صحيفة جديد العرب الدولية
الثلاثاء 23 يوليو 2019

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
ملفات وتقارير
رحلة داخل مركز الرقابة السري لمحتوى فيسبوك
Facebook
06-07-19 04:37
طارق راشد - الإمارات: مساحة رحبة واسعة ساطعة الأضواء، يعمل فيها 80 شخصاً، يجلسون أمام مكاتب جديدة كلياً. وما برح اللون الرمادي للبساط زاهياً، والجدران ناصعة البياض لا طابع شخصي يميزها، اللهم إلا ملصق ضخم شكله معروف في شتى أنحاء العالم، يوحي للناظر بما يحدث بالضبط في هذه الغرفة: إنه الإبهام الأزرق الضخم المميز لكلمة (إعجاب) لشركة فيسبوك.
في هذا البرج اللامع في مدينة برشلونة، ينتشر 800 شخص على نطاق ست مساحات مفتوحة في عدة طوابق يعملون لصالح الشبكة الاجتماعية، أو إذا شئنا الدقة، لصالح مركز الاتصالات عالية الكفاءة (CCC) الذي ينوب عن شركة فيسبوك، كما تنوب عنها شركات أخرى، في مهمة الرقابة على محتوى المستخدمين.
ومهمة المركز تنحصر في تنقية المنصة من المنشورات المحظورة بموجب قوانين شركة فيسبوك، بما في ذلك المواد الإباحية والمحتوى المشجع على الكراهية والدعاية الإرهابية. وبواسطة البرمجيات التي يستخدمها الرقباء، يتلقون المحتوى الذي يُبَلِّغ عنه المستخدمون، وكذا المحتوى الذي يميزه نظام الذكاء الاصطناعي. ولكل جزء من المحتوى، يرفع الرقباء الأمر إلى المدير/قانونهم المعمول به (المعايير المجتمعية) لفيسبوك، ألا وهي القواعد المحددة للشبكة الاجتماعية التي تشرح مثلاً أن بوسعك إظهار مؤخرتك (طالما أن الصورة مُلتقطة من زاوية واسعة)، ولكن يحظر عليك إظهار حلمة الثدي، اللهم إلا في حالة الأعمال الفنية أو حملات مكافحة سرطان الثدي.
ولا يتسنى لنا رؤية هذه البرمجيات، كما لن نرى هؤلاء الرقباء وهم يؤدون عملهم. عندما وصلنا إلى المساحة المفتوحة، إذا بنا نسمع ضجيجاً مرحاً يملأ الغرفة. إنه صوت الموظفين الجالسين في مكاتبهم وهم يتجاذبون أطراف الحديث، لكن أيديهم بعيدة عن لوحات مفاتيحهم. وعلى شاشاتهم البالغ عددها 80 شاشة، تتجلى الصورة الثابتة نفسها للصفحة الرئيسة للمعايير المجتمعية بألوانها الزاهية.
يجري العمل كله وفقاً لنص محدد: في وجود صحافي، يجب أن يتوقف العمل كله بالكامل. وبالنسبة لشركة فيسبوك، يستحيل بالكلية أن تقع أعيننا على شاشة واحدة تعمل. تقول شركة فيسبوك التي نظمت الزيارة: (في ذلك احترام لخصوصية المستخدم، طالما أننا لا نرى أسماء الأشخاص الذين نشروا المحتوى).
يقول مورجان توال، من صحيفة لوموند الفرنسية، خلال الزيارة العابرة التي لم تتجاوز دقائق معدودة في المساحة المفتوحة، رافقنا حوالي أربعة أشخاص. ولم يُصَرَّح لنا بالتقاط الصور أيضاً. وبدلاً من ذلك، قدمت لنا شركة فيسبوك صورها الخاصة للمكان. بقينا على مقربة من الجدران طوال الوقت، على بُعد أمتار من الرقباء الذين لم يُسمح لنا بتبادل أطراف الحديث معهم حالياً. سنتحدث إليهم لفترة مدتها 15 دقيقة، حيث سنلتقي بخمسة موظفين مختارين تحت إشراف رئيسهم ومندوبٍ من شركة فيسبوك.
ويضيف مورجان: لا نملك حق الانتقاء. طوال ثلاث سنوات، ظللنا نطلب من الشبكة الاجتماعية الأكبر في العالم (البالغ عدد مستخدميها النشطين أكثر من ملياريْ مستخدم) أن تسمح لنا بالولوج إلى واحدٍ من مراكز إدارتها للمحتوى، وهو الحق الذي لم تمنحه الشركة لأي صحافي قط تقريباً. في نوفمبر 2018، وافقت الشركة أخيراً على أن تفتح أبوابها، ولو على استحياء، وتعطي 12 صحافياً أوروبياً فرصة الولوج إلى مركزها في مدينة برشلونة.
وتبدو هذه خطوة كبيرة جداً إلى الأمام لشركة فيسبوك. حتى فترة قريبة، حامت أعلى درجات السرية حول ممارسات الشركة الرقابية، سواء كانت القواعد ذاتها المربكة والموجزة باقتضاب وحسب على موقعها، أو عمل فرقها الرقابية التي لا نعرف عنها شيئاً. بالنسبة للشركة الأمريكية، هذه مسألة غاية في الحساسية، مما أدى إلى اندلاع فضائح واتهامات بالرقابة والتسيب والتراخي.
لقد كانت الهجمات الإرهابية التي ضربت أوروبا عام 2015 نقطة تحول. فقد سلط استخدام تنظيم (داعش) لموقع فيسبوك لنشر مواده الدعائية وتجنيد كوادر جديدة الضوء على أوجه قصور جسيمة. وبدأت أصوات الدول حينئذ تعلو وتهدد وتتوعد، بل حتى تُشرِّع كما في حالة ألمانيا. فمنذ يناير/كانون الثاني 2018، تواجه المنصات الاجتماعية في ألمانيا غرامة قدرها 50 مليون يورو في حالة بقاء أي محتوى مخالف للقانون عليها لمدة تتجاوز 24 ساعة.
ولمَّا واجهت شركة فيسبوك هذا الموقف الطارئ، شمّرت عن سواعدها. بعدها بثلاث سنوات، أثمرت جهود الشركة أخيراً. فقد أمست الدعاية الإرهابية على الموقع نادرة، ولو أن هناك مشكلات خطيرة أخرى ظهرت، كالمعلومات المغلوطة. على سبيل المثال، اتهمت منظمة الأمم المتحدة شركة فيسبوك بالسماح بتفشي خطاب الكراهية في ميانمار ضد أقلية الروهينغا المسلمة، مما أدى إلى وقوع أعمال عنف وانتشار الكراهية بين الناس.
(إننا نحاول بمنتهى الصدق والإخلاص حقاً؛ أن نكفل للناس الحماية)
واستجابةً للشكاوى المُقدمة للشركة، قررت فيسبوك أن تقدم المزيد من المعلومات حول عمليتها الرقابية. في العام الماضي، أي بعد 13 عاماً من تأسيس الشركة، كشفت فيسبوك أخيراً عن رقمٍ واحد، حيث تكونت فرقها الرقابية من 4500 شخص على مستوى العالم. واليوم، تغير هذا العدد. تزعم شركة فيسبوك أن 30 ألف شخص يعملون في هذا القطاع وحده، وأن نصفهم جنود مجندون للرقابة، يتحملون مسؤولية فحص وتدقيق مليوني منشور يومياً.
يقول ديفيد جيراغتي David Geraghty الذي يقود فِرَق الرقابة الخاصة بشركة فيسبوك: (الأمر ينطوي على السرية، لكننا بدأنا الانفتاح بحق؛ لأننا نحاول بمنتهى الإخلاص أن نكفل للناس الحماية). في مركز الاتصالات عالية الكفاءة في برشلونة، يذكر جيراغتي كمثال على انفتاحه الجديد المنشور الإلكتروني لقواعد الرقابة الداخلية المفصلة تفصيلاً شديداً للشركة، وكذلك (تقرير شفافية) جديد حول المحتوى المحذوف مُتاح منذ مايو/أيار.
لِمَ استغرق الأمر الشركة هذا الزمن الطويل؟ يقول جيراغتي مُفسراً: (إننا أكثر ارتياحاً لأرقامنا التي تعتبر أدق بكثير اليوم عما كانت في السابق). لكن الشفافية لها قيودها. كم عدد المراكز الأخرى المثيلة لذاك المركز؟ ترفض الشركة التصريح لنا. وأين تقع بالضبط؟ مرة أخرى، لا جواب! وعندما تسأل أولف هيربريشتر Ulf Herbrechter، وهو أحد مديري مركز الاتصالات، عن عدد الفرنسيين العاملين في مركز برشلونة، يتردد في الجواب، ثم يطلب من جيراغتي حق الإجابة، فلا يمنحه إياه.
(إننا نحتفظ لأنفسنا ببعض الأمور سراً، كمواقع المراكز مثلاً، لأسباب أمنية. فقد استهدف حادث إطلاق النار على موقع يوتيوب (في كاليفورنيا، أبريل/نيسان الماضي) مديري محتوى. ولذلك لا نفصح عن أسمائهم).
افتتح المركز الذي نحن بصدد زيارته أبوابه في مايو/أيار، وتحديداً في أحد أحياء الأعمال في العاصمة برشلونة. وهناك يعكف موظفون من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وهولندا والدول الإسكندنافية على فحص المحتوى الوارد من دولهم. يقول هيربريشتر: (بالنسبة للسوق الفرنسية، نحرص دائماً على توظيف فرنسيي الجنسية لا ناطقين بالفرنسية وحسب. فمن المهم أن يكونوا على دراية بالثقافة الفرنسية، وأن يستوعبوا السياق السياسي مثلاً).
لدى شركة CCC المتخصصة أساساً في مراكز الاتصالات الآن 22 مكتباً في أوروبا، واثنان منها مخصصان حصراً للرقابة على محتوى فيسبوك. يقول هيربريشتر: (يحصل الرقيب الواحد على حوالي 25 ألف يورو سنوياً)، على الأقل، هذا هو الراتب الذي يحصل عليه الفرنسيون. ويضيف هيربريشتر قائلاً: (وتتفاوت الأجور باختلاف الجنسيات)، حيث إن هذه المسألة تخضع للعرض والطلب.
كيف يمضي الرقيب يومه عادةً؟ قبل أن يدلف إلى المساحة المفتوحة، يجب عليه أولاً أن يترك معطفه وحقيبته وهاتفه الذكي في غرفة المعاطف (احتراماً لخصوصية المستخدمين)، وفقاً لشركة فيسبوك، وكذلك للحيلولة دون خروج أي مستند من المركز. وما أن يجلس إلى محطة عمله، يبدأ سيل المنشورات المهول ينهال عليه. كم عدد المنشورات التي يمارسون عليها رقابتهم يومياً؟ يجيب هيربريشتر قائلاً: (الأمر نسبي). هل لديهم أهداف كَميَّة؟ (ثمة شائعة مفادها أن لديهم ثواني معدودة فقط للوصول إلى قرار حاسم. لكنّ هذا ليس ما يحدث هنا. فالقرار المتعلق بصورة ما يمكن أن يكون فورياً، أما إذا تعين عليك قراءة منشور طويل، فالأمر يستغرق وقتاً).
هل هذا يعني إذاً أن عقد فيسبوك مع شركة CCC لا يشتمل على أي أهداف فيما يختص بحجم المحتوى الجاري معالجته؟ يقول جيراغتي نائباً عن فيسبوك: (تعتمد عقودنا على الجودة لا الأرقام. وأولويتنا القصوى تنحصر في اتخاذ القرار السليم).
ويُجمع الرقباء على الأمور عينها. فإذ اجتمعوا في حضرة رئيسهم في العمل في (غرفة الاستراحة) ذات الأثاث الزاهي الألوان والسِلال الحافلة بألوان الفاكهة، قال خمستهم إنهم فخورون بعملهم. وأضاف أحدهم قائلاً: (تنبع فائدتنا من حمايتنا للناس، فمهمتنا التطهير). ولم يُسمح لنا بمعرفة أسمائهم. لقد وَقَّعُوا جميعاً على اتفاقية سرية وخصوصية فور تعيينهم تحظر عليهم مخاطبة الصحافيين.
كيف يتعاملون مع مواجهتهم اليومية لهذا المحتوى الصعب أحياناً؟ يقول أحدهم: (إننا نُنْذر من البداية، وبصفة عامة، لدينا القدرة على أن نعزل أنفسنا كي لا يؤثر فينا المحتوى). وتضيف زميلة له قائلة: (ثمة تصور خاطئ غالباً عما نقوم به من عمل، قد يُخيل إليك أنك ستشاهد مقاطع فيديو لجرائم اغتصاب طوال اليوم، لكن هذا ليس صحيحاً). فالمحتوى الداعي إلى بث الكراهية مثلاً أكثر انتشاراً في السوق الفرنسية. ويحذر آخر قائلاً: (لكننا نعلم أن بعض الدول تشهد أحداثاً أكثر عنفاً). على سبيل المثال، تعرض الرقباء الناطقون بالعربية إلى مقاطع فيديو لضرب الأعناق أكثر بكثير من غيرهم.
(لكنّ هذا العمل ليس مرهقاً كما قد يخيل إليك).
ويعمل خمسة أطباء نفسيون بدوام كامل في المركز لدعم الموظفين، وفي شتى أرجاء البناية ثمة ملصقات تشجع الرقباء على زيارة هؤلاء الأطباء إذا شعروا (بالضغوط أو الاضطرابات النفسية). تقول ناتاليا، واحدة من الأطباء النفسيين في المركز: (من الممكن أن يزورني الموظف إثر مشاهدته لمحتوى صادم. وعندما يحدث ذلك، غالباً ما يكون سبب الصدمة أن ذاك المحتوى استدعى عنده تجربةً ما خاضها في الماضي. لكن هذا العمل ليس مرهقاً كما قد يخيل إليك، فهم لا يتعرضون كثيراً لأشياء مؤلمة بالنسبة لهم).
لكن الجميع لا يوافقونها الرأي، ففي سبتمبر الماضي، تقدمت رقيبة سابقة من رقباء موقع فيسبوك في كاليفورنيا بشكوى ضد الشركة، زاعمةً معاناتها من متلازمة أعراض نفسية لاحقة للإصابة نتيجة تعرضها لـ(محتوى بشع جداً)، بحسب تصريحات محاميها.
ما النتيجة التي خلصنا بها من تلك الزيارة؟ هل تُمَثِّل هذه المكاتب الحديثة في برشلونة جميع مراكز الرقابة التابعة للشركة التي لا نعرف عنها شيئاً وتديرها جهات أخرى من الباطن؟ يُقْسِم جيراغتي بأن (أجل!). ويضيف قائلاً: (لدينا مركز آخر كهذا في الفلبين. وإذا قصدته، فسترى أنهم لا يعملون في طوابق سفلية مظلمة، كما وصفها البعض).
وفي كلامه إشارة إلى الوثائقي (المُطَهِّرون) (The Cleaners) الذي يتناول عمل الرقباء الفلبينيين الذي يعملون لصالح المنصات الكبرى للشبكة الاجتماعية، ولا يُجامل الوثائقي الشركات الرقمية العملاقة. وتعكس الشهادات النادرة التي استطاعت بعض وسائل الإعلام، بما في ذلك صحيفة (لوموند) الفرنسية، الحصول عليها من رقباء سابقين واقعاً أصعب وأكثر مشقةً مما صوره لنا مركز برشلونة، بما في ذلك أهداف عمل محددة، وزمن محدد بالثانية، وأضرار نفسية تقع على الذين يتعرضون للمحتوى الأبشع على الإطلاق. لكن هذه التجارب غالباً ما ترجع إلى سنوات ماضية. واليوم، تبدو الرسالة التي تعقد شركة فيسبوك الآمال على بثها واضحة: الزمن تغير.

 


خدمات المحتوى


تقييم
7.69/10 (5 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
جديد العرب arabsnew.com@gmail.com


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى