صحيفة جديد العرب الدولية
الثلاثاء 14 أغسطس 2018

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
ثقافة وفنون
الشعر والنثر والخواطر
رهين المحبسين ورسالة (ملقى السبيل)
رهين المحبسين ورسالة (ملقى السبيل)
25-07-18 11:48
ربما يحدث كثيراً، أن يطغى أثر لمؤلف على جميع ما ألف من آثار، قد أنتجتها قريحة المؤلف ذاته وهذا ما حصل لأثر نفيس من آثار أدبنا العربي، نقصد رسالة ملقى السبيل، لفيلسوف المعرة أبي العلاء المعري أحمد بن عبدالله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري، وهو الشاعر، والأديب، واللغوي، والفيلسوف العربي، اشتهر في عصر الدولة العباسية، وولد في عام 973م/ 363هـ في مدينة معرة النعمان الواقعة في الجهة الشمالية من سورية، ويطلق عليه لقب رهين المحبسين، بمعنى محبس البيت ومحبس العمى، لأنه اعتزل الناس بعد أن عاد من مدينة بغداد حتى مماته. لقد طغت مؤلفاته العديدة، (رسالة الغفران، وديوان سقط الزند، واللزوميات) التي عكف النقاد والدارسون على تقليبها على كل الوجوه، لدراستها علّهم يعثرون من خلالها، على موقفه من الحياة، وفلسفته، والقضايا الكبرى في حياته. لكن ما يهمنا في هذا المقال هو ما جادت به قريحة عبقري المعرة في آخر حياته، وهي رسالة (ملقى السبيل)، التي ظلت أمداً طويلاً قابعة على رفوف النسيان. حتى قيض الله لها العلامة، التونسي حسن حسني عبدالوهاب أحد أعلام النهضة التونسية، على الخصوص، والعربية على العموم، في اللغة، والأدب حيث قام بتحقيقها، ونشرها، والتقديم لها، ثم زادها تعريفاً، وانتشاراً، عندما اختارها العلامة السوري محمد كرد علي ضمن ما انتقاه من عيون النثر العربي البليغ، في كتابه الجامع رسائل البلغاء. وحسبها أن عارضها، الحافظ أبو ربيع الكلاعي الأندلسي بتأليف سماه (مفاوضة القلب العليل ومنابذة الأمل الطويل بطريقة المعري في ملقى السبيل)، وأيضاً معارضة أبي عبدالله محمد بن أبي الخصال، وزير يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين. فما هي هذه الرسالة؟
يستنتج محقق رسالة (ملقى السبيل) أن المعري قام بتأليفها في الطور الأخير من حياته، زمن عزلته، وانقطاعه -أربعمئة وثلاثين من الهجرة تقريباً- وقد زهد بالدنيا لكبره، واقتراب أجله، فكأنما أراد الرجوع للمبادئ الدينية، فسلك طريق الوعظ والتمسك بالاعتقاد، وذلك من خلال آراء المعري في هذه الرسالة نثراً، وشعراً، التي تخالف المعهود من سابق آرائه، في المصنفات السابقة، كالموت، والحياة، والبعث، والموقف من الأديان، وحرية العقل، فأين هو من قوله عندما كان في عنفوان الشباب:
ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة
وحق لساكن البرية أن يبكوا
يحطمنا ريب الزمان كأننا
زجاج ولكن لا يعاد له سبك!
(وقد أخذ الشارحون من هذا البيت عدم إيمان المعري بالبعث بعد الموت)
وكذلك قوله:
قد ترامت إلى الفساد البرايا
واستوت في الضلالة الأديان
أنا أعمى، فكيف أهدي إلى المنـ
ــهج والناس كلهم عميان؟
فكيف يتفق ذلك النهج، من نهجه الجديد، الذي يذكر فيه: (وفي الآخرة يكون المجمع)، وقوله: (عند الباري تكون الزلف) وهكذا.
النهج المتميز
لقد اختط المعري في هذه الرسالة، نهجاً متميزاً، لم يسبق إليه أحد؛ إذ اعتمد في التأليف بحسب الحروف الهجائية، بحيث يجعل لكل حرف قافية، للعظة، أو حكمة يصوغها، في قالبين من النثر، والشعر على التوالي، من حرف الألف، إلى الياء، لتنتهي في صنعة، شعرية، متينة السبك، محكمة الصنعة، تضم في كلماته القليلة، عصارة حكمته، وتجربته، وموقفه من الشك والإيمان، ورحلته، بين الدنيا، والآخرة، في أسلوب، نابض بالتهكم، والسخرية.
ويستوقفنا عنوان الرسالة (ملقى السبيل) والملقى بفتح الميم، مكان اللقاء وجمعه (ملاقي) أو هو أعلى الجبل يؤوى إليه، ويلاذ به، والملقى بضم الميم هو اللقاء في الخير، أو الشر، وهو أيضاً المكان الذي يلقى فيه الشيء، ومن الواضح أنه قصد المكان، واللواذ به، والسبيل هنا هو سبيل الرشاد. ولقد سلك الأديب الزاهد سلوك زهاد العرب في الجاهلية كقس بن ساعدة الأيادي.
يقول المعري من قافية (الهمزة): كم يجني الرجل ويخطئ، ويعلم أن حتفه لا يخطئ.
ثم نظم ذلك شعراً فقال:
إن الأنام ليخطئون ويغفر الله الخطيئة
كم يبطئون عن الجميل وما مناياهم بطيئة
وهكذا يمضي بك في رسالته حتى وكأنك تقرأ إعلان توبته عن كل تلكم الآراء التي سببت له المتاعب الكثيرة.
يبقى أن نؤكد أن رسالة (ملقى السبيل) -النثرية الشعرية- تفتح الباب لتعديل كثير من الأفكار المعروفة عن المعري التي يبدو فيها صوت رفض واحتجاج أكثر منه صوتاً للإيمان وعودة اليقين.

حسين أحمد المحمد- سوريا

 


خدمات المحتوى


تقييم
7.00/10 (1 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى