صحيفة جديد العرب الدولية
السبت 18 نوفمبر 2017

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
ملفات وتقارير
الحج في أدبيات الرحالة والأدباء والمؤرخين
الحج في أدبيات الرحالة والأدباء والمؤرخين
03-09-17 10:43
أحمد أبو زيد: مصر
تظل مناسك الحج والمشاعر المقدسة بمكة المكرمة والمدينة المنورة؛ مصدر إلهام للعديد من الرحالة والأدباء والمؤرخين على مر العصور، إذ جاشت قلوبهم وتفتحت عقولهم وساح فكرهم في تلك المواطن الكريمة، فكتبوا عنها أروع ما خطته أقلامهم من إبداعات امتلأت بها كتبهم ورحلاتهم.
ونحن هنا أمام كوكبة من هؤلاء الرحالة والأدباء والمؤرخين، رحلوا إلى الحجاز في أزمنة مختلفة، منها ما كان قديماً قبل قيام الدولة السعودية على يد الملك عبدالعزيز آل سعود -يرحمه الله، ومنها ما كان خلال القرن العشرين في ظل تلك الدولة التي أحدثت طفرة حضارية كبيرة في وسائل المواصلات والأمن، وكل ما يخص الحجاج والمعتمرين منذ دخولهم أرض الحجاز وحتى عودتهم إلى ديارهم.
وقد كان لكل هؤلاء أدبياتهم حول الحج والمناسك الكريمة، تبرز في معظمها مكانة هذه البقاع في قلوب المسلمين، ومدى ما يحملونه لها من حب وعشق.


بيرتون ورحلة الحجاز
الرحالة المستشرق الإيرلندي رتشارد بيرتون الذي هداه الله إلى الإسلام؛ قام برحلة إلى الحج منذ أكثر من 150 عاماً، وبالتحديد عام 1269هـ - 1853م؛ سجل تفاصيلها في كتاب (رحلة بيرتون إلى مصر والحجاز). نجده يتعرض فيها لدخوله مكة، وأول زيارة له لبيت الله الحرام، والأحاسيس التي انتابته وهو يؤدي مناسك الحج، ويطوف حول الكعبة، ويقف بعرفة، وشعائر يوم التروية ويوم النحر وأيام التشريق، كما يتعرض للحياة في مكة، والأماكن التي يقصدها الزائرون.
ويذكر بيرتون أن للكعبة المشرفة بريقها الوجداني الخاص الذي لا يمكن مقارنته بأي بناء معماري فرعوني أو يوناني. ولاحظ المؤمنين المتعلقين بأستار الكعبة وبكاءهم، كما تحدث عن مشاعره باعتباره حاجاً وصل من أقصى الغرب الأوروبي، فقد شعر بالسعادة الغامرة، وهو في وسط هذا الجمع الكبير من المسلمين الذين يؤدون مناسك واحدة بصورة واحدة وفي وقت مخصوص.


جاذبية الكعبة
ويعبر بيرتون عن مشاعره عندما يرى الكعبة لأول مرة بعد رحلة شاقة عبر الصحراء؛ فيقول وقد وصل إلى الكعبة: (أخيراً تحقق هدف آمالي ومخططاتي التي استغرقت أعواماً كثيرة، وهدف رحلتي الطويلة الشاقة لأداء الحج، ولا شك أن الوسط السرابي والوجد الديني يعطيان لهذا المبنى -يقصد الكعبة- وما عليه من ستارة كالطيلسان؛ جاذبية خاصة. فالكعبة المشرفة لا تمثل أثراً عملاقاً أشيب كما في مصر، ولا أثراً يتسم بالتناسق والجاذبية الفنية كما في اليونان وإيطاليا، ولا أثراً يتسم بالروعة البربرية كما في مباني الهند؛ لقد كان منظر الكعبة غريباً متفرداً، وقليلون هم الذين وضعوا المبنى في اعتبارهم عند النظر إليها.
إن أجنحة الملائكة، لا نسائم الصباح؛ هي التي تحرك أستار الكعبة السوداء، إن المشاعر الدينية الفياضة والمتحمسة تؤدي لهذا التصور، أما بالنسبة لي فقد أحسست بانجذاب صوفي وإحساس بالرضا).
ثم يتحدث واصفاً اصطفاف المسلمين حول الكعبة لأداء الصلاة، فيقول في كتابه: (لقد رأيت شعائر دينية في بقاع كثيرة؛ ولكني لم أرَ أبداً ما هو أكثر وقاراً وتأثيراً مما رأيته هنا). ثم يقارن بين المناسك في مكة والمناسك في ديانات أخرى فيقول: (وهنا -أي في مكة المكرمة- لا نرى على أية حال خداعاً غبياً بادعاء هبوط نار سماوية، إننا لا نرى في مكة شيئاً مسرحياً مصطنعاً؛ بل كل شيء هنا بسيط ومؤثر ويملأ العقل بخشية الله).


بيتس وحماس الحجيج
في سنة 1097هـ - 1685م؛ وصل إلى الحجاز الرحالة البريطاني (جورج بيتس)، وتم أسره في بداية رحلته، وصحبه سيده إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، وسمي بـ(الحاج يوسف)، وبعد عودته من الحج نال حريته وعاد لموطنه ليدون ذكرياته عن بلاد الحجاز.
وقد سجل حماس الحجاج وبكاءهم لدى رؤية الكعبة، وأعجب بالعدد الكبير من حمام المسجد الحرام، والذي لا يجرؤ أحد على صيده، ودخل جوف الكعبة مرتين، ولاحظ أن المسلم الذي يدخل إلى الكعبة يقوم بصلاة ركعتين في كل ركن من أركانها بخشوع كامل واستغراق شديد.
كما كتب عن غسل الكعبة بماء زمزم وكيف يتزاحم الناس لتلقي ماء الغسل تبركاً به، ولاحظ أنه كان يجري تكسير المقشات والمكانس التي ينظف بها بيت الله الحرام وتنثر فوق رؤوس الحجاج بحيث يحتفظ كل حاج بجزء منها لتذكره فيما بعد بعملية تنظيف الكعبة.


وصول الكسوة المشرفة
ورصد بيتس أيضاً وصول كسوة الكعبة المشرفة من مصر إلى مكة، وقال إن الناس يبكون من الفرحة عند استقبالها، ويقوم بعض الناس بتقبيل كل جزء من الكعبة ثم يمسحون وجوههم، وذكر أن شريف مكة المكرمة ينزع الكسوة القديمة ويقوم ببيع أجزائها للحجاج المتلهفين على الاحتفاظ بتلك القطع النسيجية المقدسة والعودة بها إلى بلادهم. ووصف الحجاج قائلاً: (مشهد يخلب اللب أن ترى هذه الآلاف المؤلفة في لباس التواضع والتجرد من ملذات الدنيا، برؤوسهم العارية وقد بللت الدموع وجناتهم، وأن تسمع تضرعاتهم طالبين الغفران والصفح لبدء حياة جديدة).


فليبي وعجائب الحجاز
ومع رحالة آخر وهو المستشرق البريطاني (هاري فيلبي) الذي رحل إلى الشرق الأوسط أثناء الحرب العالمية الأولى، وقدم إلى الجزيرة العربية في مهمة رسمية تابعة لوزارة الخارجية البريطانية، فكانت هذه الرحلة الرسمية بداية لتغيير مجرى حياته كلها، فعندما التقى بالملك عبدالعزير آل سعود -يرحمه الله- وتعامل معه عن قرب، انبهر بشخصيته العظيمة وسياسته الحكيمة، وأحب العرب والإسلام، وأقبل على دراسته عن قرب، ثم أعلن إسلامه عام 1930م، واختار لنفسه اسم (عبدالله فيلبي)، وأدى فريضة الحج في موكب الملك عبدالعزيز عام 1931م، وتواصلت علاقة الاحترام المتبادل والصداقة بين الملك عبدالعزيز وفيلبي سنوات طويلة بعد ذلك، حيث عمل طوال ما يقرب من ثلاثين عاماً مستشاراً للملك عبدالعزير.
وفي كتابه (حاج في الجزيرة العربية) سجل عجائب رحلته للحج، يقول: (رأيت حجاجاً أمضوا سنوات عديدة منذ مغادرة بلادهم لأداء الحج، فهذا رجل وزوجته أبلغاني أنهما بدءا رحلتهما ومعهما طفل واحد فصارت بعد 14 سنة في المشعر أسرة من 6 أشخاص، وهذا آخر ادعى أن عمره 120 سنة، قضى ما لا يقل عن 70 منها في طريقه من لاغوس لأداء الحج واستثمرها في تلقي العلوم حيثما مر).


خمسون ألف جمل للنفرة
ويتحدث فيلبي في كتابه عن النفرة من عرفة، فيقول: (وما إن غربت الشمس حتى بدأ الموكب العظيم في النفرة، وحسب علمي ما من كاتب وصف النفرة من عرفات: فعندما تحركت في ركب الملك وأدرت لحظي في المنظر: كان منظر الجمال هو الذي راعني ففي الوادي الفسيح كله كانت صفوف الجمال وفيالقها هي التي استرعت انتباهي، لابد أن هناك ما لا يقل عن 50000 جمل كلها سائرة إلى الأمام في خطواتها السريعة الصامتة التي تميزت بها وسيلة النقل الرئيسة في الجزيرة العربية، وما إن ازداد الغسق، وارتفع الغبار من حفيف الأخفاف حتى بدأت فيالقنا تفقد واقعيتها وتبدو كأنها جنود البشائر السماوية تتحرك بصمت وخفة في الضوء الخافت المعلق الآتي من القمر من فوقنا ومعه المريخ والمشتري).


تنظيم الحج
ويشيد فيلبي بالتنظيم الذي شهده الحج في العهد السعودي؛ فيقول: (هذا الحج المكي المنظم تنظيماً حديثاً في ظل الحكم السعودي الحالي، هو في واقع الأمر دليل على ذلك النجاح الكبير الذي تحقق في هذا الصدد. على كل حال، فإن الحج آمن ومريح ويسوده الرضا والقناعة، ومزود تزويداً طيباً بالماء والعناية الطبية، وخال من المضايقات والمنغصات).
ثم يقول: (إن الأسلوب المنظم الذي كان عليه الحج المكي في ظل حكم الملك عبدالعزيز كان بحق شاهداً على قدر كبير من النجاح أمكن تحقيقه، فالحاج آمن على أي حال، في راحة، ورضا لوفرة تامة من الماء والعناية الصحية، وهو محرر من أية رعاية باهظة أو ابتزاز في ظل حكومة تؤمن إيماناً راسخاً بأن الإنسان لا يموت إلا بإرادة الله، وفعلت الكثير والكثير عن الحكومات السابقة من أجل خفض معدل الوفيات بين الحجاج).


الزيات ومشاعر الحجيج
وعندما تقف عند أدبيات الحج ومشاعره عند المفكر والأديب أحمد حسن الزيات؛ نجده قد صاغ مشاعره حول هذه الفريضة التي أداها أكثر من مرة، ووصف الحج وشعائره وصفاً أدبياً بليغاً، وكان ذلك في فترة خضوع معظم دول العالم الإسلامي للاستعمار الغربي، سواء الإنجليزي أو الفرنسي أو الإيطالي.
ففي أدبياته حول الحج يقول: (أذن هلال ذي الحجة في المسلمين بالحج؛ فأتوا بيت الله من كل فج عميق، ومن كل قطر سحيق، رجالاً وعلى كل ضامر، وفوق كل عائم وطائر، ليشهدوا المؤتمر الإسلامي الإلهي الذي فرض الله شهوده على كل مسلم مرة في العمر، ليؤلف القلوب في ذات الله، ويؤاخي الشعوب في نسب الحق، ويستعرض علائق الناس في كل عام فيوشجها بالإحسان، ويوثقها بالتضامن).


الحج مطهر الدنيا
ويستطرد الزيات: (كان الحج ولا يزال مطهر الدنيا، يدحض عن جوهرها أوزار الشهوات وأوضار المادة.. وكان الحج ولا يزال ينبوع السلامة، تبرد عليه الأكباد الصادية، وترفه لديه الأعصاب المرهقة.. وكان الحج ولا يزال مثابة الأمن، تأنس فيه الروح إلى موطن الإلهام، ويسكن الوجدان إلى منشأ العقيدة، وينبسط الشعور بذلك الإشراق الإلهي في هذه الأرض السماوية).
وفي هذا الفيض من الشعور يسترسل الزيات في حديثه الأدبي الرائع عن الحج وأثره في النفوس، قائلاً: (إن في كل بقعة من بقاع الحجاز أثراً للفداء ورمزاً للبطولة، فالحج إليها إيحاء بالعزة، وحفز إلى السمو، وحث على التحرر، وتذكير بالوحدة).
ويقول: (إن في حج البيت، زمناً بعد زمن، إعلاء لشأن الملة، وإغراء بأداء الفريضة، وسعياً لجمع الكلمة، وسبيلاً إلى عموم الوحدة. وإن البيت العتيق الذي انبثق منه النور، ونزل من سمائه الفرقان، وانتظم عليه الشمل؛ لا يزال مناراً للأمة، ومثاراً للهمة، ومشرق الأمل الباسم بالعصر الجديد والمستقبل السعيد).
وفي تصوير أدبي عن عرفات يقول: (وكان الحج ولا يزال موعد المسلمين في أقطار الأرض، على عرفات يتصافون على الوداد، ويتآلفون على البعاد، ويقفون سواسية أمام الله حاسري الرؤوس، خاشعي النفوس، يرفعون إليه دعوات واحدة في كلمات واحدة، تصعد بها الأنفاس المضطرمة المؤمنة تصعّد البخور من مجامر الطيب، أو العطور من نوافح الروض. هناك يقف المسلمون في هذا الحشر الدنيوي، حيث وقف صاحب الرسالة وحواريو النبوة وخلفاء الدعوة وأمراء العرب وملوك الإسلام وملايين الحجيج من مختلف الألوان والألسن، فيمزجون الذكرى بالذكر، ويصلون النظر بالفكر، ويذكرون في هذه البقعة المحدودة وفي تلك الساعة الموعودة، كيف اتصلت هنا السماء بالأرض، ونزل الدين على الدنيا، ونبتت من هذه الصحراء الجديبة جنات الشرق والغرب وثمرات العقل والقلب، وبينات الهدى والسكينة).


أيام في الأراضي المقدسة
ونجد أنيس منصور يسجل في كتابه (أيام في الأراضي المقدسة)، قصة أطهر وأقدس رحلة قام بها، بل أهم رحلات حياته على الإطلاق، وهي رحلته إلى الحج، حيث يبرز دور هذه الرحلة المباركة في حياته، ويعرض بأسلوبه الشيق العميق قصته بين الشك واليقين، بين الحيرة والاهتداء، ويتحدث عن رحلة حياته، منذ حفظ القرآن الكريم في فجر صباه، وتقلبه في مراحل الدراسة ومتاهات الفلسفة، ومراحل حياته المرهفة الذكاء، المعذبة بوفرة ما يصب فيها من ألوان المعرفة، وما يتفجر عنها من المشاعر والأفكار.
ويسجل الانقلاب والتغيير الذي حدث في فكره وعقله بعد رحلة الحج، ويصور ذلك في لوحة أدبية رائعة، فيقول: (إنني لا أدعو إلى دين جديد، إنما إلى إحساس جديد بالدين، كأنني كنت نائماً وصحوت على ضوء الفجر، أو كنت ساهراً فامتدت ملايين الأصابع تهدئ كل ما هو نافر ناشز في رأسي وفي قلبي.
ماذا جرى لي؟ ما الذي جرى في داخلي؟ من أين جاء الماء ينساب عذباً رقيقاً، أهي الأحجار ذابت فتحولت مجرى ونهراً؟ أهي الحياة انطلقت ضياء؟ ما الذي أضفته إلى نفسي؟ إنني أضفت قلبي إلى عقلي، أضفت نفسي إلى نفسي. لقد انضم مجراي إلى محيط هادئ عميق، أو إلى الهدوء العميق، أو الأعماق الهادئة أو إلى الشيء الكبير الجليل وراء هذه الأشياء الصغيرة؛ إلى هذا الصفاء الدائم).


ود وعشق لأرض النبوة
أما الشيخ علي الطنطاوي، شيخ أدباء الشام وأديب القضاة؛ فيسجل في ذكرياته وده وعشقه لأرض النبوة، فيقول: (هل أستطيع أن أصور المشاعر والعواطف التي ينطوي عليها قلبي لمكة أمِّ القرى، وقبلة المسلمين، ومبعث النور، وأحب البلاد إليّ بعد بلدي؟! لا، بل قبل بلدي، فهي بلدي الأول، وبلد كل مسلم).
ويقول: (أرأيتم المغناطيس كيف يجذب قطع الحديد من حوله، كذلك تجذب مكة الناس، ولست أدري لماذا يذهب أهلها، فيسيحون في البلدان، والبلدان كلها تكون كل سنة هنا؟! تدور حول هذا البيت من الغرب إلى الشرق، كما تدور الأفلاك على قطبها، فكأن كل حاج كوكب، وهذا المطاف هو الفضاء الأرحب الذي تسبح فيه النجوم والكواكب).
ويتحدث عن عرفات بأسلوب أدبي راقٍ، مبيناً ما يتجلى فيه من روحانيات ومساواة بين الناس، فيقول: (عرفات، إنها لن ترى عينُ البشر مَشهدًا آخَرَ مثله، هيهاتَ ما في الدنيا ثانٍ لهذا المشهد العَظيم، ولقد يجتمع في المعارض والألعاب الأولمبية، واحتفالات التتويج في بلاد الغرب حُشود من الناس وحشود، ولكن شتانَ ما بين الفريقينِ، أولئك جاؤوا للمتعة والفرجة والتجارة، وحملوا معهم دُنْياهم، وقصدوا بَلدًا زاخرًا بأسباب اللذة والتَّسلية، وهؤلاء خَلَّوْا دنياهم وراء ظُهُورهم، ونزعوها عن أجسادهم ومِنْ قلوبهم، وقصدوا بلدًا قَفْرًا مُجْدِبًا، صحراءَ ما فيها ظلٌّ، ولا ماء، لا يريدون إلا وَجْه الله. وهو مَشهدٌ لو كان يَجوز أن يشهده غير مسلم لاقْتَرَحْتُ أن تجعله هيئة الأمم المتحدة عيدها الأكبر، إذْ هنا أُعْلِنَتْ حقوق الإنسان، لا كما أُعْلِنَتْ في الثورة الفرنسية، ولا كميثاق الأطلنطي الذي كتب على الماء؛ أعلنت قبل ذلك بأكثر من ألف سنة، وطُبّقَتْ حقيقةً يوم قام سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع، فأعْلَن الحرية، والمساواة، وحُرْمة الدماء، والمساكن، ووصّى بالنساء، وقَرّر لهن من ذلك اليوم الاستقلال الشخصي والمالي، مع أنَّ أكثر قوانين الأرض المدنية، لا تقر للمتزوجة في أموالها هذا الحق، وكان هذا المشهد في كل سَنة دليلاً قائماً يَمْلأ عُيون البشر وأسماعهم على أن ما قرَّرَه محمدٌ، صلى الله عليه وسلم، قد طُبّقَ أكمل التطبيق. مشهد يهدم الفروق كلها، فروق الطبقات، وفروق الألوان، وفروق الأجناس، الناس كلهم إخوة، لا ميزة لأحد على أحد إلا بالعمل الصالح، وإذا كان اللباس الرسمي في الحفلات والمواقف الرسمية ما تعرفون، فاللباس الرسمي هنا قطعتان من قماش فقط، لا خياطة، ولا أناقة، ولا زخرف، ولا يفترق في هذا المقام أكبرُ مَلِك عن أصغر شَحَّاذ، إنه مشهد عجيب، إنه أُعْجُوبة الأعاجيب).


العقاد ومشاعر فياضة
ومع أديب مصر عباس محمود العقاد؛ نرى صورة أدبية أخرى للمشاعر المقدسة؛ عندما زار الحجاز، وأدى مناسك الحج في عهد الملك عبدالعزيز -يرحمه الله. فقد عبر عن شعوره الجارف في البقاع المقدسة، فتحدث عن غار حراء، ثم أقبل على الكعبة فقال: مكان عند الكعبة كان له في قلوبنا الخشوع والرجوع مع الزمن إلى أيام الرسالة وأيام الجهاد؛ ذلك هو موقف الدعاء الذي كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يختار الوقوف فيه كلما طاف بالكعبة ودعا إلى الله.
أنت هنا ولا ريب في مقام قام فيه ذلك الرسول الكريم، الإنسان الذي يقترن اسمه في صلوات الألوف بعد الألوف باسم خالق الكون العظيم.
أنت هنا تقف حيث وقف، وتدعو حيث دعا، وتنظر حيث نظر، وتحوم بنفسك حيث حام في اليقظة لا في المنام. قيل لنا: هنا يستجاب الدعاء.
قلنا: نعم، هنا أخلق مكان أن يستجاب فيه دعاء، وألهم الله كلاً من الواقفين معنا أن يدعو دعاءه وأن يستجمع في الدنيا والآخرة رجاءه.
ثم يقول: منظر ثالث أخذني بجماله في جوار البيت الحرام، وهو منظر الحمام الآمن الوادع في ذلك المقام، لا يخشى ولا يفزع، بل يظل طوال نهاره في طواف على الأرض وطواف في الهواء. وأعجب ما سمعت ورأيت أنه يطوف حول الكعبة ولا يعلو عليها فرادى ولا جماعات. وقد سمعت بهذه الخاصة في حمام البيت قبل أن أراه، فلما رأيته في طواف العمرة وطواف الوداع، تحريت أن أتعقبه في كل مذهب من مذاهب مطاره، فإذا هو كما سمعت يطوف ولا يتعدى المطاف إلى العبور، أدب الناس في هذا المقام المهيب نعرف سره ونعرف مصدر الوحي منه إلى القلوب الآدمية. أما أدب الطير في هذا المقام فسره عند الله.


جارودي وفلسفة الحج
ونجد المفكر والفيلسوف الفرنسي (رجاء جارودي)؛ يقدم فلسفة الحج، وموقع الكعبة في الفكر والقلب، مسجلاً ذلك في كتابه (المسجد مرآة الإسلام). فهو ينظر إلى الكعبة كمركز للعالم، وقلب الوجود لأكثر من مليار مسلم في العالم، يقول: الكعبة في أعين ما يقرب من مليار مسلم مركز العالم وقلب الوجود، إنها المحرك الثابت لدورة الحج الدموية، ومحط أنظار المحاريب كلها، والبيت الذي يطوف به كل حاج سبع مرات، كما تطوف الكواكب بشمسها. وبسبب ما، لبنائها الحجري المكعب، من بساطة هندسية؛ يبدو أن الكعبة تتمخض عن جميع أماكن الصلاة، وكأنها تنعكس فيها على وجه الإجمال طريقه بناء مساجد العالم كلها التي تتحكم في تنظيم جدرانها وتوجيهها، ويرمز الفراغ الداخلي الذي ينطوي عليه هذا المعبد الخالي من الأوثان إلى النفس التي تصل إلى الله بعد إفراغ نفسها من أغراضها الشخصية وأهوائها.
قد يشعر الحاج جسمياً بهذا الفراغ وبجاذبيته وسحره، بعد طوافه بالكعبة سبع مرات وسعيه بين الصفا والمروة سبعة أشواط، وبعد صلاته في أحد الأروقة الداخلية بالحرم.


الطواف سيل عرم
ثم يتحدث جارودي عن المسلمين وهم يطوفون، فيقول في كتابه: إنهم يطوفون حول الكعبة على خلاف عقارب الساعة، كأنهم يعاكسون انحرافات التاريخ، ليعود إلى ينابيع الأنبياء، محمد، عيسى، موسى، حتى إبراهيم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إبراهيم الحنيف الذي يقول القرآن الكريم عنه: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ..).
واستمرت العجلة تدور في اتجاه مخالف لعقارب الساعة، وفي السيل العرم لا يمكن تبين ما فيه من الوجوه، وكل ما يمكن تبينه هو تعاظم الأمواج البشرية التي تتكشف قرب الحجر الأسود، ثم نقاط بياض بيض الإزار والرداء اللذين يواريان كل حاج محرم، ونقاط سود سواد الثياب الطويلة التي تواري النساء اللواتي يسفرن كلهن عن وجوههن. ومن حول حلقه الطائفين نتبين محامل يحمل فيها الشيوخ والعجزة والمعوقون ليطاف بهم أيضاً.
ويتعمق جارودي في نفسية الطائفين حول الكعبة، فيقول: إن الوعي لدى هذا السيل البشري ليس وعياً فردياً فحسب؛ ولكنه أيضاً وعي بالانتماء إلى أمة، إننا نسمع انسياب الأقدام الحافية على مرمر صحن الحرام، لقد كانوا من قبل في أعالي الجبال المحيطة بمكة، وها هم اليوم ينامون في المسجد، وفي الشوارع وعلى الأرصفة وعلى بسط الصلاة والحصر وعلى أسمالهم، إنهم قدموا من نواحٍ شتى ولكن هتافهم اليوم واحد:
(لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك
إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك)

 


خدمات المحتوى


تقييم
8.50/10 (2 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى