صحيفة جديد العرب الدولية
الثلاثاء 23 يوليو 2019

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
ثقافة وفنون
القصة والرواية
الرقص على رصيف الأحلام
09-01-19 12:08
سعاد عسيري - جازان: دعتها إحدى الصديقات لحفلة عيد ميلادها، ولم تتردد ياسمين في الموافقة، وسرعان ما ذهبت لتختار ما ترتديه، فهي تريد أن تلفت نظره، ولا مانع إن ثرثرا قليلاً ثم سحبها من يدها لترقص معه؛ لا بد أن تكون إذن مختلفة في كل شيء: لبسها، كلامها، ضحكتها، وحتى مشيتها. اختارت فستان سهرة بلون السماء الزرقاء مرصعاً بفصوص من الكريستال الأبيض في منطقة الصدر تبرق كالنجوم كلما انعكس عليها الضوء، تركت شعرها مسدلاً على كتفيها مع طقم فضي أنيق زين جيدها وأذنيها. كان المكان حافلاً بالبهجة والفرح اللذين زاحما أنفاس الحضور، كل ما عليها فعله هو أن ترفع سقف أحلامها لتمسك بطيفه في مخيلتها، تضع كفها على صدره وتترك نفسها للموسيقى، الموسيقى ستفعل كل شيء، ستهدهد روحها وتنسيها عذاب السنين ومرارة الوحدة. وحالما يضع يده على خصرها ويجذبها إليه بقوة، ستغمض عينيها وتذوب كقطعة سكر، ستغفو على صدره وتحلم، صوته العذب يهمس في أذنها، كلمات الشوق وعبارات الهيام التي طالما رددتها لنفسها مراراً وتكراراً، وفي كل مرة كانت تصحو لتجد نفسها تحضن وسادتها وترقص أمام مرآتها. كان رقصها شبيهاً برقص سندريلا قبل أن يدق جرس الساعة، يتمايل جسدها البض كبانة مع أنغام الموسيقى، وكأنها في عالم خيالي غارق في السحر والغموض، لا يوجد بخيالها سوى فتى أحلامها وإيقاع موسيقى وحلبة رقص. تتشبث بقوة، وكُلَّما انخفض صوت الموسيقى بدواخلها انسلت صور ذكريات محايدة من مكان بعيد، ذكريات معتمة ومخيفة، كفراشة كسر جناحها لا تقوى على التحليق، وضعت يدها مجدداً وأغمضت عينيها بقوة لتجدد صوت الموسيقى بداخلها، وتطير مع أنغامها، صوته يهمس لها: آخ لا تدوسي على قدمي.
ابتسمت ورفعت عينيها، جذبت نفساً، امتصت عبير عطره، ملأت صدرها، فكرت في حالهما، نظراته لها، عطفه وحنانه وقلبه الكبير. تراقب قدميه وهي تخطو بخطوات رشيقة، وتتمنى أن ترقص له العمر كله.
فجأة تنتهي المقطوعة الموسيقية ويسود الهدوء..
دق جرس الساعة..
كي تفيق على واقع صلب وكرسي ذي أربع عجلات، ابتلعت مرارة الألم، أحسّت بأن بطنها امتلأت تماماً بالحلم المستحيل، تأملت الراقصين في صالة المسرح وسرحت بعيداً في تلك الليلة، تذكرت آخر كلمات تمتم بها وهما في الطريق بعد نهاية الحفل: ما أرق وأعذب ملامحك يا ياسمين، أتعرفين، الوصول إليك لم يكن بالأمر السهل.
ترفع حاجبيها:
لا تنظري إليّ باستغراب، كم تمنيت هذه اللحظة، وأنا بجانبك أشعر أنني أعيش الحلم بكل تفاصيله. هل تعلمين أن الركض خلف السراب أهون من الوصول لهذه اللحظة. لحظة انعتاق الحلم من النوم وتجسده بالواقع.
أجابته بابتسامة تملؤها براءة:
- لذلك قررت أن تحمل أحلامنا ونراقصها في ليلة مختلفة؟
- يدهشني دوماً تفكيرك أميرتي.
أدار رأسه ونظر في الطريق المظلم وعيناه تلمعان ببريق ماكر، ابتسم: ضعي الحزام إذن حبيبتي، سوف نطير.
وهي تصرخ: سالم... سالم... سالم...
كان يبتسم ابتسامة حب، وهي تشم رائحة شواء جسده:
ما هذا الدم على قميصك، أمسكت بكفه تتحسها، تريد أن تدفن فيها روحها وحلمها كما فعلت قبل قليل في حلبة الرقص، تريد لذلك التيار أن يشحنها. كفه باردة وشاحبة لا تستجيب لها.
رفعته إلى صدرها وحلقت بذراعيها من جديد حتى أصبحا كتلة واحدة، وظل يسمع آهاتها المجنونة وهي تبكي، وعيناه غارقتان في المجهول:
أفق.. أنا معك والى الأبد..
شحب لونه وتجمدت عيناه في الفراغ السديمي.

 


خدمات المحتوى


تقييم
5.00/10 (1 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
جديد العرب arabsnew.com@gmail.com


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى