جديد العرب
الأربعاء 23 سبتمبر 2020

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

تغذيات RSS

29-06-20 08:49
سمية الألفي - مصر: كان يوسف يركن دوماً كلما اشتد به الشوق خلف سفينة على الشط.. يضع كرسيه الصغير ويجلس.. ينظر للبحر.. يعيد ترتيب أنفاسه مع نسمات الهواء العليل. كان الليل يزيد من روعة الماء كانت النجوم تسبح فيها.. تبدو أعمدة الإنارة وحركة الناس على الكورنيش كالسفن البعيدة في الماء.
أحس يوسف أنه بين عوالم من الدهشة، يقف في منتصفها، الليل هناك غير الليل هنا، ازدحام شديد.. يجلس الناس على جانبي الكورنيش في مقابلة بعضهم البعض.. يلهو أطفالهم أمامهم.. بائع الدراجات يلتف حوله الصغار والفتيات في عمر الزهور.. يستأجرون منه ربع الساعة ويهربون بعيداً عنه، فتراه بعد ساعة يركب دراجة يسير بطول الكورنيش يلحق بهم.. في العودة يتركهم يعودون مترجلين. بائع الذرة المشوية يقف بعربته يعلو منها الدخان.. يتقاطع مع بائع الأنتيكات الرفيعة، وغزل البنات.. يجر بائع الآيس كريم عربته الخشبية ذهاباً وإياباً.. يتجمع المارة حول الحاوي ذي الملابس المتسخة.. تتدلى من رقبته طبلة صغيرة، وولده ذو الخمس سنوات بملابسه الرثة يحمل جرواً أبيض، شعره أشعث، ويبدأ في التطبيل ويقوم بحركات بهلوانية.. يفتح حقيبته ويخرج منها سيخاً يشعل أوله ويضعه في فمه، وسط صرخات الأطفال ودهشتهم، ينهي المشهد ويأتي بالجرو يضعه في المنتصف.. يطلب منه أن يقف على قدم واحدة، فيمتثل لطلبه الجرو.. يطلب منه الرقص بعد أن يقوم بالتطبيل له.. ينتهي المشهد بالطفل الصغير يمسك قبعة يجري بها بين الناس هنا وهناك.. يلقي الناس بها ما يشاؤون من نقود.
ازدحام لا يعشقه يوسف.. يمر بين هؤلاء عابراً مسافات إلى الشط، يعود بذاكرته لأيام كان يعمل بالصيد.. يستيقظ قبل الفجر.. يتجمع مع أصدقائه أمام البحر حتى يرمي الشباك من المركب في عمق البحر، ويوسف ورفاقه يقفون في وسط الماء، لا يظهر منهم سوى الجزء الأعلى.. حول وسطهم حبل دائري، يجرون به الشباك للخارج.. برودة الجو لا تمنعهم من نزول الماء.
على الشط تقف العربات الخشبية يجرها حمار، وتجار الأسماك، وبعض العابرين يلتقطون ما بقي من أسماك على الشط. تنهد يوسف بقوة.. نظر جانبه.. كأن شيئاً يتحرك على الرمال.
العتمة تحول بين رؤيته لما يحدث.. عاد ببصره نحو الشط.. سرح مجدداً.. عاد للماضي. كانت الكراسي بلا مظلات يجلس عليها العشاق.. وفجأة، وكثيراً ما تحدث المفاجآت في العتمة، شعر يوسف بأن الكرسي يهتز بشدة، ساوره الظن أن الرياح هي من تفعل، ثم انتبه أنه في فصل الصيف.
ما الذي يحدث؟ سأل يوسف نفسه.. راح يتمعن في النظر، الكرسي يهتز بقوة، كاد يشعر أن ثمة جن يلهو به، حاول أن يصرف نظره عما يحدث، حول وجهه في الناحية الأخرى، حدق جيداً، رأى شاباً ينهض من بؤرة الرمال التي كانت تتحرك.
مسكين جعل الرمال تحتفظ بسر من أسرار الشباب! هكذا قال يوسف.
بابتسامة خفيفة أدار وجهه جهة البحر، اتسعت عيناه، الكرسي توقف عن الحركة!
أغمض عينيه للحظة.. راح يستمتع بنسمات البحر.. فتحهما.. رأى شاباً وفتاة يأتيان من ناحية الكرسي.. ابتسم لكن هذه الابتسامة كانت بصرخة: آه يا بحر لو تدري.

 


خدمات المحتوى


تقييم
8.50/10 (3 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جديد العرب
للمراسلة arabsnew.com@gmail.com


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى