قصة

أوراق الخريف

المصدر

وأنا أتمشى… لفت انتباهي شاب جعل يديه إلى الخلف وأدارهما على عمود كهرباء. رفع عينيه ناحيتي، مبتسماً، وقال: سيجارة يا سيدي، سيجارة، من فضلك.
تأملت هيئته، قبل أن أجيب: أنا لا أدخن… والله… أقلعت عن التدخين منذ سنين..
ردّ بضحكة محتشمة: أعطني الفلوس، إذن.
تصدّقت عليه بما تيسر، لكن حاله سرق منّي ابتسامتي كلها، فما استفقت من غفوة حزني إلا على نسائم قادمة من شاطئ البحر، وقد قطعتُ مسافة معتبرة. مسحت خدي، وأنا أهمس لنفسي: لقد ولّى الصيف، دون أن أنتبه. الأيام تجري سِراعاً.
كانت غايتي موضعاً لبيع المجلات والجرائد في الركن المعتاد من الرصيف وسط المدينة. لم أجد بالقرب سوى شخص واحد، سرعان ما انسحب، وانحاز إلى درج قريب من باب حانة، اتخذ له فيه فراشاً من خيش، كأنه تضايق من حضوري، بينما كان الكتبي منهمكاً في وضع الأحجار على بضاعته حتى لا تتطاير.. وحين أحس بوجودي بادرني بقوله: بدأت عواصف الخريف شديدة، اُنظر… اُنظر… كيف تتلاعب الرياح ببقايا الصيف في السماء…
سكَتَ هنيهة، ثم أضاف: حتى في الأرض. اُنظر، كثيرون كان يطويهم الكورنيش تحت جنح الحر، يفترشون سخونة الرمال، ويتلحّفون بدفء السماء، اضطروا للانسحاب من الشاطئ.
نظرت إليه باستغراب ولم أقل شيئاً، فاستدرك ما بك؟ أراك خارج الزمن أيها الأديب، مثل أهل الشأن في البلاد… ألا ترى كم من غريب هرب من برد البحر، وتسلل إلى دروب المدينة؟ اُنظر حواليك.. كأنهم خرجوا من تحت الأنقاض، ملابسهم تحمل عبء الصيف كله.
تذكرت الشاب الذي لقيته عند عمود الكهرباء، وأعدت النظر إلى الآخر القابع في درج الحانة. ثم قلت للكتبي: وماذا بعد؟
صمتَ قليلاً، ثم استرسل: إنهم ينتظرون أن يُداهم الليل سماء المدينة، وتغرق دروبها في العتمة فيتسللوا إليها بحثاً عن الأبنية الخربة أو المهجورة، يستعيرون من الظلام بعض ستائره، ويطلبون الضيافة من عُمّار الأمكنة، ومن الكلاب السائبة بعض المؤانسة، عسى أن يناموا قليلاً.
التفتُ مرة أخرى، وأشرتُ بإِصْبعي: حتى تلك الطفلة؟
قال: إنها ملاك… اسمها ملاك، عُمرها ثلاث سنوات. أمها مجذوبة مشهورة، ألا تعرفها؟ وذاك المسن، اُنظر هناك، صار من القائمين الآن، إنه والدها.
حين وليتُ وجهي نحوه، كان يفترش رداءه، غير عابئ بالمارة ولا حتى بنفسه.
انصرفت حاني رأسي، ولسان حالي يدعو لهم: اللهم بلغهم أيام الدفء.

أحمد الوارث – المغرب

عن مصدر الخبر

المصدر

Editor

قد يعجبك أيضا

Ads Here