صحيفة جديد العرب الدولية
الثلاثاء 23 يوليو 2019

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
ملفات وتقارير
هوس الألوان المقدس والمدنس
06-07-19 04:29
خالد طحطح - المغرب: كانت الألوان في آداب العصور الوسطى مُثقلة بالمعاني والحمولات الدينية والثقافية، وهو الأمر الذي أدى إلى بزوغ تيارات معاصرة تدعو إلى ضرورة إعادة تفسير الألوان وتحليل مدلولاتها. فاللونان الأزرق والأسود اعتبرا مقدسين، واستخدما في محاربة الشيطان، ولذلك نجد هيمنة هذين اللونين على الخلفيات الجدارية واللوحات والرسوم الفنية خلال العصر الوسيط. كما كان اللباسان الأزرق والأسود مُعتمدين رسمياً من طرف الحواريين والقديسين خلال هذه الفترة. أما اللون البرتقالي الذي تظهر فيه مريم المجدلية فهو يرمز للمرأة الخاطئة في الماضي. في حين يرمز اللون الأصفر للشر المطلق، ولذلك يظهر اليهودي المستهزئ في لوحة المسيح أمام بيلاطس البنطي وقد ارتدى ثياباً ملونة يغلب عليها اللون الأصفر، وبقي هذا اللون المكروه مفروضاً على اليهود في أوروبا تمييزاً وتحقيراً لهم، وظل حكراً عليهم في كل اللوحات الفنية التي يتم فيها تمثيلهم، فالجلادون في لوحة جلد المسيح يظهرون بثياب صفراء، وفي لوحة إعدام يوحنا المعمدان يظهر الجلاد أيضاً وهو ببنطلون قصير مخطط بألوان صفراء، ويظهر يهودا (خائن المسيح) وهو يتدلى من حبل المشنقة ملتحفاً رداء أصفر.
أما اللون الأحمر فكان يرمز في غالب اللوحات للشيطان، ومنه عبارة الشياطين الحمر المُستخدمة اليوم، وعموماً كانت الألوان المُزركشة والصاخبة تثير الشكوك والفزع باعتبارها ألواناً مهلكة، ولذلك تم التشهير بها من قبل رئيس الطائفة البنديكتية، وهي الطائفة التي تخلو أديرتها من أي لون، ووحده اللون الرمادي من حظي بالثقة لدى زهاد الفرنسيسكان، باعتباره مختلفاً، فهو في نظرهم منزوع اللون، ولأنه يرمز -في نظرهم- لقهر الشهوات والرغبات الجسدية. وقد ظل التنديد من قبل رجال الدين بالطبيعة الخادعة للألوان سائداً إلى فترة العصور الحديثة، حيث ستتوارى تدريجياً هذه المرجعيات. وبتصاعد ولع الناس بالألوان ستختفي شيئاً فشيئاً المعتقدات السابقة، وستبرز إلى الواجهة استخدامات الألوان الممنوعة في مجالات شتى، فالأحمر غدا اللون المفضل للشفاه، وبرز اللون الأخضر في لوحات بدايات عصر النهضة للدلالة على التقلبات المالية في عالم التجارة، كما تم تمثيل تقلبات الحظ في ألعاب القمار بهذا اللون أيضاً أواسط القرن السادس عشر. أما حين ننتقل إلى ألوان بعض أعضاء الجسد فإن الدلالات تتغير، حيث يغدو اللون الذهبي لشعر النساء هو الأفضل، وبالنسبة للون العيون فالأزرق كان ممقوتاً، لأنه يُذكّر الأوروبيين بعيون البرابرة الغزاة، ولذلك تم الربط بينه وبين الإصابة بلوثة الجنون، أما النساء ذوات العيون الزرقاء فهن داعرات فاسقات، في حين اعتبرت العيون الخضراء رمزاً للنذالة والشر، أما اللونان الأشقر والأسمر فحازا المكانة الرفيعة، باعتبارهما لونين مثاليين.
ترى ما دلالات الألوان في المعتقدات الشعبية والدينية بأوروبا خلال العصر الوسيط؟ وهل الطريقة التي يتم بها إدراك الألوان ثابتة أم متغيرة في الزمن؟
تبدو حاسة الإدراك البصري في العديد من جوانبها غامضة محيرة، ليس لقلة ما نعرفه عنها من معلومات، بل لأن الكثيرين لا يعيرون لها الانتباه الكافي، بالرغم من أنها تأتي على رأس الحواس التي حظيت بالاهتمام. ومنذ العصور القديمة استرعى موضوع الألوان المرتبط بالإدراك البصري نقاشاً حاداً، واحتد الجدل بشأن ماهية الألوان، وتم التساؤل بشأن علاقتها بجوهر الأشياء، وإن تم في الغالب اعتبارها مجرد أقنعة تطمس حقيقة الوجود بسبب قدرتها على خداع الأبصار، ولذلك كثرت الصور السلبية المرتبطة بموضوع الألوان، وفي هذا السياق تناول المؤرخ الهولندي هيرمان بلاي ظاهرة الألوان في العصور الوسطى متتبعاً امتداداتها وتغيرات إدراكها مع مرور الزمن، وذلك في كتابه الألوان في العصور الوسطى.
كان الناس في العصور الوسطى مولعين بالألوان لدرجة الجنون، وإن نظر غالبيتهم إليها بارتياب وشك، فأي مُحاولة لتلوين الكلمات (الألوان البلاغية) اعتبرت عملاً شيطانياً محضاً، إذ الألوان -في نظرهم- لم تكن سوى أدوات شيطانية يستخدمها لإغواء البشر وتضليلهم وإبعادهم عن الحقائق الخالدة في الوجود، واعتبرت النساء أدوات رئيسة في اللعبة الشيطانية، فهن يعملن على طلاء وجوههن بالألوان بغرض السعي الزائف نحو الجمال، والأمر نفسه بالنسبة للصباغين الذين اعتبروا مجرد غشاشين ومزيفين للواقع؛ بسبب استخدامهم الصبغات الرديئة الملونة والبراقة لتجميل كل ما هو قديم وعتيق، واتهموا بسبب ذلك، مثلهم مثل اليهود، بالتحايل والتورط في الأعمال المحرمة من قبيل تسميم المياه والتواطؤ مع الشيطان ذاته. وتبدو الشياطين في اللوحات الجدارية والرسوم بألوان متعددة، وإن كان يغلب عليها عادة اللون الأحمر.
ومقابل هذه النظرة السلبية التي ربطت بين الألوان في العصور الوسطى وألاعيب الشيطان؛ انتشرت ظاهرة عبادة الألوان لدى من يعتبرونها منحة ربانية، فالكون ليس سوى نتاج للضوء الإلهي المقدس، وكل شيء يحدث على الأرض ما هو إلا جزء من الوحي الإلهي، ولذلك اعتبرت الألوان جزءاً لا يتجزأ من مخلوقات الرب المبدع. وعليه فمنظور العصر الوسيط للألوان لم يكن واحداً، بل تعدد حسب التوجهات الدينية، ولذلك اختلف الناس خلال هذه المرحلة حول ماهية الألوان ووظائفها، واشتهر برنارد كليرفو مؤسس المذهب البنديكيتي في القرن الثاني عشر بالموقف الأكثر تشدداً تجاه كل ما هو براق ولامع، إذ دعا إلى الزهد والفقر، وانتقد زينة الحياة الدنيا؛ رغبة منه في نيل رضا الله في الآخرة. وقد شن في هذا الإطار هجومات لاذعة على رجال الدين المسيحيين ممن سمحوا بتزيين الكنائس والأديرة بالتماثيل واللوحات الملونة، لأنها تثير الأجساد والرغبات الحسية، واعتبر أن (الألوان تُسبب العمى)، وغدت هذه العبارة شعاراً لمذهبه الديني خلال القرون اللاحقة، وقد استكملت العقيدة الكالفانية البروتستانتية المهمة من خلال شن رموزها حملة لنزع الألوان من الفضاء العام، حيث إن أنصار المصلح الديني كالفان كانوا يؤمنون بأن الخلاص من الألوان هو الطريق الأنسب لتحقيق الخلود الأبدي.
إن طريقة إدراك الناس للألوان ليست ثابتة ولا جامدة، بل تتغير التصورات بشأنها وتتطور مع مرور الوقت، فالألوان لها تاريخ، كما أنها كانت عرضة للتأويلات والتفسيرات المختلفة، فإدراك الناس لطبيعة الألوان اليوم يختلف تماماً عن الطريقة التي كانت تدرك بها بالأمس، لأن الاختلافات البدنية والنفسية والذهنية عوامل أساسية في تفسير المنظورات للأشياء، بل إن النظرة للألوان تختلف في العصر نفسه تبعاً لتعدد الأماكن وتغير المركز الاجتماعي واختلاف الانتماء الديني والطبقي والجنسي، مما يعني أن الألوان هي ظاهرة ثقافية في جوهرها وليست مسألة غريزية.
إن الهوس بالألوان في الماضي، وبالخصوص خلال العصر الوسيط؛ يتجلى في الهوس لتلوين كل شيء، وكان الناس يرتدون في الغالب الملابس الملونة من أجل التعبير عن انتمائهم الاجتماعي والطبقي، فالفقراء المغلوبون على أمرهم يُعرفون بأسمالهم الباهتة غير الملونة، بينما اشتهر الأغنياء بملابسهم ذات الألوان الصارخة والبراقة، وهكذا أصبحت الثياب والألوان مرآة تعكس الأوضاع الاجتماعية وأداة للتمييز بين الناس على أساس العمر والجنس والطائفة. كما عبَّرت لغة الألوان تدريجياً عما يجيش في نفوس الناس من مشاعر، فاختلفت ألوان الملابس باختلاف المناسبات، فهناك ملابس خاصة بالأحزان وأخرى خاصة بالأفراح، بل إن البابا أنوسنت الثالث (توفي سنة 1216) حدد أربعة ألوان رئيسة لأيام الأعياد الرسمية، وهي الأبيض (لأعياد الميلاد والفصح) والأخضر (لأيام الأعمال) والأسود (الصوم الكبير وعيد الموتى والأحزان) والأحمر (لأعياد العنصرة والصليب المقدس وأيام الشهداء)، وبذلك غدا لكل لون دلالة ومعنى، ولو أن شخصاً جهل ما يتعين عليه ارتداؤه في المناسبات المختلفة لاعتبر مجنوناً وعديم اللباقة.
إن اللون الأزرق في نظر رجال اللاهوت المُعادين للألوان كان يشكل الاستثناء، باعتباره لوناً سماوياً، فهو بسبب ذلك يعد لوناً ربانياً ومقدساً، وتبعه في المرتبة اللون الأسود باعتباره لونا شعبياً يلائم الزهد ونكران الذات والتواضع، ولذلك اعتُمد لباساً رسمياً في المراتب الكهنوتية الرسمية، غير أن ظهور الطوائف الدينية الجديدة حتم عليهم الدخول في لعبة الترميز الديني للألوان، وهكذا قرر الرهبان الفرنسيسكان ارتداء الثياب الرمادية المنزوعة اللون تمييزاً لهم عن الرهبان البنديكيت الذين اختاروا اللون الأسود، بينما فضل الرهبان السيسترشان اللون الأبيض باعتباره لون الصفاء، غير أن اللونين الأسود والأزرق ظلا المفضلين في نهاية العصور الوسطى، ومنهما اتخذ الأمراء والنبلاء ألوان ملابسهم، وتُبرز لوحات العصور الوسطى المتأخرة هيمنة هذين اللونين على المشهد الفني والديني، وقد ترسخ هذا التقليد مع الملك الفرنسي لويس التاسع الذي تعمد بعد عودته من إحدى حملاته الصليبية ارتداء ملابس مصبوغة باللونين الأسود والأزرق متأسياً في ذلك برجال الكنيسة الكاثوليكية، أما الألوان البراقة فقد تم اجتنابها باعتبارها ترمز للملذات الدنيوية التي يجب أن يبتعد عنها المؤمنون ممن يخشون الرب، بل إن الألوان الغامقة والصاخبة اعتبرت من أسباب الغضب الإلهي، إذ تم الربط بينها وبين الطاعون الأسود الذي ضرب أوروبا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والذي أودى بنصف ساكنتها، فقد أدى هذا الوباء إلى خلق أجواء من الإذعان للرب من خلال تخلص كل فئات المجتمع من الألوان والتحول إلى الأسود الذي غدا اللون الموحد للجميع، ويقال إن الملك فيليب الطيب لم يرتدِ ثياباً بغير هذا اللون.
وعلينا أن نستحضر أن عودة الألوان ستتم سريعاً وبأشكال متعددة، وستصل ذروتها خلال القرن العشرين، واليوم أصبح للألوان والملابس استعمالات وقتية وزمنية وإيقاعات خاصة، فالارتداء الجماعي للملابس الرياضية أمر إجباري في الملتقيات التنافسية، وكل فضاء غدا له ألوانه ومميزاته وطقوسه الواجب على الجميع احترامها والتقيد بها. لكن في خضم هذا النظام الدقيق، هناك فوضى الألوان أيضاً، حيث تتداخل الألوان الزاعقة والبراقة المتنافرة والألوان الصاخبة والخليعة، والتي نجدها أينما ولينا وجوهنا، وبسبب ذلك تصاعدت دعوات العودة إلى الألوان الهادئة وإلى ألوان الطبيعة.
من المهام الأساسية للمؤرخين اليوم تتبع التغيرات التي طرأت على استخدام الألوان، من خلال العودة إلى الماضي، ولا شك أن تفسيراتهم ستساعدنا على فهم تمثلات الناس للألوان، والأدوار التي مثلتها في الماضي مقارنة مع الراهن الذي غدت فيه الألوان البراقة جزءاً من الثقافة الاستهلاكية، ومن ثقافة وسائل الإعلام. بل إن الخوف من زوال ألوان الملابس بسبب استخدام المنظفات يشكل هوساً للكثيرين، بينما كان الجميع، قبل مدة يسيرة، تحت رحمة اللونين الأبيض والأسود في الصور الفوتوغرافية وفي الأفلام وفي برامج التلفزيون، غير أن كل شيء تغير فجأة بسبب التطور التكنولوجي والعلمي الذي فرض سطوة الألوان ووهجها، حيث غزت الألوان الطبيعية والصناعية حياتنا المعاصرة، وأثرت في أذواق الناس بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ. وبالرغم من أن طفرة الألوان حملت الكثير من المستجدات إلا أن اللونين الأبيض والأسود لا يزالان إلى اليوم مصدر إلهام في عالم الموضة والأزياء، فمكانتهما مرموقة ومعتبرة، ولذلك فإننا اليوم لسنا سوى ورثة الماضي والأزمنة السالفة بما في ذلك ألوان العصور الوسطى، فهذه الفترة من الزمن هي التي ساهمت في اختراع الألوان الحديثة.

 


خدمات المحتوى


تقييم
6.88/10 (4 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
جديد العرب arabsnew.com@gmail.com


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى