صحيفة جديد العرب الدولية
الخميس 24 يناير 2019

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

09-01-19 12:16
عزة مصطفى - مصر: الساعة تزحف نحو الثامنة، كيف لم أسمع منبه السابعة؟! موعد إغلاق دفتر الحضور الثامنة والنصف، أمامي عشر دقائق لأرتدي ملابس الخروج، العرق ينزلق في ظهري لا بد من أخذ حمام، المياه الباردة تعيدني إلى الإفاقة، المفروض أن أتصل بالعمل وأبلغهم بإذن صباحي.
عبوة مزيل العرق جافة، أبحث عن عبوة ابنتي وكأن كل شيء توقف، عليَّ العثور على عبوة المزيل، مشطت شعري متجاهلة النظر إلى الخصلات البيضاء الموزعة فوق الأذنين، ألقي نظرة أخيرة على حقيبة يدي، التليفون، حافظة النقود، النظارة غير موجودة، أجري إلى الصالون، أجدها بجوار رواية (نزلاء العتمة) من ناحية ومزهرية الورد المجفف من ناحية، تذكرتُ مقولة قرأتها على الفيس بوك لكاتب عربي (لو كان للوردة أنا ما منحتنا عطرها) كيف تكون مساءاتي بدون عطر الفل والياسمين؟!
تجري الدقائق والمديرة لا ترحم، أغلق الحقيبة وأتجه لباب الشقة، أتذكر زجاجة المياه، وضعتها في الثلاجة أمس، لا توجد بالثلاجة أية زجاجة، في غرفة البنت زجاجتان والولد كذلك، الوقت يمر وأنا أقوم بإحصاء الزجاجات.
نزلت الدرج الرخامي لعمارتنا متوسطة العمر وقد تكون من عمري، أتابع الشروخ التي كثرت في الآونة الأخيرة حول شبابيك المناور ولا أحد يهتم لترميمها، بلل شعري يمنحني انتعاشاً، أشعر أنها إفاقة ما قبل الموت.
أسرع الخُطى لا أجد زملائي الذين تعودت على رؤيتهم كل يوم في طريق العمل، بائع الأسماك المتجول ينادي على البلطي (اقلي واشوي يا بت) ينغم النداء، تتسرب المياه من ثقوب صنعها في عربة الخشب المغطاة بطبقة معدنية ليتخلص من مياه الثلج وكأنه يخط أثراً يدل عليه إن تجاوز الشارع.
بائعة البطاطا تحمل سبتاً على رأسها مرتدية جلباباً مزيناً بقطان ملون على الذيل والصدر وتعصب رأسها بإيشارب مزهر بالورد البلدي، تضع حواية من القش وفوقها السبت، عندما التقت عيناي بعينيها قالت (عايزة أوصله لغاية البيت)، ربت على صدري علامة الشكر والاعتذار، مازال الطريق للعمل طويلاً ولا أثر لتاكسي أوتوكتوك، بائع الفطائر شطب، كنت أجده في السابق لديه فطائر وزبائن.
أوسع الخطوة تتلاحق أنفاسي، ألم يفزعني، أهوي على الأرض مرتطمة بحافة الرصيف، أستيقظ على شد عضلي يشنج ساقي وأصابع قدمي، أجرجر ساقي المتشنجة إلى المطبخ، أجد زجاجتي في الثلاجة أصنع ليموناً رائحته جديرة بتخفيف التقلصات، ضوء القمر يفرش المطبخ وكأن الحلم أخرجني من نومي لأرى وجه القمر الذي بدا كما لم أره من قبل.
البنت نائمة وقد تركت مذكرات الامتحانات تتناثر بجوارها، والولد تعب من اللعب على الموبايل فتركه بجواره، كل ثوانٍ يعطي إنذار شحن البطارية، وزوجي نائم أمام التليفزيون والفيلم الأجنبي في أعلى لحظات القتل والرصاص والانفجار يكاد يمزق الشاشة.
ها وقد اطمأن قلبي لنور القمر، أسندتُ رأسي إلى الوسادة التي شهدت منذ قليل انزعاجي وصراخي، أتأكد من ضبط المنبه على السابعة قبل الاستسلام لنوم آخر الليل.
أستعد للخروج بصحبة رفيقاتي، تحثني نظراتهن على الانتهاء من لف الطرحة، نسيتُ العطر، أتوارى عن أعينهن فقد يردن وضع عطري وتوفير عطورهن التي يحبسنها في آنيتها إلى أن تجف.
أبحث عن حذائي الجلدي، نسيتُ أني منذ أتعب السكر أعصاب قدمي أرتدي الحذاء الرياضي وأخنقه على قدمي، ففي مرة ارتديتُ حذاءً مفتوحاً انخلع من قدمي ولم أشعر.
تعجلهن يوترني ويجعل أصابعي لا تقوى على الإمساك بدبابيس الطرحة.
قلن: سنذهب للسوق بعد زيارة القبور.
أنظر في وجوههن النظيفة بدون مساحيق، كان كريم الأساس لا يغطي الحبوب والنمش ويصنع تشابيح تزيد من بؤس البشرة والخطوط حول العينين تجعل أعينهن مبحلقة لما في يد الغير وأصباغ الشفاه تظهر قدرتهن على الالتهام.
أين ابنتي؟ لا يجب أن تاتي معنا لزيارة المقابر، لم أعرف سنزور قبر من.
تقدمتهن إلى القبر، وقفتُ أمام الشاهد ووقفن معي، جلسن، نظرتُ في وجوههن المراوغة، يتحدثن لا أفهم الحديث كأن اللغة اختلفت، مضين وتركنني، لن يصطحبنني للسوق كما قلن، حاولت اللحاق بهن لكني لا أقوى على هندمة ملابسي وكأن أصابعي نسيت الإمساك بالأشياء.
جاء زوار آخرون، بكوا وتمتموا بالفاتحة وتكلموا مع بعضهم ومضوا، لا يشعر بي أحد ولم أعد أحسب الوقت.

 


خدمات المحتوى


تقييم
0.00/10 (0 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى