صحيفة جديد العرب الدولية
الخميس 21 سبتمبر 2017

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
ملفات وتقارير
السينما السعودية وقياس المسافة بالكيلومترات
السينما السعودية وقياس المسافة بالكيلومترات
03-09-17 10:49
د.محمد البشير: الأحساء
قدَّم المخرج عبدالله آل عياف فيلمه الأول (السينما 500 كلم) عام 2006م ببوستره المعبر المتمثل في لوحة تشير إلى ابتعاد السينما 500 كلم، ويد قابضة على جواز سفر، للدلالة على ضرورة اصطحاب جواز السفر للعبور نحو السينما. ويحكي الفيلم رحلة شاب سعودي يسعى للوصول إلى المشاهدة الحقيقية لفيلم في المكان المثالي لذلك (صالة سينما)، فيضطر لامتلاك جواز سفر حينها، والرحيل من الرياض إلى البحرين في مسافة تقدر بخمسمئة كيلو متر شرقاً للوصول إلى السينما لأول مرة في حياته.
لم يكن الفيلم وقتها سوى تسليط ضوء لمعاناة شريحة من المجتمع في تحقيق متعة متاحة يمارسونها يومياً عبر شاشتهم المنزلية، ويشقون لملامسة سقفها العالي في المكان المثالي للوصول إلى تلك المتعة في دار سينما!
هذه الشريحة لم تكتف بالفرجة السلبية، بل مارست حقها الإنساني والوطني لا لمشاهدة الأفلام وحسب، بل إلى صناعة أفلامها، والمشاركة في محافل خليجية وعربية وعالمية، ولفت أنظار العالم إلى الشباب السعودي القادر على صنع الفارق، والمشاركة في محافل كبرى، واقتناص جوائز رفيعة مقارنة بتواضع الإمكانات، فضلاً عن انطلاقهم من مغامرات فردية يرتفع فيها هامش الخسارة عند مقارنتها بالأعمال الجماعية المؤسسية، ولكن اللافت في الموضوع ما يمتلكه هؤلاء الشباب من فكر قادر على التعبير عن المواضيع الكبرى بلغة سينمائية متى ما تمكن من أدواته، وقلب الهامش لحصد نجاحات محفزة ومحرضة لفعل المزيد، وجذب أكبر عدد ممكن لخوض المغامرة.

المسافة
منذ عام 2006م والمسافة تقترب بهون عاماً بعد عام، ففيلم (السينما 500 كلم) حصد جائزة النخلة الذهبية عن فئة الأفلام التسجيلية في النسخة الأولى من مسابقة أفلام السعودية عام 2008م، لتكون المسابقة رابطة لتلاقي المهتمين بالسينما من السعوديين على أرض الحقيقة بعد أن جمعهم الفضاء الإلكتروني قبلها، ويأتي جيل شاب يقلص المسافة أكثر، ويزيد سواد المهتمين بعقول شابة من بنين وبنات، مقدمين من حيواتهم ما يمكن أن يُروى بعدساتهم، فالمعاناة من الحياة هي ما يستحق الرواية، فالحياة المبتلاة بالعناء -على حدِّ قول بول ريكور- هي حياة تُروى، لأن المعاناة يمكن اقتفاء أثرها فنياً، وتقديمها بقوالب معاصرة، وبلغة العصر المُعاش، فليس من الحياة أن تعيش عصراً يسبقك، وتخاطب الناس بلغة ليست لغتهم، ولذلك أصرَّ هؤلاء الشباب على الحديث بلسانهم، وعرض معاناتهم بأعينهم وعدساتهم، فعصر الصورة لا يأذن أبداً بالعودة للخلف، ولا يتيح الحديث بالحروف حين يكون للصور أفواه أبلغ وأفصح وأجدر بكل أذن أن تصغي إليها.

أصغر مخرج سعودي
في عام 2016م قدم المخرج الشاب محمد الهليل ذو التسعة عشر ربيعاً فيلم (ماطور) بعد تجارب مبكرة له، وحصد به النخلة الذهبية عن فئة أفلام الطلبة من مهرجان أفلام السعودية في نسخته الثالثة، وأكَّد الهليل استحقاقه في النسخة الرابعة من المهرجان عام 2017م عن ذات الفئة بعد أن اقتنص فيلمه (300 كلم) ثلاث نخلات ذهبية للمخرج، والفيلم، وبطله خالد صقر.
وتلك نتيجة حتمية لاشتغاله الجاد، واستمراره في تجويد عمله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وحرصه على فريق عمل يضيف إلى قدراته، وبذلك فاز الفيلم ابتداء بتتويج مخرجه، وتأكيداً بتفضيل بطله، فلم يعد المخرج الأصغر سعودياً، بل كبر بقدر إنجازاته، وأثبت أن العمر بعدد المنجزات، ولم يتشبث بصغر السن، فذلك الأمر لا يدوم، في ظل إقبال الكثير لخوض غمار التجربة، وسهولة التنفيذ بفعل التقنية، وقدرة الجميع على صنع أفلامهم، حتى بهواتفهم الذكية!

الانطلاق من الكاميرا
يعتمد فيلم (300 كلم) على أسلوب تقنية التصوير، وانطلق المخرج الهليل من ذلك لتنفيذ فكرته، فهذا الأمر مقبول في استلهام فكرة يراها المخرج من خلال مخزونه البصري، واتساع دائرة مشاهدته، فتأسره فكرة يعمل عليها بجدية، وينسج لها حلة تناسبها، ولذلك فلا غرو حين يكون من فريقه يعقوب المرزوق من يُقدم ورشاً بعنوان (اصنع فيلماً يشبهك)، مستعيناً به في المونتاج والإشراف الفني، ولذلك ألبس المخرج الفكرة ثوباً يشبهنا عند مقارنة الفيلم بما سبقه من أفلام، واختار تلك الفكرة دون سواها لحاجتنا لأفلام تشبهنا، ووجد أن خير ما يمثلنا، الانطلاق من الكاميرا، فهي الأصدق دوماً متى ما أردنا ذلك، وما أحوجنا لمرايا نرى فيها ذواتنا، ولا ريب حين يفتش المجتمع عن تلك المرايا، ينطلق من كاميرته ابتداء، متشبثاً بها حَدَّ الحبس.

الحبس
استثمر الفيلم تقنية حبس الكاميرا داخل السيارة، وتصوير كامل الأحداث من الداخل، وتلك تقنية تم تنفيذها من قبل في فيلم الإثارة (المركبة 19) عام 2013م على سبيل المثال، وفيلمين إيرانيين قبله وبعده، أولهما فيلم (10) عام 2002م للمخرج الإيراني عباس كيارستمي، والآخر (تاكسي) عام 2015م لجعفر بناهي، وفي كلتا التجربتين الإيرانيتين تأتي النتائج تشبه أهلها، فحين انطلق بناهي على سبيل المثال من معاناته بالإقامة الجبرية وتقييد كاميرته، عبَّر بعدستها مصوِّراً سراً نبض الشارع، ومترجماً في صور متعددة ما يريد تبليغه، انتهاء بخروجه من السيارة وسرقتها، في تعبير أبلغ ما يكون لكاميرا المبدع.
جاء محمد الهليل بعدها، ليحبس كاميرته معبراً عن كثير من صور حبس الذات في شخصية خالد، فالشماغ المحبوس في داخل السيارة -والذي لم يلبسه إلا بداية رحلته بمعية جارته- علامة للتقييد المظهري الذي يمكن للواحد أن يجعله في سيارته، ويرتديه متى ما لزم الأمر، ويخلعه متى ما ملَّ منه، وكذلك جواله الذي حبسه في السيارة ليمارس نغمته الغريبة، وتكرار اتصال والدته ليعود مجيباً لها، وتلك صورة من صور الغياب الذي لا يطول، والعودة للامتثال الطوعي، بل تحرير المهملات الملقاة عبثاً في السيارة من الحبس، وتحريرها بكوميديا ساخرة في محطة البنزين، ولحظة التحول التي أخرج فيها العطر محاولاً تبديل الرائحة لاستقبال الراكبة الجديدة، كلها أنماط يائسة للخلاص من النسق الذي لا غنى من العودة إليه متى ما تمكن من شرب سيجارة على سبيل المثال.
ويأتي الباب بسطوته حابساً عباءة المرأة خارجه، وناقضاً مفهوم الحبس، ليكون الحبس وقتها لمن هو في الخارج، بل إساءة الفهم حَدَّ التأهب للشجار قبل معرفة الحقيقة، فكل ما سلف صور من الحبس أبلغ ما تكون للتعبير عنها بهذه التقنية التصويرية.

الصمت
يعتمد الفيلم الصمت عنصراً رئيساً في الحوار الذي كتبه المخرج بمساعدة (نورة المولد)، منحازاً للرجل في الحوار للتعبير عن الصورة الحقيقية التي تشبهنا، مع مناقضتها للشائع الذي يكرس كثرة كلام المرأة مقارنة بالرجل، ولكنها الحقيقة التي تبني حاجز الصمت بين الجنسين على غرار حاجز الستار بينهما في رحلة مشابهة، وحينها لا يكون للمرأة أي جملة للتعبير سوى (يعطيك العافية) تعبيراً عن شكرها له حين أحضر لها وجبة من بوفية متواضعة على الطريق، والصراخ باسمه (خالد) لتنبيهه حين غفت عينه، والإجابة بوجود إثباتها عند الاقتراب من التفتيش.
الفيلم يُخرج خالداً متحدثاً عفوياً لا يخلو حديثه من طرائف لا تفسد الحوار، ويظل الصمت الذي تترجمه المقاطع القصيرة نسبياً مقارنة بالمسافة 300كلم، مُعبِّراً بأمانة عن علو الحاجز الذي لا يخدشه سوى بكاء الطفل الذي تحاول أمه عبثاً أن تسكته، فتنجح تارة وتخفق أخرى، ولا يظهر الإسكات إلا حين يقتضي الأمر ذلك، فالشرطي حين يسأل خالداً عن الفتاة التي معه، يحاول خالد أن يجيبه بالحقيقة الساذجة عن تفاصيل علاقتهما من خلال أمه التي تعرف أمها، عندها يشير إليه الشرطي بأن (تَوَقَّف جانباً) بإيماءة من الشرطي للتعبير عن إسكاته، والكف عن الحديث، فينزل خالد متجها إليه، فينقطع سماعنا لما دار بينهما، لأن الكاميرا المحبوسة تظل أمينة لا تتسلل لما لا تستطيع بلوغه، فيعود ثانية لتسأله الفتاة بقلق (وش صار؟) فيجيب أن كل الأمور مرت بسلام، مستغرباً كيف استطاع الخلاص منه بابتسامة؟!

الألوان
في عام 2005م قدّم محمد بازيد فيلمه (القطعة الأخيرة) بلونين (الأبيض والأسود)، ومن طريف القول إن أحد الصحافيين تساءل في جلسة حوارية حول الفيلم عن أثر ضعف ميزانية الفيلم على الألوان؟! بالطبع لا يمكن إقحام جَمَل من ثقب إبرة، إلا أن يكون الأمر دون وعي، ولذا كان المبرر الحقيقي للاستخدام أن محمد بازيد في هذا الفيلم على نسق شابلن المبرر بحذف الألوان، وعلى ذلك يقاس فيلم (نص دجاجة) لعبدالله أحمد عام 2013م على ذات النسق، ولم يكن استحضار تلك الحادثة سوى طرفة تُساق في هذا المقام، وإلا فالحديث عن فيلم (القطعة الأخيرة) و(نص دجاجة) في سياق المسافة يمكن لي عنقهما تعسفاً في التعبير عن الرحلة مثلاً لتكون القطعة الأخيرة التي عقبها فيلم (السينما 500 كلم) تمثل المسافة المقدرة بالقطعة الأخيرة، وأما (نص دجاجة) فتمثل الـ(250 كيلومتر)، والقفز بذلك إلى إنقاص 10 % بعد فيلم (300 كلم) عند القياس على (500 كلم) التي تركها عبدالله آل عياف، وكل ذلك من التأويلات التي لا يمكن تمريرها إطلاقاً كربط الميزانية بالألوان حتماً.
لذلك جاءت تلك الحادثة لمحاولة تبرير اعتماد فيلم (300 كلم) على التصوير بالأسود والأبيض مستغنياً عن التلوين، فهل في ذلك عودة مقصودة للتعبير عن الثنائية دون تشتيت؟! ربما، فالعلاقة بين الرجل والمرأة لونان لا ثالث لهما، والفيلم ينقل معاناة تنحاز للحدث، ولذلك انحاز الفيلم في تصويره على أفضل الطرق لنقل الرحلة بحياد، وذلك بالتصوير دون ألوان، وتركيز المشاهد على الحدث ولا شيء سوى ذلك، فالرجل يقود سيارته في رحلة لا يد له فيها، يتم توجيهه من قبل الأنثى والدته، ليوصل أنثى أخرى تتمثل في ابنة جيرانهم التي لا تربطه بها أية صلة سوى الجوار، وفي المقابل هي أيضاً تقاسمه القدر حين لا تملك سبيلاً للرحلة إلا برفقة رجل لا تعرفه، فتضطر للركوب معه في بيئة ملوثة بالدخان بصحبة صغيرها الذي ربما يمثل جواز عبور لها، ولا تملك من أمرها سوى الإشارة اللاإرادية بسعالها ليتوقف خالد عن التدخين.
إنها الإشارة الجديدة في اللاجديد، الإشارة بثنائية اللون الأوفى للتعبير عن المعاناة، فحين يتسلط الضوء على لونين لا ثالث لهما، تتضح الألوان بدقة، ويمتاز الأبيض عن الأسود، ويظهر السواد دون بهرجة لونية، ولذلك لا بأس أن يخرج فيلم في هذا العصر المكتظ بالألوان، ليكون بلونين! لونين معبرين عن كل الثنائيات الممكنة، فالأبيض والأسود ماكران في عالم الألوان، فـ(ليوناردو ديفينشي) لا يعدّهما من الألوان، وإنما يرى الأسود ظلمة غارقة في الغياب، والأبيض نوراً مبشراً بولادة لونية، وما بين الحالتين لا يمكن الاستغناء عن الأسود والأبيض، فالفن كل الفن ما هو إلا ظلال ونور في ثنائية تعيدنا إلى بداية الدائرة التي لا نعلم من أين ابتدأناها، فلا جديد في السينما منذ الرحلة إلى السينما عام 2005م سوى العبور بالبطاقة الوطنية التي تحمل اللونين.

الخطيئة
يظهر الفيلم خالد في صورة من الحياد لسلوك شاب يُستثار، فيستجيب بإخراج (العجرة)، ويعود ثانية متى ما اتضح له الأمر، فأكبر خطاياه تدخين سيجارة لا يؤذي بها سوى نفسه، ولا يتعدى أذاها إلى غيره، ومتى ما اتضح له ذلك الأذى، توقف مباشرة كما حدث بعد سعال الفتاة، بل ذلك ما يراه اقترفه حين سأله الشرطي عن مخالفته لقواعد السير، وتسجيل مخالفة بسبب تجاوز السرعة والاتصال بالجوال من خلال رصد الكاميرات! ليجيب بأنه لم يسرع إطلاقاً، ولا يتذكر أنه تكلم بالهاتف، وإن كان فلمكالمة عارضة ضرورية، بل أقحم خالد التدخين في الأمر، ليخبره دون مبرر بأن كل ما اقترفه أنه دخَّن في الطريق إن كانت تلك خطيئة مسجلة!

محاولة الخروج
انتهى الفيلم بالتصوير من الخارج في كسر للقاعدة التي اتخذها حين اعتمد التصوير من داخل السيارة كامل الفيلم، ليستثني ذلك في المشهد الأخير عند نزول المرأة إلى المكان الذي تريده، وفي تلك بارقة فأل ترقبت فيها عودة الألوان إلا أن المفاجأة مثلت في غيابها، فلم تعد الألوان! وإنما في أسلوب مُضلِّل خرجت الكاميرا لتصور خالد وجارته التي لم يرد اسمها إطلاقاً، لتبدي الكاميرا لأول مرة صورتهما من خارج محيطها المسموح به، وبأسلوب تقني يعود المشهد لمواصلة التصوير من ذات السيارة مرة أخرى! لتظهر المفاجأة بأن يبتلع المشاهد طُعم الخدعة بالخروج.
إنه الوهم الذي لا يطول كثيراً، فهو أشبه ما يكون بحبس العباءة في الخارج، وعودتها ثانية إلى محيطها بالداخل عند أول نداء للتنبيه والتحذير، ليعود إلى محيطه ثانية، ويظل اللونان/اللالونان هما اللاعبان، ويتأهب خالد للعودة ثانية، فالـ(300 كلم) كانت باتجاه الغرب، والعودة إن أردناها ثانية للشرق ستعيدنا لنقطة البداية التي انطلق منها عبدالله آل عياف، وعلى خالد حينها العودة وحيداً، دون أن يرافقه أحد، وفي ذلك فضيلة يترقبها، وهي التدخين دون أن يسمع سعال أحد سواه، وحينها ستكون المسافة بين مد وجزر واقتراب من الوصول ثم العودة، فما تزال المحاولات لتحفيز صناع الأفلام السعوديين خجولة لإعطاء الحق المشروع لصُنَّاع الأفلام بعرض ما نحن أحوج إليه منهم، فمهرجان الأفلام السعودية في دوراته الأربع، ومسابقة الأفلام القصيرة وما يصاحبها من ليال للأفلام بمركز الملك فهد الثقافي، وغيرها من محاولات لجهات متعددة؛ لاتزال تثبت أن المسافة بيننا والسينما الحقيقية (500 كلم) حتى إشعار آخر.

 


خدمات المحتوى


تقييم
8.75/10 (4 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى