جديد العرب
الأربعاء 23 سبتمبر 2020

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

تغذيات RSS

الأخبار
ملفات وتقارير
التعليم عن بعد في زمن كورونا..
رؤية بيداغوجية تحليلية استشرافية
29-06-20 09:03
د. إدريس بحوت - المغرب: لا شك في أن التعليم الرقمي هو أحد أنماط التعليم المعتمدة منذ منتصف القرن الماضي في العديد من المؤسسات التربوية، والجامعية، في العديد من الدول التي كانت سباقة، ومواكبة للتطور التكنولوجي الذي فرض نفسه في العديد من المجالات الحياتية، حيث تفاعل (الإنسان) بشكل إيجابي، في عصر الثورة المعلوماتية، ولاسيما في القطاعات الحيوية للدولة، فساهم في تطوير (الرقمنة) La digitalisation في المجال الإداري والخدماتي (رقمنة الإدارة). والاقتصادي (رقمنة الاقتصاد). والصحي (رقمنة القطاع الصحي). والتواصلي (رقمنة الإعلام). والعلمي (رقمنة البحث العلمي وإنتاج شبكات البحث، والموسوعات العلمية)، وقد شكلت هذه السيرورة أرضية صلبة، وحافزاً مهماً للتعليم الرقمي (أو رقمنة المدرسة).
لذا، فالدعوة الملحة الآن للانحراط الفعلي والجاد (للمدرسة) في التأطير والمواكبة للمضامين الرقمية، والعمل على إتاحتها، وتيسير سبل استثمارها لروادها (وهم عموم المتعلمين، والطلبة، والباحثين في مختلف الشعب والمسالك) ليس بدعاً من الزمن، ولا دعوة شاذة خارجة عن (القاعدة الحضارية) التي تفرض نفسها بكل شجاعة في الوقت الراهن، مقارنة مع (وقت الرخاء)، السالف. كما أن الأمر ليس ترفاً كما قد يُتوهم! بل إن الأمر جد، ويعد مناسبة للتكفير عن أي تقصير، أو تغافل، أو تساهل، أو تماطل (للمدرسة) بخصوص الانخراط الواعي، والمواكبة الحضارية لما توصل إليه الذكاء الاصطناعي عبر المعمورة، وفي مختلف الأصعدة والمجالات. وإلا ظلت تابعة تركض من أجل المسك بزمام الحضارة، والتقدم، والتنمية الشاملة.. وأنى لها يومئذ ذلك!
وعليه، يمكن القول إن التعليم الرقمي أضحى خياراً إستراتيجياً لأي دولة تقدر بوعي ما للقطاع التربوي من أهمية بالغة في ازدهار البلد، وتطوره التنموي، وبديلاً لا يمكن الاستغناء عنه. ليس في الظروف الاستثنائية، كما هو الآن مع زمن كورونا، الوباء الذي اجتاح العالم منذ أواخر 2019، من ووهان، من أعماق القارة الآسيوية (الصين)، إلى تخوم العالم أجمع. وإنه لمن السخافة والتخلف أن ندعي أن الحاجة إلى التعليم الرقمي، أو التعليم عن بعد، مرتبطة بالظروف الاستثنائية فقط. وهذا ما لم يقل به متبصر، ولا يدعيه الحكيم. لأن الأمر، بكل بساطة، فوق انتظارات السذاجة التي تحصره في زمن الطوارئ، والظروف الاستثنائية، ذلك أن العوامل الداعية لانخراط (المدرسة) في التيار الكوني، لا ينحصر البتة في متغير واحد ووحيد، حتى يدور الأمر معه وجوداً وعدماً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنه لا يجب أن نكيل، وبسذاجة، كيلاً من اتهامات وأوصاف (للمدرسة) التي تمثل تجلياً من تجليات (المجتمع). فهي، شئنا أم أبينا، جزء من كيان هذا المجتمع الممتد الذي يتضافر في السيوسيو ثقافي، والسوسيو اقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، والتربوي..، ومن جهة ثالثة، فإن الإيمان بأثر المتغير الواحد، هو إقصاء لعدة عوامل ومتغيرات لها أثرها البالغ في السياسات التربوية عبر العالم، منها المتغير العقدي، والأديولوجي، والثقافي، والسوسيولوجي، والسيكو فيزيولوجي، والحضاري الكوني... وهي متغرات، كما يعرف الخبراء والمختصون في مجال تصميم وبناء المناهج الدراسية، معتبرة في (الهندسة المنهاجية)، ولها أثرها البالغ في تعديل المضامين المنهاجية، وتطويرها، وتكييفها، من أجل الحفاظ على معايير عدة، منها معيار الملاءمة، وتلبية الحاجة المجتمعية، والنفسية للمتعلمين.
وعلاوة على ما ذكر، فإن الاعتقاد الراسخ، والسليم، الذي يجب التنبيه إليه، هو أن المدرسة تمثل وحدة ضمن النسق الجمعي والمجتمعي الذي يمثل المنظومة في كليتها وشمولها. إذ إن المدرسة تعد تنظيماً اجتماعياً بامتياز من بين سائر التنظيمات الاجتماعية والثقافية والأسرية والإعلامية والسياسية التي تسهم سوياً في (التنشئة الاجتماعية). ولولا هذا التكامل النسقي، لتعطلت (الرسالة التعليمية) في هذا الظرف الاستثنائي الذي يعيشه العالم بسبب تداعيات جائحة كورونا 2020.
والواقع دليل قاطع شاهد على هذا الدور التكاملي لتلك التنظيمات الاجتماعية: فالحكومات، باعتبارها تمثيلات سياسية عن شعوبها، بادرت بسن ما يكفي من التدابير الاحترازية والوقائية لمواجهة الوباء العالمي الذي (أفقد) (المدرسة) وبشكل مؤقت، وظيفتها، وظيفة التعليم والتربية الحضورية، حيث أصبحت (عاجزة) عن الاحتضان المكاني/ الحضوري لأبنائها وروادها من الطلاب والباحثين، كما أن الإعلام، وبكل أطيافه، نصَّب نفسه للذود عن حياض (المدرسة)، ورشح نفسه للقيام بمهمة (الرقمنة) ونقل مضامينها منفكة عن (الإطار المكاني) إلى كل المدن والقرى، (إلا ما استثني بسبب إكراهات تقنية أو مادية) من أجل الإسهام في الاستمرارية البيداغوجية، تلبية للحاجات التربوية، وتأميناً للزمن البيداغوجي حتى لا يذهب سدى، وتضيع بسببه جهود مشكورة، ومساع محمودة، يبذلها القائمون على الشأن التربوي، حكومة، ووزارة، وإدارة، وأطراً تربوية شمرت عن ساعد البذل والعطاء من داخل وخارج المؤسسة التربوية. إضافة إلى ما بذلته وتبذله مؤسسة الأسرة التي أضحت الحاضن الرسمي، والقائم على زمام المسؤولية لتنفيذ وبلورة سائر تلكم الجهود المتضافرة لتحقيق الغاية القصوى المنشودة من كل هذا التجييش، ألا وهي: ضمان التمدرس، والاستمرارية البيداغوجية.
وغير خاف، أن المدرسة، إلى جانب باقي التنظيمات الاجتماعية الأخرى، تضطلع بأدوار طلائعية بالنسبة للمجتمع، وأنيطت بها وظائف متعددة ومحسوم أمرها. إذ المفروض فيها أن تقوم بوظائف مهمة، منها على سبيل المثال:
- التأطير البيداغوجي، والبحث العلمي.
- التربية والتعليم والتكوين.
- ترسيخ قيم الهوية الوطنية.
- ترسيخ قيم العقيدة السمحة.
-التربية على المواطنة، وترسيخ قيم السلوك المدني، وقيم الجمال.
- نبذ العنف بكل أشكاله، وعلى رأسه الجسدي، والرمزي.
- احترام قيم حقوق الإنسان.
- التنشئة الاجتماعية السوية.
- بناء المهارات المعرفية والعقلية والوجدانية والسلوكية.
- بناء ملامح الخريجين التي تتجلى في تطوير كفايات التعلم، وعلى رأسها كفاية المعرفة: (Le savoir)، وكفاية الحال/ الكينونة: (Le savoir être)، وكفاية: (التصرف: Le savoir faire )، بهدف مواجهة الوضعيات الحياتية، اجتماعية، أو أسرية، أو مهنية؛ إذ المفروض في المدرسة، أن تعد الأجيال للمستقبل بكل متطلباته، وتحدياته. ولا شك في أن هذه الآفاق المستقبلية هي ما أتاح لدول العالم اليوم أن تتكئ، وبكل فخر واعتزاز، على قطاع الصحة، وعلى ما بنت من سواعد الأطقم الطبية وشبه الطبية، وعلى باقي الموارد البشرية (الإنسان) التي خرجتها المدرسة، لإنقاذ الأرواح البشرية من فتك الوباء الذي يقض مضجعها، ولسن الحكامة الجيدة وتدبير سياسة الدولة، ضماناً للحقوق الأساسية، والعدالة الاجتماعية.
ووعياً بمحورية التعليم الرقمي وأهميته التي تتجلى في الأدوار والوظائف الاتية:
- تيسير العملية التعليمية التعلمية.
- إتاحة التواصل عن بعد لكل الشرائح الاجتماعية.
- تحقيق التفاعل والتغذية الراجعة.
- تجاوز البعد المكاني، والاتكاز على بعد الزمن.
- توفير موارد رقمية في أشكال وتطبيقات تلائم جميع الطلاب والمتمدرسين، بما فيهم الآباء، والمؤسسات التربوية التي تشرف على عملية التنسيق، والجمع، والتقريب لهذه الموارد الرقمية.
- تنويع مصادر التعليم والتدريس، والخروج عن الرتابة والنمطية المعتادة.
- إثارة الفضول والدافعية نحو التعلم، بفضل المؤثرات الصوتية، واللونية..
- التحرر من التقيد المكاني والزماني، لأن المضامين الرقمية مخزنة أو مسجلة يسهل استدعاؤها، وتحميلها، والرجوع إليها حسب حاجة المتعلم، ورغبته، وفي مرات متكررة، أو متقطعة.
- الجمع بين الصوت والصورة والمضمون في نفس الآن، وهي عوامل مهمة في إثارة الفضول والرفع من حافزية التعلم، تبعاً للدراسات العلمية التي أنجزت في علم التواصل، وسيكولوجية المدرسة.
- مراعاة الفروق الفردية المقررة عند علماء النفس، النفسية، والتواصلية، والمعرفية.
وحرصاً على توفير الحد الأدنى من هذه الثمرات التي تجتنى من الموارد الرقمية، ومساهمة منا في تعزيز المبادرات التشريعية والقانونية، والبيداغوجية، والتربوية، التي أقرتها الدولة المغربية، على غرار باقي دول العالم، بدءاً من يوم 16 مارس 2020، حيث تم الإعلان فيه عن تعليق الدراسة حضورياً بكل المؤسسات التعليمية، تطويقاً لجائحة كورونا، ولاسيما في شقها التربوي ذي الصلة المباشرة بموضوعنا، فإننا نقترح بعضاً مما بدا لنا من توجيهات بيداغوجية، واقتراحات ديداكتيكية، تدبيراً للمرحلة الراهنة، وقصد الاستثمار الأمثل للتعليم الرقمي، أو ما عرف بالتعليم عن بعد. وذلك من موقع تخصصنا، وفي انسجام وتناغم مع الظرفية الراهنة، وتفاعلاً مع مجموعة من الملاحظات، والإكراهات التقنية، والديداكتيكية التي أرهقت القائمين على الشأن التربوي، وخصوصاً هيئة التدريس، الفئة المجندة على ثغر البناء والتنمية الإنسانية، راجياً أن تلامس هذه المقترحات جانباً من همومهم اليومية التي تعترض سبيلهم القويم، وعملهم الكريم.
وقد ارتأيت أن أقدمها مركزة، حتى تفي بالغرض، وفقاً للآتي:
- اختزال المضمون الرقمي (المحاضرة أو الدرس) المزمع تقديمه عن بعد في حدود النصف.
- التخطيط الجيد للمضمون الرقمي، ونرى أن يتضمن مؤشرات أهمها: تحديد الهدف المنشود أو الأهداف، شرط أن تكون مرنة، وغير متشعبة.
- مراعاة الفئة المستهدفة: غالباً ما تكون متفاوتة من حيث التقبل، والدافعية، والفهم، والاستيعاب، والتواصل.
- تنويع طرق وأساليب التدريس: بما أن الحوار والتفاعل غير متاح في كل الوسائط الرقمية المعتمدة في التعليم عن بعد، فإنه من الأفضل العناية بأمرين هما: السؤال الديداكتيكي الموجه، والمثال الديداكتيكي المقرب للمفهوم، والمعين على الإدراك الكلي للقضية.
- تحديد مكامن الصعوبة، والمفاهيم، والقضايا المستعصية التي تلتبس ويغمض فهمها على الطلبة والمتعلمين، بشكل مسبق، ثم التركيز عليها أثناء الإنجاز، مع تفادي الخوض فيما هو قريب يسهل فهمه. وتجربة الأستاذ(ة) البيداغوجية والديداكتيكية لا تخونه أبداً في التمييز بين الأمرين.
- تحديد الغلاف الزمني (برمجة النشاط/ الدرس/ المحاضرة) في النصف المخصص له كلياً من الحصة في حالة التدريس الصفي الحضوري.
- اعتماد تقنية التركيز والتلخيص في أقل من شريحتين أو ثلاث شرائح على الأكثر.
- لتيسير عملية التركيز والاختصار يمكن اعتماد: الجداول، والترسيمات، والخرائط المفاهيمية.
- العناية بالسؤال الديداكتيكي، وضبطه، من حيث الصياغة، والتنوع، والجدوى.
- اعتماد بعض البرامج والتطبيقات الرقمية التي تيسر تقديم الدرس في صور شبكة متفرعة. وهي متاحة على النت وبشكل مجاني، كما أن استعمالها في المتناول.
- في حالات التسجيلات المرئية عبر قناة اليوتيوب مثلاً، نقترح الاكتفاء ببرمجة كل مرحلة من الدرس، أو كل نشاط في حدود دقائق مركزة لا تتجاوز 10 دقائق، لكل مرحلة أو مقطع (علماً أن هناك مقاطع تعليمية تنجز في أقل من 10 دقائق).
- اختزال أو تجاوز بعض المراحل النمطية التي تثري الدرس، ويكون حذفها أو تجاوزها لا يخل ببناء الدرس (وهذا أمر يكيف حسب كل مادة دراسية)، وللأستاذ(ة) الكفاءة المهنية والبيداغوجية التي تفي بذلك.
- يمكن إنجاز الدرس على شكل مقاطع، بحيث يخصص فيديو تعليمي خاص لكل مقطع أو مرحلة، حتى يسهل رفعه وتحميله وقراءته بكل يسر، ولاسيما أن مشكلة ضعف الإنترنت وتقطعه من المشاكل التقني- بيداغوجية التي تعيق عملهم.
- التحكم الديداكتيكي في إدارة الزمن المخصص للتعليم الرقمي/ عن بعد. ويمكن الاستعانة على ذلك بإعداد أسئلة دقيقة كما أشرنا، ثم عرض المضمون الرقمي مركزاً في شكل خلاصة، أو جدول، أو رسم توضيحي، أو خريطة مفاهيمية، دون الإخلال بجوهر المضمون.
وختاماً، فإننا لا نزعم أن هذه المقترحات هي العصا السحرية لاستئصال الداء، والتجاوز الكلي للإكراهات التي تعترض سبل التطبيق الرقمي للمضامين البيداغوجية، ولكنها في نظرنا إضاءات مركزة مستوحاة من صميم الواقع التربوي، ومؤطرة بخلفية علمية وبيداغوجية، نحسبها ستساهم، لا شك، بالقدر الممكن في تيسير المأمورية، وتذليل البعض من تحديات المرحلة الراهنة.
دون أن نغفل أن أمر التعليم الرقمي، أو التعليم عن بعد، هو خيار إستراتيجي أصبح يفرض نفسه وبإلحاح من أي وقت مضى. فالمدرسة عموماً، والمدرسة المغربية على وجه الخصوص مدعوة لإعادة النظر في تدبير أمر التكنولوجيا التربوية، وإعادة ترتيب أولوياتها للتنزيل الأرشد للرقمنة وإنتاج المضامين الرقمية، ليس فقط في زمن الاستنثناء، والطوارئ، بل نرجو أن تحظى المبادرة نفسها، وبالجهود الحثيثة نفسها في زمن (الرخاء) أيضاً، على غرار ما بذل من جهود حسنة من قبل الوزارة الوصية في مجال إرساء (المنظومة المعلوماتية) في قطاع التربية والتكوين، ولاسيما في مجال تدبير الموارد البشرية، وتحديث الإدارة التربوي، لذلك فهي جهود لا ينبغي تبخيسها. ورجاؤنا أن يتم الاشتغال، وبشكل عملي، قريباً، وبعد زمن كورونا، وذلك بتركيز الجهود هذه المرة على أمرين، على الأقل، وهما في نظرنا في غاية الأهمية بمكان:
أولاً: إعداد مضامين رقمية بيداغوجية لكل الموارد، وفي كل الأسلاك التعليمية: التعليم الأولي، والابتدائي، والإعدادي، والثانوي، والجامعي، والتكوين المهني. وذلك في أفق سنة واحدة، خلال الموسم القادم: 2020-2021. مع التأكيد على الحرص التام على توفير بيئة تقنية، وبيداغوجية، مع تأطيرها منهجياً، وبيداغوجياً، وعلمياً، وديداكتيكياً من قبل الجهات والسلطات التربوية المختصة.
ثانياً: الجاهزية الرقمية لكل الفصول الدراسية ودون استثناء، حيث تعرض كل الأنشطة التعليمية التعلمية، وحيث ينتظر أن تسجل هذه الموارد الرقمية في ظروفها الصحية الملائمة، وتنقل حية من عمق الفصول الدراسية، لتوضع رهن إشارة الجهات المختصة من أجل استثمارها طيلة السنة الدراسية، وكلما دعت الحاجة إليها.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

 


خدمات المحتوى


تقييم
8.50/10 (3 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جديد العرب
للمراسلة arabsnew.com@gmail.com


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى