صحيفة جديد العرب الدولية
الخميس 21 سبتمبر 2017

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

بدايات تشتعل من جديد
03-09-17 10:38
محمد عطية محمود: مصر
في البدء، كنت أظنه بدايات لألم الانسحاب لمن ذاق مرارة الاعتياد، وعرف، ثم تجرأ على محاولات الخروج منه، أملاً في شفاء قد يجيء مع الصبر والتحمل وتجشم الصعاب هرباً من نبع كان يسري خدره في الأوصال، يقتلع الروح من مكامنها بالجسد، يعرج بها في مدارات لا تُحتمل خفتها ولا حبورها الزائد عن حد الدهشة المتأبية على مساءلة الروح:

إلى أين المسير؟! وهل من حل؟ هل هناك مشروب سحري يزيل الألم ويعيد الاتزان بمجرد ارتشاف أول رشفة منه ساخناً، فيقصي الصداع المزمن ويعدل المزاج المعتل؟! ويحلق بك بعيداً في أروقة الحياة، بعيداً عن صخب داخلك كل صباح.

لم يكن بدءاً، بل كان بدء انتهاء من حالة سُكر بيّن كانت تسكن أعطاف القلب، يحيل نبضه الهادئ إلى ثورة تجتاح الكيان. يضطرب معها إيقاع الوجود، تتحول الكائنات شديدة الرهافة المرتبطة بالروح إلى نسمات تعانق الرياح، تحول الجمادات إلى كيانات أرهف يمتد فيها الحس، تبعث فيها الروح، تتمطى في أردية من حرير ونور، ويختلف شكل العالم، تجعل الصيف ربيعاً حقيقياً، والشتاء جنة لمطر يُنبتُ للوجود أجنحة، تحرك المكامن، تطلق عصافير الروح والقلب معاً كي يجسدا سيمفونية للغياب في الحلم الموشى بالأمل الغارق في مخملية ليل لا ينتهي.

ربما راودتك تلك الخاطرة، وأنت ترتشف أول رشفة من كوب الشاي الاستثنائي الذي غالباً ما تلجأ إليه عقب بلعك لأول كوب قهوة صباحي، طالما اعتقدت أنها تُسكن آلام الصحو المعتادة، مقترنة بأدخنة صباحية مزعجة -غير استثنائية- تدنيك من دوائر الحيرة والشرود أكثر مما تأخذك منها، وتجعل أفكارك مشدودة بلجام مع تلك التي تراودني في مساحات ليل فكري عاصف، وسهاد مضن وأرق مزمن، لا يشفع معه تعب الجسد المنهك من فعاليات نهارات ممتدة، ما يضغط ربما ليقتل مكامن الشعور بالألم، فتظل مغيباً بفعل التخدير.

لا، لم يكن انتهاء؛ كان بدايات تشتعل من جديد، تورق في أغصان الشجرة -التي كانت عجفاء- أوراقاً متجددة تحل محل ما ذبل واحترق وما ذرته الريح وما ضاع هباء، وما ظن الفؤاد العليل أنه غادر كي يأتيه شفاء -عاجلاً كان أم آجلاً- يعصف بأحوال الرائي، الذي يفقد ساعتها قدرته على التبصر والتدبر، ويغيب عنه الخيال، وربما غابت الحكمة، وعافته الإجابات المخلِّصة، وعجزت عن مجاراة الأسئلة التي ربما فقدت معانيها، وغاصت في أعماق الحيرة ودهاليزها، يرتحل في اللاوعي، يهيم في أشياء صارت سِفراً من أسفار التذكار والشغب المتربص في كل الزوايا، تلوذ إليه الأفكار والتخيلات والاستفهامات، تبدو الطرق كلها تؤدي إلى ذات النبع، وذات الخدر السادر في صميم الأوردة، يتراكم على حجرات القلب، يجمدها بتنميلة توسع مدى تأثيرها، تفترش القلب، في انتظار اكتمال دورة من دورات الانسحاب.

 


خدمات المحتوى


تقييم
8.50/10 (3 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى