صحيفة جديد العرب الدولية
الخميس 20 يونيو 2019

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

09-01-19 11:46
عبد المجيد بَطالي - المغرب: لا أحد يستطيع اليوم أن ينكر الدور الذي تلعبه القيم أو التربية على القيم في بناء الفرد بناء سلوكياً وأخلاقياً سوياً، ومن ثم انعكاسها على تصرفاته ومعاملاته داخل الأسرة، وفي المجتمع ومع الأقران في الشارع، وفي المدرسة وغيرها من العلاقات الاجتماعية والإنسانية. كما لا يستطيع في مقابل ذلك أن يجحد اليوم أحد الدور الذي تقوم به التكنولوجيا المتعددة عموماً والاتصال الإلكتروني في تطوير المهارات الذهنية والفكرية والتواصلية في المجتمعات الإنسانية على الخصوص.. وقد أصبح هذا الأمر واقعاً مفروضاً في الحياة العامة والخاصة للإنسان، حتى نعتوه بمجتمع المعلومات بل قالوا عنه: (العالم قرية صغيرة).. وذلك لأن الشبكة العنكبوتية العالمية تفوّقت بفضل التوسع والانتشار في مجالات التواصل على اختراق الزمان وحواجز المكان، إذ غدا التواصل بين الأشخاص والمؤسسات والجمعيات في العالم أيسر من ذي قبل.. فهل يا ترى كان الإنسان عموماً أو البعض مؤهلاً لاستقبال هذه الثورة التكنولوجية الحديثة فكراً وعقلا وثقافة وسلوكاً حضارياً؟ وإلى أي حد كانت هذه التكنولوجيا المتطورة جداً في خدمة الإنسان؟ أو أن الأمر كان معكوساً، بمعنى أن عقليات وثقافات معينة مازالت تحبو ببطء حبواً متثاقلاً، فكانت الدهشة أقوى عليه فنكس على عقبيه ولم يستطع السير حثيثاً على وثيرة التقدم التكنولوجي؟ وهل كان هذا سبباً في صدمة فكرية قوية واندهاش عقلي أمام الزخم المعلوماتي فلم يحسن التعامل مع هذا العالم المتغير والمتجدد بسرعة أكبر مما يتصوره العقل؟ وما قوة صمود الجانب الأخلاقي والمعاملاتي في الإنسان وهو يستعمل آليات التواصل المتعددة وتكنولوجيا المعلومات أمام هذا الشلال الهادر بقوة الذي يكاد يجرف بالإنسان ويجرده من إنسانيته؟
تساؤلات عدة يطرحها المجتمع اليوم حول إشكالات التقهقر السلوكي الذي أصاب البنية الأخلاقية في الصميم، فتهدمت قواعد ولبنات طالما بناها الأولون بنفائس التربية وسهروا على غرسها في النفوس غرساً يليق بإنسانية من استخلفه الله في الأرض.
لكن مما يؤسف له حقيقة اليوم أمام شموخ شبكة التقنيات المتطورة هو الانجراف الأعرج لبعض مستعملي التكنولوجيا الحديثة في جانبها السلبي عوضاً عن جانبها الإيجابي الذي تتيحه لهم آليات التواصل الإلكتروني في ذات الآن.
وقديماً قال الشاعر الكبير أحمد شوقي:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وقال أيضاً في قصيدة نهج البردة:
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه
فقوم النفس بالأخلاق تستقم
والمتأمل في أبيات الشاعر أحمد شوقي وما تحويه من الحكمة يدرك لا محالة تلك اللافتة القيمية المجتمعية الكبرى التي تنبأ لها الشعراء والكتاب والسلوكيون وكل المهتمين بدراسة الأخلاقيات في علاقتها بالعلوم والمعرفة. واليوم في علاقتها بثورة الألياف الدقيقة والآلات التقنية المتطورة.
أمام هذا الاندهاش التكنولوجي الذي أحدث خلخلة في بنية الاستقبال والاستيعاب عند الإنسان عموماً، وقع ارتجاج على صعيد منظومة القيم عموماً وعند المتلقي العربي خاصة؛ إذ ظل هذا الأخير محافظاً على قيمه، متصفاً بأخلاق عالية إلى حدود ما قبل دخوله بيئة الاتصال الإلكتروني الذي غيّر من بعض سلوكياته، حيث كانت استجابة الأفراد لمثيرات تكنولوجيا المعلومات أكثر تفاعلاً مع آليات إلكترونية جديدة مغرية وفاتنة، أخذت بلبهم ولبابهم نحو متغيرات قيمية وأخلاقية، إذ يعتبر التعامل الأعرج والخاطئ من لدن هؤلاء أحد العوامل المساهمة في تدني الجانب الأخلاقي في مجتمع معلوماتي أكثر تطوراً. وبقدر هذا التطور السريع والفائق للتواصل الرقمي اليوم في مجتمع المعلومات ووسائطها المتفاوتة في المجالات الخدماتية وما أتاحته للمتلقي من سيولة وسهولة في البحث والحصول على المعلومة. بقدر ما تناسلت مجموعة من الاعتلالات والاختلالات كان لها الأثر السلبي أخلاقياً على الاستخدامات التواصلية في بيئات الاتصال الإلكتروني.
أن تكون مسايراً للتطور العلمي والتكنولوجي هذا جميل ورائع ومذهل، ولكن ليس على حساب جزء مهم من أصالتك وذاتيك، تكتمل به إنسانيتك التي من أجلها خلقت، وتثبت به قيمتك وقيمك الأخلاقية التي تحمل رسالتك الإنسانية نحو عالم يفيض أمناً وسلماً وسلاماً، فعلم بلا أخلاق، علم أجوف، وتكنولوجيا بلا قيم ولا أخلاقيات، ضرب من الجنون وتيهان في المجهول.
ويمكن القول بأننا أصبحنا اليوم بفعل قوة الاستلاب التكنولوجي أمام وجود إنسان رقمي (إنس آلي) -إذا جاز التعبير- لا يعير أي اهتمام للأخلاقيات من جراء سوء التعامل مع استخدام بيئات التواصل الإلكتروني المتعددة، وكذا الفهم السيئ لتوظيف آليات الاتصال المتاحة. الشيء الذي نجم عنه آثار سلبية في عالم المعلومات يمكن رصدها في مجموعة من النقط منها:
آفة التكنولوجيا وآثارها السلبية على التفكك الأسري، إذ تجد الأفراد في الأسرة الواحدة كلٌّ منطو في زاوية من البيت له عالمه الافتراضي، وله صديقاته وأصدقاؤه الافتراضيون، يعيش خارج المحيط العائلي عالمه الخاص. وهنا نلاحظ، تلاشي بعض القيم المجتمعية. كالروابط العائلية والأسرية والدفء الأسري. وفيه هدم لنظرية التنشئة الاجتماعية وتحصين الفرد من الانحراف والانجراف خلف أمور لا أخلاقية يصعب السيطرة عليها مع تفشي داء الاستخدام السيئ للوسائط التكنولوجية.
ومن الآثار الضارة بالمجتمعات الإنسانية التي أضحت موجة التكنولوجيا تتحكم في زمامها ولم تك واعية باستخدامها الأمثل لما يصحح مسارها الأخلاقي، ويشد من عضلات قيمها الأخلاقية المثلى، نذكر على سبيل المثال: تدني المستوى اللغوي والاجتماعي والفكري للفرد بفعل النهل من مواقع ومجموعات ومنتديات إلكترونية.. هي نفسها في حاجة إلى كفاءات عالية في توثيق المعلومة والمادة التعليمية التي تعرضها أو تود إيصالها لمريديها.
إلى غير ذلك من الآثار السلبية التي تفجرت أنهارها في بيئات الاتصال المعلوماتي.
لكن...! لا ينبغي أن نلوم التكنولوجيا ونمسح فيها أصابع الاتهام، فالعيب ليس فيها وإنما في كيفية التعامل معها وفي طريقة توظيفها إيجاباً أو سلباً، فزمام الأمر بيد الفرد يصرّفها كيف يشاء هو، لا كيف شاءت وسائط ووسائل الاتصال والتواصل التكنولوجي.
وبناء عليه ينبغي على المجتمعات الإنسانية أن تستشرف آفاق بيئات تكنولوجية تواصلية أكثر أخلاقية، تنهل من ينابيع التربية القويمة، وتغترف من أصول منظومة القيم الإنسانية الشاملة.

 


خدمات المحتوى


تقييم
0.00/10 (0 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى