صحيفة جديد العرب الدولية
السبت 18 نوفمبر 2017

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
ملفات وتقارير
من المجاز إلى الحجاز مع البلوي حينما حج وزار وطرح الأوزار
من المجاز إلى الحجاز مع البلوي حينما حج وزار وطرح الأوزار
03-09-17 10:45
د.خالد عبدالكريم البكر: الرياض
كان الحج إلى مكة والحنين إلى مهبط الوحي والارتواء من معين الينابيع الإسلامية والأخذ عن علماء الإسلام المشهورين؛ سبباً في تأصل فن الرحلات عند المسلمين، وقد جرى تفريع هذا الفن العلمي إلى رحلات جغرافية ورحلات أدبية، وإلى النوع الثاني تنتمي رحلة خالد بن عيسى البلوي الأندلسي التي بدأها سنة (763هـ)، حين عبر المجاز من المريّة -الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي للأندلس- إلى تلمسان في شمال أفريقيا.
نزع خالد بن عيسى البلوي (ت 780هـ / 1387م) في رحلته إلى بلاد الحرمين الشريفين نحو: (ضبط موارد الرحلة الحجازية، وذكر معاهد الوجهة المشرقية.. مع ذكر بعض الشيوخ من العلماء الفضلاء الذين يطؤون ذيول البلاغة، ويجرون فضول البراعة) فقيّد رحلته في كتاب جامع بين التوثيق العلمي والوصف الجغرافي، وأسماه: (تاجُ المَفْرق في تحلية علماء المشرق).
كابد البلوي مشقّة اعتاد المسافرون –في الغالب- على مكابدتها، فقد عطب مركبهم أثناء جوازه قرب ساحل تونس، وغمرت المياه سفينتهم، وأوشك على الغرق، لولا أن الله أنعم عليه –كما قال- بمعرفة السباحة والعوم، فأقام في تونس مدة، ثم خرج منها في ربيع الآخر من عام (737هـ) في سفينة مؤلفة من طوابق، وقد استقلها معه ألف مسافر تقريباً. تحركت سفينتهم باتجاه جزر البحر المتوسط الشرقية، فوصلوا جزيرة (قوصرة) ثم (مالطة) فـ(كريت)، وحينما غادروها عصفت بهم الرياح وتعالت الأمواج، فبادر الناس إلى طرح أمتعتهم في البحر، ولم يزل أولئك المسافرون بين الخوف والرجاء حتى ظهر لهم على البعد منار الإسكندرية، فضجوا بالدعاء والبكاء.
وصل البلوي المدينة المنورة في ذي القعدة من عام (737هـ)، وقد ترجّل عن راحلته عند دخوله المدينة إعظاماً لها، وعدّ ذلك من آداب الزيارة، واستشهد بأبيات في هذا المعنى، وهي:
رُفع الحجاب لنا فلاح لناظري
قمرٌ تقطّع دونه الأوهام
وإذا المُطيّ بنا بلغنَ محمدا
فظهورهن على الرِحال حرام
قرّبننا من خير من وَطئ الثرى
فلها علينا حُرْمة وذِمام
عبّر البلوي عن مشاعره حين وقف أمام الروضة الشريفة، بقوله: (استعظمنا الإقدام على المقام، وعجزنا عن أداء ما يجب من السلام، فعبّرت العبرات عن الكلام، ووقفنا بين يدي ساكنه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فيا لها تحية أرق من النسيم إذا سرى، وسلاماً أندى على الأكباد من قطر الندى)، ثم أخذ يسرح ببصره في أنحاء المسجد النبوي ويتأمل معالمه، فحدد موقع الروضة الشريفة في الناحية الجنوبية الشرقية من المسجد، ولاحظ أمامها وجود قناديل معلقة من الذهب والفضة، توقد بالشمع في كل ليلة، أما المنبر فيتكون من خشب الأبنوس والصندل الأحمر والأصفر والبقس والبقم، وأنواع أخرى من الخشب، وبحسّه الأدبي؛ لاحظ البلوي قصيدة مكتوبة بخط مُذهب في سقف المسجد النبوي، مطلعها:
سلامٌ كنشر الورد من مسقط الندى
عليك رسول الله يا منزل الهدى
ويا مهبط الأملاك والوحي لم تزل
أنيساً بزوراء الرسول مُمجدا
ويا بيته حيّاً ومثواه ميتاً
لك الفخر في حاليك بيتاً ومشهدا
وجاء فيها أيضاً:
سقى الله منك الترب أفضل ما سقى
وصلى على من حلّ فيك مُوسدا
فيا منزل الأبرار حُيّيت منزلا
ويا مسجد الأبرار شُرّفت مسجدا
كأني أرى صحب النبي محمد
بأرجائك انبثوا ركوعاً وسُجدا
ثم اتجه إلى تقييد مشاهداته عن معالم المسجد النبوي، فأشار إلى أن وسط المسجد مفروشٌ بالحصى والرمل، وتعلو صحنه قبةٌ بيضاء كبيرة، الجزء الأسفل من جدارها مكسو بالرخام المُجزع، والجزء الأعلى منه مُلبسٌ بالذهب وقد نقشت عليه صور أشجار مختلفة، واسترعى انتباهه وجود خزانتين كبيرتين للكتب والمصاحف الموقوفة على المسجد النبوي، وهما في الجانب الشرقي منه، ثم ذكر أن للمسجد النبوي أربعة صوامع (مآذن) وتسعة عشر باباً أغلقت جميعها -ربما للترميم والصيانة- عدا أربعة أبواب، اثنان منها في الغرب وهما: باب الرحمة وباب الخشية، واثنان في الشرق وهما باب جبريل وباب الرجاء، وأمام باب الرحمة في الجهة الغربية من المسجد النبوي توجد مدرسة جيدة للبناء، وأحسبُ أن هذه هي المرة الأولى التي تشير فيها الرحلات إلى مدارس للتعليم في الحجاز.
غادر البلوي المدينة المنورة في الثالث والعشرين من ذي القعدة من عام (737هـ) متوجهاً إلى مكة، فسلك طريق ذي الحليفة، فوادي الصفراء، فبدر، ومنها إلى الجُحفة، ثم خليص، فبطن مرو، حتى دخل مكة في الخامس من ذي الحجة، بعد أن استغرقت رحلته بين المدينتين المقدستين اثني عشر يوماً، ومن الواضح أن قافلته لم تغذ السير خلالها، وإنما كانت تتمهل في مراحل الطريق، بدليل أنهم عندما نزلوا بدراً وقفوا على مشاهد شهداء بدر.
وصف البلوي جانباً من أعمال الحج، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة (يوم التروية) حيث أشار إلى ازدحام الناس في منى وتزيين الإبل بقلائد الذهب وأستار الديباج. أما في مزدلفة فقد كان ليلها مُضاء بالشموع، وكانت وفود خراسان والعراق والشام تتنافس فيما بينها بجلب هذه الشموع وإيقادها في ليالي الموسم.
وتُعقد بمنى سوقٌ موسمية أيام التشريق، وهي من أعظم الأسواق إذ يُعرض فيها الجواهر والياقوت والمسك والكافور والعنبر والعود والعقاقير الهندية، وتلك بضائعٌ مجلوبة من الهند والحبشة، أما الفاكهة والمِيرة وسائر أنواع الحبوب والسمن والعسل واللوز والزبيب الأسود والأحمر فمجلوبة من اليمن، علاوة على صنوف شتى من السلع الواردة من العراق وخراسان والمغرب الإسلامي.
لقد حاول البلوي أن يقدم شيئاً عن عمارة المسجد الحرام في وقته، فأحصى أبواب المسجد فوجدها أربعين باباً، ثم أشار إلى أن صحن الطواف مفروشٌ بالرخام، بينما وضع الرمل الأبيض في سائر أروقة المسجد الحرام. وأبدى عناية ملحوظة ببعض المعالم التاريخية بمكة، فذكر منها: دار الخيزران (وهي دار الأرقم بن أبي الأرقم، وقد اشترتها الخيزران والدة الخليفة هارون الرشيد) وتقع بإزاء الصفا، وهي عبارة عن بيت من الحجر تعلوه صخرةٌ يقال إن بلالاً رضي الله عنه رفع الأذان فوقها. ومن هذه المعالم أيضاً؛ دار خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وهي تتكون من ثلاثة أماكن هي: موضع ولادة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وقبة الوحي، والمُختبى وهو عبارة عن مقعد في الأرض يشبه الحفرة، داخلة في الجدار قليلاً، ويظللها من أعلى حجر، قيل إنه الحجر الذي غطى النبي صلى الله عليه وسلـم عند اختبائه في الموضع، أما موضع ولادة النبي صلى الله عليه وسلـم فقد اتخذ الناس فيه مسجداً جيد البناء، معظم جدرانه مُلبسة بالذهب.
هذا؛ وقد أشار البلوي إلى وجود الأربطة بمكة، فذكر منها: رباط جبل أبي قبيس، ويقع في أعلى الجبل شرقي المسجد الحرام، وبداخله مسجد.
تلكم كانت خلاصة ما قدّمه البلوي من ملحوظات أثناء زيارته لمكة والمدينة في القرن الثامن الهجري، مزج فيها مشاهداته بمسموعاته، وزاوج فيها بين أحاسيسه ومعلوماته.

 


خدمات المحتوى


تقييم
9.00/10 (2 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى