قصة

ترنيمة نزارية

المصدر

يصدَح صوتُه كلَ مساءٍ يترنم بكلماتٍ شعريةٍ تمَسُ شِغافَ القلبِ: (أُحِبُك جداً. أيا امرأةً على حطبِ عشقِها يطيب العذابُ).
وتارةً بصوتِ عبدِ الحليمِ يأسرني بقارئةِ الفنجانِ.
تنظرُ والدتي في عينَيَّ عاتبةً كلما وقَعَت على انكبابٍ وغرقٍ مني غيرِ مُسَبَّقٍ بين صفَحاتِ دواوينِه وكُتُبِه، وجُلِ أعمالِه، تتكسرُ نظراتي خجلاً منها، لعدمِ انصياعي لها، تُرددُ كما تفعلُ دائماً: احذري من هذه الكتاباتِ يا ابنتي كتّابُها يقيسون كلماتِهم على حسبِ أهوائِهم وأطماعِهم بالعددِ الذي سيصطادونه من وراءِ هذه الكلماتِ. تجاهدُ لكي تبعِدَني عن كتبِ هذا الشاعرِ وغيرِه ولا تعلم بأن لأشعارِه وكلماتِه تأثيراً على قريحتي عندما أقرأ له، أتحول إلى شاعرةٍ تنضح عشقاً وإبداعاً، تتقاطر من قلمي كلماتٌ معسولةٌ. تذيبُ القلوبَ.
ومع كلِ قصيدةٍ أقرؤُها له أدركُ بعدَها أني تعلمت درساً في فنِ كتابةِ الشعرِ الحرِ، وقصيدةِ النثرِ، لكنْ مع تخويفِ والدتي كنت أتأرجح بين الإقبالِ والإدبارِ، يتعلق قلبي بحلاوةِ كلماتِه، المغلفةِ بغطاءٍ مرٍ من كلماتِ والدتي التي تستفزني وتخيفني.
حينها نويت أن أخبئ سريَ هذا في قلبِ إحدى صديقاتي المقرباتِ إلى نفسي فعقلُ أمي الذي يحارب موهبتي وحبي لكلماتِ نزارٍ ينثر السمَ فوق قصائدِه التي لا يعبر مثلَها أحدٌ.
قررت مع صديقتي أن أهربَ إليها بهوايتي، فأتركُ معها كتبي هذه لأعودَ إليها في فترةِ فسحتي المدرسيةِ، وأتغذى على كلماتِه المحلاةِ بالسكرِ، المفعمةِ بالصدقِ، فتُنعِشُني وتفتح قريحتي، فصديقتي تلك الخبيرةُ بالتقنيةِ ووسائلِ التواصلِ تُعَرِّفُني وتدلني على الحساباتِ الرومانسيةِ وحساباتِ البوحِ بما في ذلك حسابُ (نزاريات) الذي سلب لبي وخطف قلبي وقادني بسحرِه إلى الإصرارِ على كتابةِ الشعرِ.
***
أعود إلى البيتِ منتشيةً تملؤني السعادةُ وتخدرني كلماتُه دفئاً وحناناً، وأمضي وقتَ الظهيرةِ أعبر عما بداخلي بعقودٍ كاللؤلؤِ، تتراص حباتُه جنباً إلى جنبٍ، يُصَيِرني هذا البوحُ كشمسٍ مشرقةٍ تتوهجُ، حالمةً تتهادى في أرجاءِ المنزلِ، وياليت أمي تفهمني وتعرفُ نوعَ الإلهامِ الذي تغتذي عليه روحي لأبدع.
أستجيب لكل مطالبِها وأقرأ ما تشاء، واختبئ عن عينِها المراقبةِ في قراءةِ ما تهفو إليه نفسي.. لم تعد أفكاري كما هي بعدما تفتقت قريحتي على نكهةِ شعرهِ وبريقِ نظمِه، ولم أعد أخشاها.
هاهي الصحفُ تنشر لي أشعاريَ التي نمت وترعرعت بين دفتي كتابٍ قرأتُه سراً لم يكن مباحاً لي يوماً.. بينما الكتبُ المباحةُ لم ترمش لها عيني ولم يخفق لها قلبي.. وقعتِ الصحيفةُ بين يدي والدتي. وقرأتْ كلماتٍ بتوقيعي: (انصهر فيك كلُ كياني.. حتى تسربتُ إلى تعرجاتِ روحِك وتهتُ فيها).. أقبلت نحوي وهي تمد لي الصحيفةَ بملامحَ تكسوها الخيبةُ: (أهكذا يا ابنتي صرت نزاريةَ الهوى؟! لم تسمعي مني نصيحتي، وهذا أقصى طموحِك)!
في عتمةِ المساءِ الكئيبِ داهمتني مخاضاتُ الذاكرةِ، وبدأت أوجاعُ الحرفِ والمعنى تنصهر من جبيني، أتناول مسودةَ كتابي الذي ألفته في سِنيِ عُمُري، وأخرجته بتنسيقٍ عالي المستوى يتناسب مع مستقبلي الأدبيِ الذي أطمح إليه، وأمهرته بعنوان (نزاريةُ الهوى).

مريم الحسن – الدمام

عن مصدر الخبر

المصدر

Editor

قد يعجبك أيضا

Ads Here