جديد العرب
الأربعاء 23 سبتمبر 2020

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

تغذيات RSS

29-06-20 08:40
سمير الفيل - مصر: في المسافة الواقعة بين مطبخ المستشفى في ميدان باب الحرس، وبين عنابر الحميات بالدور الأرضي، توجد حديقة أشجارها عالية، للشجر ذؤبات تقف عليها أسراب من الحدآت.
العاملة تتحرك بصينية كبيرة من الألومنيوم، عليها أطباق متراصة بطريقة تجعلها تتسع للعشرات من أرز وخضر وخبز طري وقطع لحم. فوق الصينية مفرش من المشمع الخفيف.
ببطء تتجه إلى بوابة العنبر، وكلما مرت بجوار شجرة لمحت طائراً يقترب حتى إذا بلغت المساحة المكشوفة، بلا شجر انقض طائر، وخطف قطعة لحم بمنقاره المدبب المقوس.
بعده تشجعت الحدآت بعد أن هبت الرياح الشتوية فأطارت الغطاء وإن أمسكت بطرف منه. ظل الهبش مستمراً والنتش متوالياً، والعاملة خائفة على رأسها، من النقر، مرعوبة من أن ينقض طائر، فيخرم العينين.
رأى الطبيب النوبتجي المنظر، فذكره ذلك بفيلم « الطيور» للفريد هتشكوك. لم يكن باليد حيلة غير الجري بأقصى سرعة والإمساك هو وعدد من الممرضات بالمقشات التي تستخدم عادة في كنس الغرف، والتلويح بها حتى لا تنقض طيور أخرى جائعة.
وراء النافذة كان طفل يشاهد اللوحة الدامية باندهاش، وقد كانت أمه شاردة وما زال غناؤها يخطفه ليكون في حضن النوم.
لم يخبر الطفل أمه بما رآه، لكنه بكى في سره لأنه لن يضع في فمه لحماً نهشته الطيور الجارحة.
دخلت الممرضة الحجرة وسارت بمحاذاة الأسرة، ساعدتها أخرى، اكتشف أهل المرضى أن الاطباق بلا لحم تقريباً ماعدا بعض نسائر، وخضار البطاطس كان مهروساً.
جلس الطفل مشوش الرأس وكانت الحمى تمسك بجسده، جاءت رئيسة الممرضات، وضعت الترمومتر تحت لسانه، بعد أن نطرت بيدها عامود الزئبق. بعد دقائق رفعته لمستوى النظر، سجلت في ورقة مربوطة بخيط الرقم.
سألت الأم بعينين كليلتين: كم درجة الحرارة؟
39 وشرطتان. كثير. أفضل من أمس. ربنا يرفع عنه. تفضلي طبقه: الأرز والخضر، ورغيفان من العيش. واللحم؟ خلو دور. لم يخبرها الطفل أنه رأى هجوم الحدادي الشرسة. ظل محتفظاً بالسر. ولما جاء والد طفل آخر في نفس الحجرة، يعاني نفس المرض حمل معه كرة صغيرة من المطاط، سوداء اللون منحولة الشعر.
كان يود أن يقدمها لطفله كي يسعد. رآها الطفل ومد يده يطلبها عيب. حاجة ليست لك. ألعب حبة.
عن طيب خاطر مد الرجل الذي كان يلبس الزي الكاكي، كرة المطاط، فأمسك الطفل بها، صوبها باتجاه الجدار فارتدت نحوه. ثم صوبها بقوة نحو الأرض فقفزت لأعلى. ضحك الطفل. تهلل وجهه وكف عن السعال. انفك كرب الأم التي مات زوجها في العام 1952.
هذا الطفل هو أنا، والعام 1955. بعد أن أشفى، ستحضر أمي عربة حنطور وستجعلني أركبه لأول مرة. يقف أمام بيتنا في سوق الحسبة. سيطل وجه أختي، وسيكون جدي في انتظارنا. سيحملني ويربت على كتفي. يقبل رأسي ويتركني أضع يدي في جيب المعطف وأخرج منه قرشين معدنيين.
ربما كانت هذه هي القبلة الأخيرة قبل أن يوارى التراب في جنازة رهيبة مشى فيها كل سكان المدينة لأن هذا الجد كان عطوفاً، رحيماً، محسناً.
تقول عمتي فاطمة إنه مات حسرة على ابنه الشاب الذي هو أبي، الأسطى مصطفى، عامل الأحذية الفقير.

 


خدمات المحتوى


تقييم
3.00/10 (2 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

جديد العرب
للمراسلة arabsnew.com@gmail.com


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى