الإنسان من تطور عظيم في هذا المجال واعتماده بشكل كبير على تكنولوجيا الحواسيب وغيرها في التدوين وحفظ المدون إلا أنه يظل لديه الشك في أنه لم يصل بعد لوسيلة للتدوين والحفظ لا تبلى مع الزمن، كما ظل الإنسان يتفنن في ابتكار الوسائل التي تمكنه من الكتابة على النحو الأمثل والأدق بل وتمكنه من استخدام الخط ذاته بأشكال زخرفية متعددة ولا سيما الخط العربي الذي حظي لدى العرب باهتمام كبير في تجويده وزخرفته، فالحقيقة أن فنون الكتابة والخط العربي بشكل خاص قد نال لدى العرب اهتماماً وتقديراً لم ينله أي خط آخر عند الأمم الأخرى.

أحمد محمد بهنسي – مصر

عن مصدر الخبر

المصدر

Editor

Ads Here