صحيفة جديد العرب الدولية
الإثنين 15 أكتوبر 2018

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

25-07-18 11:54
لا أعرف على وجه الدّقة ما الذي جعلني أسير في شارع السوق.
تذكرتُ الورقة في جيبي، دوّنت بها بعض الطلبات من المنتجات الورقية والمنظفات، في مفترق الطرق بالوعة مفتوحة يصبّ فيها خرطوم من الأرض المعدة للبناء التي كانت -فيما سبق- مجمّعاً كبيراً لدكاكين باعة الخضار، وإلى جانبها معامل صانعي حلويات الموسم من السمسميّة والحمصيّة.
أذكر في طفولتي أن أمي كانت ترسلني إلى المجمّع، لورش تصليح بوابير الجاز. كانت وجوه العاملين فيها، وملابسهم، وأياديهم، ملطّخة بالهباب، ورائحة الكيروسين لا يعلو عليها رائحة. تبدّل الزمن، وترك أصحاب الورش مكانهم للإسكافيين الذين طوّروا من صناعتهم بأن زوّدوا المحلّات بالفتارين، مُعلّقين الأحذية تحت الأضواء.
ذات منتصف ليل، اشتعلت النار في المجمع، ابتلعته عن آخره، وانتهى التحقيق إلى لا شيء (كالعادة)، لكن الحقيقة أن صاحب الأرض وجدها فجأة خالية دون مستأجرين.
أرضيّة السوق بلاط محطم يظهر من تحته البلاط القديم، الباعة أكثر من المارة، وعندما أمطرت فردوا المشمّع على البضائع من الخضار والبصل، وتواروا تحت مظلات محلات العطارة.
مرق بجواري، وكدتُ أصطدم به في إسراعي للاحتماء من المطر تحت مظلة محل حلواني. كان خارجاً من المحل، أعرفه إذ كنتُ في صغري أشتري منه الكنافة في رمضان، أنتظر دوري في طابور، وحين يأتي أواني أهمس له بخجل: نص كيلو كنافة طرية.
وجوده أمام المحل وفي يده الكوب المثقوب المخصص لعمل الكنافة كان علامة مميزة في السوق. يقوم بصب شعيرات العجين، ولملمتها من فوق الصاج المستدير، ويضعها على الطاولة المجاورة للموقد لبيعها، لا يساعده أحد. كانت عليه زحمة باستمرار، وأبي لا تروق له الكنافة إلا من هذا الحلواني.
ما أدهشني أن الحلواني مات من زمن بعيد، أكثر من عشر سنوات، واليوم أراه كما كان في سنيّ طفولتي. همستُ لنفسي: قد يكون ابنه، أو أخاه. كأنّ الزمن لم يمرّ، كأنّ الناس التي أعرفها لم تمت.
أسير بحذر علي أرضيّة السوق، صارت زلقة بعد المطر. ألمح بائع البيض، حانوته مكدّس بالبيض والجبن بكل أنواعه، ابنه يتعارك مع بائع المخلل الذي فرش بضاعته على الأرض أمام الدكّان. التفتَ إليّ الابن لأجد أنّه هو من مات منذ شهور في حادث مرّوع بالسيارة التي ينقل بها البضائع. تحدّثت البلدة عن الحادث بحزنٍ كبير على الأب المكلوم بموت ابنه. كنت رأيته قبل الحادث بيومين يحدّث أبيه في نفس مكان تشاحنه مع بائع المخلل، أيكون له أخٌ توأم؟
ما الذي كنتُ أريد شراءه؟
مررت ببائعة الخبز، منحتني رغيفاً وَضَعَته على الأرض ثم رَفَعَته إليّ معتذرة..
- الأرض نظيفة.
- ولا يهمك.
لكنيّ لم أمدّ يدي لأخذه. الرّغيف صغير، ولا يبدو ساخناً، وأشعر أنّه جاف. لفت نظري أن بائعة الخبز أعرفها، لكنها كانت أطول وأعرض من هيئتها الآن، لم تكن تشتغل ببيع الخبز، هي أخت صديقتي التي لا تعمل. لا يوجد في السوق أيّ بائعة خبز، كل بائعي الخبز من الرجال.
مستغرقةً بحيرتي، دلفت إلى زقاق مجاور، فوجدتني في بيت قديم. استقبلتني سيدة سمينة وطويلة، رحّبت بي كأنها تعرفني من زمان. دخلت بائعة الخبز خلفي وبيدها الرّغيف.
لا سقف للبيت، ولا نوافذ، له فقط جدران وأبواب. رأيتُ رجلاً يهلّ من البعيد، من زمن آخر، حجمه كبير، طويل، عريض، والبيت بلا سقف يمنعه من الوقوف مرفوع الرأس، وحلّت عليّ رهبة.
التفتُّ إلى السيدة السمينة أطلب منها أن تُخرجني من هنا، فغادرت من باب، وأغلقته وراءها. اتّجهت لبائعة الخبز، والرّغيف النّاشف في يدها ما يزال، جرت من أمامي.
وجدتني وجهاً لوجه أمام الرّجل الضخم. لا مكان للفرار الآن، وجذبني المنديل الأزرق الحريريّ في يمناه.
أكان سيكمّم به أنفاسي، أم كان سيُهديني إيّاه؟

عزّة دياب- مصر

 


خدمات المحتوى


تقييم
6.00/10 (1 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى