صحيفة جديد العرب الدولية
الثلاثاء 11 ديسمبر 2018

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

25-07-18 11:57
حين استسلمتْ أمي للنوم أخيراً، تركتُ جناح الرقود وخرجتُ أتمشى في حديقة المستشفى، بعد بحث لم يطل وجدتُ كرسياً منزوياً، رغم أنه لم يكن مريحاً لكنه كان كافياً لإخراجي من الجو العابق برائحة المطهر.
أخرجتُ كتابي وبدأتُ أقلب في صفحاته، بينما مقلتاي تتفحصان المكان حولي، لم يشدني سوى طفلة جلستْ على بعد أمتار مني، افترشتْ الأرض وأخذتْ ترسم على الممشى الحجري بطبشور يوشك أن ينتهي، انتظرتها أن ترفع رأسها نحوي لألقي عليها التحية، لكن بدا أنها كانت منهمكة تماماً بالرسم.
وضعتُ الكتاب جانباً ومشيتُ نحوها: (ماذا ترسمين؟) سألتها بصوت خفيض، توقفتْ عن الرسم بغتة، مسحتْ عينيها بكم قميصها قبل أن ترفع نحوي وجهاً حزيناً، حدقت بي لثانية ثم عادت لترسم دون أن تجيب علي.
جلستُ على مقربة منها، رفعتْ بصرها نحوي وقالت بحدة: (ستوسخين ملابسك يا آنسة، اذهبي واجلسي على ذلك الكرسي).. وقبل أن تسمع ردي أو اعتراضي عادت لانشغالها.. (ماذا ترسمين؟) أعدتُ السؤال متجاهلة جملتها الأخيرة.. (لا شيء..) قالت بعناد.
لم ترفع عينيها نحوي، فقط أخذتْ تحدق في الدوائر المتداخلة التي كانتْ ترسمها، ثم عادتْ لترسم.
خلال العشر دقائق اللاحقة لم ترفع عينيها نحوي، ولم أفكر بالمغادرة، فقط بقيتُ بجانبها أراقب حركة يدها المتوترة، وأتلصص بين الفينة والأخرى على وجهها المنقبض.
أخيراً استسلمتُ لعنادها وقررتُ أن أعود حيث كنتُ، وقبل أن أهم بالمغادرة. رفعت عينيها نحوي وسألتني:
(لماذا لم تذهبي حتى الآن؟).. (ولماذا لا أبقى؟) عارضتها وأنا أحدق في عينيها.
صمتتْ لبرهة، ظننتُ أنها ستتجاهلني مجدداً وتعود للرسم، لكن عوضاً عن ذلك ترقرق الدمع في عينيها، أخرجتُ من جيبي مناديل ورقية وناولتها إياها، أخذتها مني بحركة سريعة ومسحتْ دموعها.. (أبي مريض) قالتها وهي تخرج منديلاً آخر وتمسح أصابعها المتسخة.. (وأمي مريضة أيضاً) قلت مواسية.
(لكني للتو سمعت الطبيب وهو يقول بأنه لن ينجو هذه المرة). سكتتْ لبرهة ثم أكملتْ: (كيف سأعيش بدونه؟).
(نعم كيف سأعيش بدونها!!) ردد عقلي الباطن بيأس، اقتربتُ منها وأمسكتُ يديها الصغيرتين، قلت وأنا أكافح لإخراج صوتي: (لماذا لا ندعو لوالدك وأمي).. (وهل والدتك ستموت أيضاً؟!) سألتْ ببراءة.. ارتعشتْ يدي الممسكة بيديها دون إرادة مني، فضغطتُ على يدها بقوة: (حسناً قال إنها ستكون بخير).. وأكملتُ: (ووالدك أيضاً سيكون بخير، فالأطباء لا يعلمون الغيب).. (حقاً!) صاحت وابتسامة تتراقص في عينيها..
(نعم).. وقبل أن تطرح سؤالاً لمحتهُ في عينيها، نادتْ عليها والدتها لتعود للداخل، سحبتْ يديها برفق وقامتْ من مكانها: (هل سألتقي بك في الغد هنا؟) سألتْ وهي تنفض الغبار عن ثوبها.. (ستجديني هناك) أجبتُ وأنا أشير ناحية الكرسي الذي وضعتُ عليه كتابي.
ابتعدتْ هي بينما انشغلتُ بالتحديق في الدوائر التي كانت ترسمها، وقبل أن أستوي واقفة رأيتها تجري نحوي مجدداً، وقفتْ قبالتي، طبعتْ قبلة سريعة على خدي وغادرتْ.
راقبتها هذه المرة حتى دخلت المستشفى، وقفتُ بدوري، نفضتُ الغبار عن ثيابي، وعدتُ لكتابي أحاول أن أقرأ فيه قبل أن يحين الوقت للعودة للداخل.

مياسة النخلاني- اليمن

 


خدمات المحتوى


تقييم
9.50/10 (2 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى