صحيفة جديد العرب الدولية
الخميس 21 مارس 2019

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

09-01-19 11:49
د.جهاد الفالح - تونس: لقد ساهم عصر التكنولوجيا في تكريس حالة انتقالية في الوجود، وفرضِ منطقٍ يختلف عما سلف من التفكير. كيف لا والعقل البشري منذ الأزل يساير خصوصيات زمنه فيخلق الموازنة بين الواقع كإطار والفكر كممارسة، فيسائل إشكالات عصره. وأما نحن في عصرنا الراهن، عصر العولمة، عصر الانفتاح على العالم، عصر الصورة، عصر التكنولوجيا، عصر الإعلام والتواصل وعصر الشبكة العنكبوتية، فإننا أمام دفق إلكتروني مُدَّ إلينا، فإما أن نتعامل معه بروية وإفادة أو أن ينقلب إلى الضد. وربما ليس التخيير (بين الإفادة وضدها) هنا ببسيط لأن العصر اليوم -سيما في ظل توفر الإنترنت- خاضع في جوهره إلى الصراع بين النفع والأذى، اللذين يتأرجحان بين الأخلاق واللا أخلاق. ولعل اللا أخلاقيات الإلكترونية أشد إيذاء من غيرها لأن الفاعل فيها يحتمي بأقنعة إخفاء الهوية فيفعل ما يفعله دون خشية من العقاب، وهو كما عبر عنه الباحث الكندي بيرني جرمان بـ(الشر المجهول).
وصورة كأبلغ ما يكون من انحدار أخلاقيات مجتمع المعلومات هو التنمر الإلكتروني الذي لا يمارسه صاحبه إلا غياً. وقد كان أول من استعمل هذا المصطلح هو المعلم الكندي بيل بيسلي، كما هو أول من أنشأ موقعاً خاصاً بالتنمر أو التسلط الإلكتروني في العالم. وقد عرف هذا السلوك بأنه سلوك معاد من طرف فرد أو مجموعة يهدف إلى إلحاق الأذى بالآخرين ويستخدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بغرض التشهير. فالتنمر إذن هو سلوك فردي أو جماعي ضد فرد أو جماعات، عدواني متعمد، يرد في وسيط إلكتروني على شكل نشر صور أو فيديوهات الغير واستتباعها بتعاليق ساخرة مقزمة ولا أخلاقية أو نشر المعلومات الشخصية أو التهديد بنشرها. ولا يخفى أن سرعة انتشار الخبر في هذا العالم خارقة: إذ كما تعم الفائدة يعم التشهير. فالتنمر أسلوب طيع الذيوع بامتياز على منصات التواصل الاجتماعي أو محركات البحث غوغل وغيرها من السبل الأخرى. فينوء الضحية غالباً عن تقبل ما أجازته أخلاق الآخر من فضح وتشهير، إذ ليس التنمر بقسوته بالذي يكتفي بأنصاف الأحوال: فإما كل الأذى المطلق وإلا لا يكون. وهو ما يدفع بالضحية بكل يسر إلى الاستسلام لحالات الاكتئاب أو حتى بلوغه فكرة الانتحار. ولا يشمل ذلك فئة عمرية محددة بل جميع الفئات العمرية. ومن الفئات العمرية الهشة التي يمكن للتنمر أن يهلكها بسرعة هي فئة الأطفال، فقد تعرض تقريبا 70 بالمئة من الطلاب إلى هذه الممارسات وهو ما أكدته جامعة فلوريدا أتلانتيك في دراسة أجرتها استمرت نحو عشرين عاماً، أما حسب مؤسسة بيو للأبحاث سنة 2007 فإن 32 بالمئة من الأطفال قد تعرضوا للتنمر، وحسب أبحاث قدمت في اجتماع لجمعيات لطب الأطفال عام 2017 فإن عدد الأطفال الذين تأكدت محاولات انتحارهم تحت وطأة التنمر الإلكتروني بين سنتي 2008 و2015 قد تضاعفت. وقد انتشرت ظاهرة التنمر في العالم أجمع وكانت أمريكا سباقة في سن قوانين لمعاقبة التنمر، لكن إلى أي مدى يمكن للقانون أن يتتبع هذا السلوك والحال أن المراوغات والحيل الإلكترونية التي يمارسها الغالبية العظمى من المتنمرين عديدة؟ كما أن الأطفال يقعون كجانٍ وضحية، والأجدى من العقاب هو التوعية والمراقبة المستمرة لهم وتوجيههم لضرورة الحد من مدة الإبحار في الإنترنت وعدم تصفح كل البرامج ووجوب حظر البعض منها وتجنب نشر المعلومات الشخصية وعدم الاستجابة لتهديدات المتنمرين إضافة إلى إحاطة العائلة والمدرسة باستمرار بالتوصية على مخاطر هذا السلوك وزجر مرتكبيه. لكن ذلك لا يمكن أن يلغي هذه الظاهرة تماماً فالاختلافات في القناعات والسلوك وردود الفعل والانتقام هي من الإنسان وإليه تعود، إذ لا يمكن للنصائح أو حتى العقوبات أن تبرمج عقلاً ولا نسقاً من الحياة واحداً لجميع البشر. وهنا ألا يمكننا أن نرتاب من العالم الموازي (العالم الافتراضي) لكونه قادراً على تكريس غريزة الشر أكثر مما آلت إليه في إطارها الأصلي الأولي؟

 


خدمات المحتوى


تقييم
0.00/10 (0 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى