صحيفة جديد العرب الدولية
الخميس 24 يناير 2019

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
ملفات وتقارير
ماء تحت الجسر
09-01-19 11:51
د. عثمان أبوزيد - السودان: دعتني وكالة السودان للأنباء (سونا) قبل خمس سنوات، لتقديم محاضرة عن (الإعلام الجديد). كان مدخلي إلى تلك المحاضرة الإشارة إلى أن (الإعلام الجديد لا يزال في مرحلة انتقال، فهو لم يحدد خصائصه وشروطه بعد، ولم يتأسس له فكر إعلامي. ومن المعروف أن الإعلام الجديد نشأ بعيداً عن علماء الاتصال والاجتماع، فلم يصاحب التطور المتسارع في التقنيات والاستخدامات، ما يقابلها من التنظير الذي يحدد السياقات ويسدد الممارسات ويصوِّب السلوك. ولا شك أن المجتمع المعاصر الذي بلغ في التقنية مستويات عالية، يفتقر إلى القيم الأخلاقية التي تحفظ للإنسان إنسانيته وفطرته).
منذ ذلك الوقت جرى تحت الجسر ماء كثير كما يقولون وظهرت أدبيات وأطروحات في أخلاقيات التواصل في الإعلام الجديد.
ولعل من اللافت أنها أخلاقيات عمل مفتوحة (Open Media Ethics)، لأن التواصل لم يعد حصراً على الإعلاميين أو على جماعة محصورة، فهناك مستخدمو الشبكة الذين يحملون هوية افتراضية ويتفاعلون مع جمهور مفتوح في حالة من انهيار السياق (Context Collapse). وهذا تغيير هائل في المشهد الاتصالي، مع أن أخلاقيات الإعلام لم تتغير إلا قليلاً.
يدل لفظ (أخلاق) على قيمة الأفعال والصفات من حيث الحسن والقبح، وتحديد ما ينبغي فعله وما ينبغي تركه. يشرح ذلك البروفيسور عبدالله حسن زروق في كتابه: (قضايا في فلسفة وعلم الأخلاق) موضحاً الفروق بين علم الأخلاق النظري وعلم الأخلاق التطبيقي (Applied Morality)، ودون الدخول في تفصيلات أكاديمية، تجب الإشارة إلى أن الأخلاق علم عملي، وليس علماً تجريدياً مثل الرياضيات أو المنطق.
الاهتمام بأخلاقيات العمل (Work Ethics) سابق للإعلام الجديد، فقد ترسخت من قديم في الإعلام التقليدي مجموعة من المعايير الأخلاقية والسلوكية، وخبرات في تطبيق القوانين وممارسة مواثيق الشرف الإعلامي ومدونات السلوك المهني، للمحافظة على المهنة وشرفها، وتحقيقاً للنفع العام.
ولئن كان علم الأخلاق التطبيقي في مستواه النظري المعياري يجيب عن مجموعة كبيرة من الأسئلة، فإن أخلاقيات العمل تجيب عن أسئلة ثلاثة، وهي التي تهمنا في هذه العجالة:
1. ماذا ينبغي أن يُفعل؟
2. لماذا ينبغي أن يُفعل؟
3. كيف أجعله يُفعل؟
لمعالجة مثل هذه الأسئلة، يجدر الاستهلال أولاً بالقول إن الله تعالى قد أسبغ على البشر نعمة عظيمة بتيسير سبل التواصل، فشُكرُ هذه النعمة إنما يكون بالإفادة القصوى من فرص هذا الاختراع الذي تفتقت عنه العبقرية البشرية، ويكون أيضاً بالتزام قيم الحرية والمسؤولية والحكمة والعدالة والمحاسبة، والتحلي بالموضوعية والصدق والإنصاف، وتجنب رذائل التضليل وكتمان الحق والنفاق والتعدي على الحرمات.
إن الانتقال من مرحلة الاتصال الجماهيري إلى مرحلة الاتصال الشبكي، هو انتقال إلى الشخصنة و(البينية)، مما يعظم مسؤولية المستخدمين للشبكة بأكثر من الممارسين الإعلاميين الذين يخاطبون جمهوراً مستهدفاً ويخضعون لرقابة رؤسائهم ومؤسساتهم، ناهيك عن أن طغيان الشخصنة تستوجب المزيد من تعزيز قيم التعارف، والمشاركة، والاعتراف بالآخر واحترامه، بل تحفيز الآخر وتشجيعه.
ولماذا ينبغي أن نفعل هذا؟ الإجابة البديهية لأن أخلاقيات العمل هي الحلقة المفقودة بين المبادئ العامة والتغيير الحقيقي على أرض الواقع.
ولكن أخلاقيات العمل تحتاج إلى إقامة آليات مناسبة مثل المجالس المهنية، وإصدار قوانين أخلاقية تحفز على الالتزام بها ونشرها وتنشئة الناس عليها.
يمكننا أن نكتب أفضل المواثيق ونضع أجود الآداب، لكن المهم هو أن تصبح هذه المواثيق والآداب واقعاً يمشي بين الناس.
تُحدِّثنا التجربة في تعليم علوم الاتصال أن من اليسير تدريب شخص على أساليب التحرير الإعلامي وتعليمه قواعد الكتابة الجيدة، فيمارس المهنة بكفاءة وبطريقة سليمة، لكن من العسير أن تدرب الشخص نفسه على أخلاقيات المهنة، وعلى التزام مواثيق الشرف واحترام مدونات السلوك، فيستجيب لها بتلقائية، أو يتمثلها في حياته المهنية.
يقول علي عزت بيقوفيتش: (التدريب لا تأثير له على الموقف الأخلاقي للإنسان. تستطيع أن تدرب جندياً أن يكون خشناً، ماهراً، ولكنك لا تستطيع أن تدربه لكي يكون مخلصاً، شريفاً متحمساً، شجاعاً). تعليم الأخلاق خاص بالتنشئة، وهو الجانب التربوي من عمل الأسرة والمدرسة والمجتمع.
هذا هو التحدي الحقيقي، أن ننتقل بالقيم الأخلاقية من المواثيق والمدونات إلى الحياة الواقعية... وألا نكتفي بالتفاخر بوجود هذه القيم في تعاليمنا الدينية، دون تحويلها لنظم وإجراءات في حياتنا.
وفي هذا نحتاج إلى الوعي بالذات، وبناء المفاهيم، واكتشاف المشكلات القيمية، وترتيب الأولويات حتى تستحيل القيم إلى مبادئ عامة في صميم الوجدان الشعبي.
إنها معركة طويلة، فيها التربوي بجعل الأخلاقيات في المناهج التعليمية والمناشط المدرسية، وفيها القانوني بسن التشريعات والقوانين، وفيها الاجتماعي بإقامة مؤسسات الرقابة مثل المجالس المهنية والاتحادات وغيرها.
قد يقول قائل إن المجتمع الشبكي عالم افتراضي لا تنضبط بمنظومة قيمية، فهي فضاء لامحدود يشتمل على موجات متدفقة، حيث أصبحت (الشبكية) شكلاً بديلاً لأشكال الاتصال التقليدية. وبهذا الصدد فإن تنظيم الأخلاقيات في فضاء عمومي، يقتضي طرقاً ملائمة لها، فلم تعد فكرة التوجيه المركزي فكرة سائغة، ومن شأن هذا الشكل الجديد أن يؤسس لنفسه طريقته الجديدة، لأنه في كل مرة يغير أسلوبه ويطور إستراتيجيته مع تغير الظروف.
***
يحكي الأديب المصري يوسف السباعي في روايته (أرض النفاق)، عن حانوت مُتخيَّل يسميه (حانوت الأخلاق) يبيع بالجملة والقطاعي. ولكن هذا الحانوت موجود في مكان قفر بعيد عن البيوت، فلا يقترب منه أحد ليشتري من هذه البضاعة الكاسدة!
هذا ما رآه أديب بعين خياله. وليت الأمر كان كذلك، إذن لهانَ الأمر، فكان يكفي شراء كميات الأخلاق من كل صنف، الصدق والأمانة والعدل والشجاعة، وتوزيعها على الناس... لكن بكل أسف... هي أشياء لا تُشترى!

 


خدمات المحتوى


تقييم
0.00/10 (0 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى