صحيفة جديد العرب الدولية
الأحد 23 سبتمبر 2018

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
ثقافة وفنون
القصة والرواية
جورج وسليمان يأكلان السالمون
جورج وسليمان يأكلان السالمون
21-01-18 09:55
كلانا وضع صينية القهوة جانباً، متجاهلَين نظرة غاضبة من مدير قاعة الطعام في بهو Riverland Inn & Suites. في البداية تجاهلنا صوت زبون جديد يطلب المزيد من السكر، كنا نبحلق في الفتاة التي نزلت مؤخراً في الفندق، إذ يبدو وكأنها في الخامسة والعشرين، طويلة جداً، خالية من اللحم ومن دون ثديين مغريين. عظامها بارزة وكأنها جوّعت في زنزانة. إلا أنها مواظبة على الأكل بذهن شارد. سألت جورج هامساً: هل طلبتْ اليوم سمك السالمون؟ فأجابني بأنها اكتفت بزجاجة صودا وبعض قطع الشكولاتة. لا يبدو جورج في حال جيدة منذ التقائي به قبل شهرين، كان ذلك بالصدفة، في بقالة طه لبيع المأكولات العربية. هو تبضع من الجبن والزيتون والمخللات، وأنا ابتعت قطع اللحم الحلال وبعض الحلويات. الصدفة قادتنا أن نعمل سوية في ذات الفندق، وأن نشوي أسماك السالمون للسياح في حديقة رودريك الواقعة بين نهر آدامز وبحيرة شوسواب حيث يعبر السالمون النهر في رحلته الطويلة. لكنني لا أعرف حتى الآن إن كانت تلك الفتاة النخلة كما يسميها جورج، هي من أهمته وأخذت بتفكيره؟ فهي تشبه سماح، أخته الصغرى التي حدثني عنها قبل أيام، سماح غرقت في رحلة هروبهم إلى كندا قبالة شواطئ بودروم التركية.
بعد يوم طويل وشاق من إعداد السالمون المشوي للسياح؛ لاحظت اختفاء جورج عن منصة الحديقة، ابتعد عن صخب الموسيقى المصاحبة، مشى بصعوبة إلى شجرة الميبل، حيث كان يستفرغ ما في معدته الخاوية. لحظتها أدركت بأن رائحة ما أسرته وهيَّجت ذكرياته. ربما رائحة الرطوبة في المطبخ المعتم في بيت والده الكبير في بلدة رأس العين في حلب، أو ربما رائحة الثلج على جبل الشيخ الذي يسميه جورج بنافذة الطفل، أو رائحة الحزن في عيني أمه الكفيفة وهي تودعهم على شريط الحدود مع تركيا، حين تم قبول لجوئها مع ابنها الأكبر الذي التحقت به في ألمانيا أواخر 2013، أو لعله عبق الحديقة التي امتزجت برائحة زيت السالمون الذي يرفض جورج أن يأكله لأنه على حد تعبيره قد التصق برائحة سماح أو ربما قضم من جثتها وسافر عبر المحيطات إلى هنا!
وماذا عني؟ لا أجد مكاناً لرأسي بين الرؤوس التي كانت تساق للذبح كالنعاج. جدي السابع المولود في مدينة باغو في ميانمار هرب خفية من مذابح البوذيين التي كان أول ظهور لها في عهد الملك باينوانغ 1589م. فبعد أن استولى على باغو في 1559 حظر ممارسة الذبح الحلال للمسلمين، كما أجبرهم على تغيير دينهم بالقوة. غيَّر جدي اسمه من محمد إلى ساهو، فنجا في المرة الأولى، في الثانية نجا جدي الخامس من مذبحة الملك بوداوبايا الذي أمر بالقبض على أشهر أربعة أئمة في ميانمار وقتلهم في العاصمة بعد رفضهم أكل لحم الخنزير. لقد فارق الحياة وهو يساق للذبح بسكتة قلبية. مرت على البلاد سبعة أيام مظلمة بعد إعدام الأئمة مما أجبر الملك على الاعتذار، حيث أصدر مرسوماً باعتبارهم أولياء صالحين. ساهو وصل إلى نجابالي المنطقة الساحلية في ولاية راخين، ظناً منه أن بإمكانه إخفاء هويته كصياد في تلك الشواطئ الغريبة عنه. وهناك بدأ البوذيون بحملة إبادة جماعية، بعد أن صرح رئيس ميانمار ثين سين بأنه يجب طرد مسلمي الروهنجيا من البلاد وإرسالهم إلى مخيمات اللاجئين التي تديرها الأمم المتحدة. فكر ساهو بالعودة لجدتي ليموت بجانبها، وما إن ركب الحافلة حتى اقتاده الجيش البورمي مع أحد عشر مسلماً بدون سبب، أنزلوهم من الحافلات، وأحرقوهم أحياء في مجزرة قتل فيها أكثر من خمسين روهنجياً. أُحرقت آلاف المنازل في باغو، وكان من ضمنها منزل جدتي التي كانت تنظر في عيني محمد وهو يودعها، تماماً مثلما ودعت أم جورج سماح وهي تغمض عينيها وسط أمواج بحر إيجة.
ربما انتابتني وعكة طارئة فانقلبت على ظهري، ورفعت عيني لسماء صافية، لا تلمع فيها سوى النجوم، ووجوه بعيدة شهباء حسبما رددت في نفسي أكثر من مرة. سنوات تمر وكلانا لا يعرف كيف لا تنطفئ روحه في حانة صغيرة على أطراف البلدة، وأديل تغني فيها:
(We could have had it all)
لماذا ذهبوا إذاً؟
جاءت النوارس من أقصى البحر، ظننا أنها تشم السالمون من مسافة بعيدة، لتحلق فوق رؤوسنا فتلتقط سمكها ثم تطير عالياً إلى السماء، لكنها أخذت قمامتنا وانصرفت، لماذا فعلت ذلك؟
جورج يندس تحت لحافه كل ليلة ويبكي.
بطبعه تطبعت، فقد أصبحنا قليلي الكلام وعيوننا في مكان آخر.
لماذا ذهبوا إذاً؟!

بلقيس الملحم - السعودية

 


خدمات المحتوى


تقييم
8.57/10 (18 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى