صحيفة جديد العرب الدولية
الأحد 23 سبتمبر 2018

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

كبسولة 1924 - 2117
21-01-18 09:53
الساعة 7:09 م، الرياض.
- إلى أين؟
- سوف أتعشى مع صديقي (نزار)
- هنا أم في جدة؟
لا يلتفت نحو والده، لكنه يومئ برأسه موافقاً فهو كالعادة في عجلة من أمره، لابد أن يُسرع ليستقل خط (قطار الأنفاق) الأصفر نحو محطة الكبسولات فائقة السرعة، ومن هناك يصل إلى جدة خلال أقل من ربع ساعة.
الساعة 7:32 م، جدة
ما لهذا (العصام).. دوماً لا يلتزم بالمواعيد؟ قال لي سوف يكون هنا السابعة والنصف، والآن دقيقتان بعد وصوله ولم يصلني إشعار منه، أيضاً موقعه على نظام التتبع لا يظهر! ليس من المعقول أنه لا يزال في الكبسولة، حيث المجال المغناطسي يمنع موجات الاتصالات.
أعتقد أنه كعادته عطّل النظام، ليسترق بضع دقائق في جدة (البلد) حيث يعشق أن يتلذذ بلقمات من الأطباق الشعبية الحجازية التي اندثرت مع مرور الوقت.
الساعة 7:31 م. مكان غير محدد
لا أعرف ماذا حدث بعد أن انتصفنا في الرحلة تسارعت الكبسولة أكثر مما يجب، بدأت أحس بشيء من القصور الذاتي، حتى كدنا نسبح وسط الكبسولة رغم ربطنا حزام الأمان.. وفجأة توقف كل شيء وارتطمت المركبة بشدة على الأرض.
لحظات سكون وخوفٍ مرت لم يقطعها سوى أنين الركاب وذرات الغبار التي تسللت بتدرج، لم أتبيّن أين نحن، لم أكن أدرك أننا لم نُضع الطريق فحسب بل يبدو أننا في زمان مختلف!
دعوني أخبركم عن هذه الكبسولة نحن في العام 2117م ومنذ نضب النفط قبل عشرات السنين، عمل علماؤنا السعوديون على تطوير وسيلة تنقّل سريعة تعتمد على أنابيب منخفضة الضغط خالية من الهواء، تربط بين محطات بعيدة كالرياض وجدة والدمام، وبداخل هذه الكبسولة نحن الركاب وكذلك البضائع خفيفة الوزن، تُدفع بسرعة هائلة على وسادة هوائية مضغوطة بسبب وجود حقل مغناطسيي يولد طاقته من الألواح الشمسية، وبالتالي هي طاقة متجددة لا تنفد ولا تنتج غازات سامة أو طاقة سلبية.
المشكلة هنا أنه لا يوجد سائقٌ للكبسولة، فهي تُطلق من النقطة الأولى نحو المحطة النهائية دون تحكّم بشري، وها نحن عالقون وسط ما يبدو أنه صحراء قاحلة. بعد محاولات فاشلة استطعنا أن نكسر قفل السلامة ونفتح الباب لتلفحنا ريحٌ حَرور، وكأنما نحن وسط فرنٍ يعمل بطاقته القصوى، خرجنا نتلمس دربنا، نحاول إعادة تشغيل الشرائح المخفيّة وسط أجسادنا، ولكن لا حياة لمن تنادي، يبدو أننا فقدنا الاتصال بكل شيء.
بضع قوارير من الماء المصنّع وثلاث قطع بسكويت مملح هي كل ما يحمله ركاب الكبسولة معهم، ترفع تلك المرأة العجوز يديها وتصيح:
- لا بد أن نتحرك.. لا يمكن أن نبقى هنا.. سوف نموت من العطش.
يساندها الرجل ذو الكتف المكسورة.. بينما البقية يتمتمون فيما يبدو أنه تأييدٌ للخروج.
دقائق معدودة حتى كنا جميعاً نهيم وسط الصحراء، اتجهنا نحو مغرب الشمس، فطريق جدة منها، ونحن قطعنا أكثر من نصف الرحلة، فنحن إذن أقرب إليها من الرياض. لم أكن أتصوّر الصحراء بهذه القسوة، اعتدت مع أصدقائي الخروج إلى المنتزهات البرية، لم نكن نخرج إلا في فصل الشتاء، وإن فكرنا بالخروج صيفاً نذهب إلى المنتزه المغطى كاملاً جنوب المدينة.
رغم أن قرص الشمس يكاد أن يغيب إلا أن السموم الحارقة تستمر في ملاحقتنا، نحاول تلطيف الأجواء بالثرثرة عن الصحراء وخلواتها وقصصها الأسطورية رغم خطورة الموقف. لا أحد يعرف أين نحن، بعد ساعات من المشي المنهك، وخيبات السراب المتلاشي، يصيح الشاب مفتول العضلات:
- هناك...يبدو أنها (شبة ضو)..
- نعم.. ليست سراباً.. انظروا لتوهج النار.. وتراقصها.. إنها نارٌ حقيقية.
- هيا بنا.. ماذا ننتظر..
سرى الحماس فينا من جديد، النار ليست بعيدة والحياة غالية. ما أن اقترب الركب من الخيمة الوحيدة، حتى خرج منها شابان أشعثان أغبران، شعورهما طويلة ومُجدلة، ولا ينتعلان حذائيهما، على الفور رفعا بندقيتيهما العتيقتين نحونا، يبادرهم الرجل الذي لم يتحدث أبداً منذ سقوطنا بالاقتراب منهما، يرفع يديه ويقول:
- على هونكما، نحن من هنا...السلام عليكم..
يرد أحدهما: وعليكم السلام.. من أنتم؟
- نحن كنا في رحلة من الرياض إلى جدة وتعطلت مركبتنا
يحدج رفيقه، ثم يتساءل:
- هل أنت مرسال ابن سعود؟
يتعجب مثقفنا منهما، لكنه يرفق بهما:
- ابن سعود مَن؟ وأين نحن؟
- أنتم في (الحويّة) جنب الطائف.. قبل كم يوم تغلبنا على جيش الشريف وفيهم صبري باشا، ولاحقناهم حتى جبال الطائف.. ولنا أيام ننتظر رد ابن سعود.. ننزل على مكة أو نحرر جدة.
أتساءل، كما يتساءل الآخرون.. (لا يمكن حدوث ذلك) هل عدنا نحو الماضي، هل يمكن أن تسارع الكبسولة قذفنا في ثقف أسود، عاد بنا إلى العام 1924م، قبل تأسيس بلادنا بسنوات معدودة!
- من أنتم؟
يكرر الشاب سؤاله لنا، فنحن نتكلم نفس اللغة ولنا نفس الملامح أيضاً، ولكن ملابسنا ومظهرنا مختلفة تماماً، فكيف نشرح له ما الذي حدث؟ وأي تغيّر وتقدم حدث على أرض هذه البلاد؟
يقترب الرجل من الشابين، فهو الوحيد الذي يرتدي ثوباً، ما يجعله مقبولاً لديهما..
- اسمعا أيها الشابان.. نحن من عصر مختلف.. نحن وأنتما أبناء هذه الأرض، أنتم من ضحى بحياته لينعم أجدادنا، ثم نحن بالتقدم الذي نعيشه..
- هل أنتم من (الحجاز ونجد) أم من ملحقاتها؟
كدت أن أقول له إن الملك عبدالعزيز سوف يستشير بعد ثماني سنوات جمعاً من العلماء والوجهاء، ليعلن اسماً موحداً للبلاد التي أضحت أول قصة وحدة عربية ناجحة: المملكة العربية السعودية.
- نعم بعض منا من الحجاز وآخرون من نجد، كلنا كنا متجهين إلى جدة.
يجيب الرجل الحكيم، الذي يكمل:
- هل لنا بقليل من الماء.. فنحن عطشى ونحن نحتاج أن نرتاح.
لا يتردد الشابان بإحضار قربة الماء، ليقوما بصبها للجميع، رجالاً ونساء، أطفالاً وكباراً.
أتجرأ فأسألهما:
-ماذا تفعلان هنا لوحدكما؟
- نحن نحرس المنطقة من قطاع الطرق، قوافل ضيوف بيت الله يمرون منها، و(الحنشل) يقفون لهم بالمرصاد.
- لكنكم لم تفتحوا مكة حتى الآن؟
- وما المشكلة؟ سلطنة ابن سعود قامت على إعلاء كلمة الله وتحكيم شرعه، وأوله حفظ أرواح المسلمين.
أتأمل في سكون الصحراء هذا المكان الذي سوف يتحول بعد سنوات إلى مطار الطائف الإقليمي، حيث الطائرات تصله من كافة الأنحاء، المدينة التي سوف تتحوّل إلى مصيف شهير، ثم مركز للرياضات الجبيلة، وأفكر في جدة، التي أضحت إحدى أهم مدن التقنية والسياحة العلمية، أقلب ناظري بين هذين الشابين وبيني أنا الشاب الذي سوف أجيء بعدهما بعشرات السنين، لأنعم بخيرات لا يمكن لهما أن يتصورا وجودها.
لا يوجد في الخيمة سوى دلة بغدادية صغيرة، وأربعة فناجين متفاوتة الحجم والشكل، وبضع تمرات خشنة، وخيمة رثة لا تمنع الرياح ولا تصد أشعة الشمس.. آه.. أين نحن منهم.. فجأة وقد استسلم بعضنا لسنة من النوم، صيحات تتعالى من بعيد، يهب الشابان ويتحزمان:
- إنهم قطاع الطرق.. يبدو أنهم تتبعوا (جَرة) أثركم.. ويعتقدون أن معكم صيداً ثميناً..
دب الرعب فينا من جديد، هل هي النهاية هنا؟ نعود إلى الماضي لنقاسي آلامه.. ثم نموت هنا على يد مرتزقة يقتلون لأجل أي شيء مهما كان ضئيلاً..
يقترب قطاع الطرق، مجموعة من الرجال الأشداء على ظهور جمال تقترب نحونا بسرعة..
- هل لي بسلاح أقاتل به هؤلاء؟
يرد عليّ أحدهما وهو يستعجل ركوبه دابته
- لا يوجد سوى بندقية (أم خمس) فهل تعرف استخدامها؟
يقترب قطاع الطرق.. عددهم كبير.. النساء يصرخن، الأطفال يبكون تتعالى الصيحات. يطلقون النار في الهواء.. إحدى الطلقات تصيب المرأة العجوز، تكتم صرختها حتى لا تخيف من حولها، لكنهم يقتربون أكثر، يصيبون آخرين، يحاولون اختطاف إحدى البنات، يسقط أحد الشابين بطلقة استهدفت رأسه... أصرخ بهم... أستنجد.. آه..
الساعة 7:33م، جدة.
آه أنا سعودي.. دعوني أقاتل معكم.. وطني يستحق أن أبذل له نفسي...
- سيدي...
- سيدي...
أفيق فجأة ومضيفة الكبسولة فوق رأسي ومشرف المحطة معها، يحاولان إيقاظي مما يبدو أنه أسوأ كابوس مررت به..
إنها الساعة السابعة وثلاث وثلاثون دقيقة.. لقد تأخرت على (نزار)، حتماً شريحتي التحت مهادية تلوّنت من إشعارات تساؤلاته.. ها أنا قادم يا نزار... ها أنا قادم لنشكر ربنا على ما نحن فيه من خير وأمان وسلام.

عبدالرحمن سلطان السلطان - الرياض

 


خدمات المحتوى


تقييم
7.51/10 (14 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى