صحيفة جديد العرب الدولية
الثلاثاء 17 أكتوبر 2017

جديد الأخبار


لإضافة خبر/مقالة

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

الأخبار
ملفات وتقارير
رياح الإرهاب تهزّ اقتصاد العالم
رياح الإرهاب تهزّ اقتصاد العالم
30-11-16 09:41
يحاول هذا المقال، استناداً إلى أرقام وتحليلات وردت في تقارير ومقالات في الصحافة العالمية ووثائق رسميّة، أن يقدِّم نظرة تمثيلية حول حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الأعمال الإرهابية التي عرفت تصاعداً خطيراً في السنوات الأخيرة وأسفرت، حسب آخر تقرير من المؤشر العالمي للإرهاب، عن قتل حوالي 33 ألف شخص سنة 2014 بارتفاع بلغت نسبته 80 في المئة مقارنة مع سنة 2013، فيما بلغت الخسائر التي تسببت فيها 52.9 مليار دولار.





جمال الموساوي



لم تعد الأعمال الإرهابية أعمالاً معزولة كما كان عليه الأمر في الماضي، وانتقلت أهدافها من الرغبة في إثارة الانتباه إلى قضية من القضايا أو الانتقام، إلى عمليات أكثر دموية تسعى لزرع الرعب كهدف أول. وكما تبدّلت الأهداف، فقد توسَّعت رقعة الاستهداف، بحيث لم يبقَ هناك تقريباً بلد آمن بشكل كامل، بالرغم من أن نتائج المؤشر المذكور تشير إلى وجود 37 دولة تنعدم فيها مخاطر الإرهاب من بينها دولتان عربيتان هما قطر وعمان.

في هذا السياق، تبدو مشاهد القتل وجثث الضحايا هي النتائج الأولية المباشرة للإرهاب. خلال ذلك تكون للعواطف الكلمة العليا، حيث يسود التنديد والتضامن. فعند وقوع عملية إرهابية لا يستحضر الناس التبعات الاقتصادية، أولاً لأن الإرهابيين غير معنيين، في الغالب، بتحديد حجم الخسائر الاقتصادية(1)، لأن أكثر ما يهمهم هو إسقاط أكبر عدد من الضحايا، ومن الأفضل أن يكون هؤلاء من جنسيات مختلفة، بحيث ينتشر الرعب عبر العالم، كما حدث عند تفجير مقهى أركانة بمراكش في المغرب قبل أربع سنوات، وعملية سوسة في تونس، وصولاً إلى عمليات باريس واحتجاز رهائن في فندقٍ في باماكو خلال سنة 2015 كأمثلة للاستئناس. وثانياً لأن الدول المستهدفة لا تكون قد رتّبت أمورها بشكل يسمح بالتقدير الفوري للخسائر اعتباراً لكون الإرهاب أمراً عارضاً، وأن تداعياته ليست بالضرورة آنية، بل قد تحتاج لعدّة أشهر وربما سنوات لتصبح واضحة. بمعنى آخر، يحتاج الاقتصاد إلى وقت ليحصي خسائره وإلى وقت أطول ليتعافى، وبين الصدمة والتعافي ينبغي العمل على عِدّة واجهات، خاصة إذا كانت الفترةُ فترةَ ركود أو أزمة وليست فترة نمو وازدهار.



الولايات المتحدة الأميركية: تكاليف الحرب على الإرهاب نزيف متواصل منذ 2001



انطلاقاً من الوعي بهذه الحيثيات يمكن أن نفهم سبب إحجام الولايات المتحدة الأميركية عن الدخول في حرب برية مع إرهابيي داعش في سورية والعراق، والاكتفاء بالضربات الجوية، مع أن حربها على الإرهاب لم تتوقّف، عملياً، منذ أحداث سبتمبر 2001. إن خسائر الاقتصاد الأميركي لم تقف عند المخلفات المباشرة لتلك الأحداث التي بلغت حسب تقديرات متباينة ما بين 25 و80 مليار دولار، بل امتدت للسنوات التي تلتها من خلال الرفع من الميزانية المخصّصة للنفقات العسكرية، بما في ذلك إرسال جنودٍ إلى أفغانستان والعراق، بنحو 100 مليار دولار سنوياً بين 2001 و2011، بالإضافة إلى المتطلبات الأخري للحرب التي رفعت مجموع النفقات إلى ما بين 3200 و4000 مليار دولار (أرقام غير نهائية) حسب دراسة أعدها لجامعة براون الأميركية حوالي عشرين من الباحثين الاقتصاديين والسياسيين والأنثربولوجيين ورجال القانون، ونشرت سنة (2)2011. لقد تسبّبت عمليات 11 سبتمبر ودخول الولايات المتحدة في مستنقع حرب العراق وأفغانستان في رفع الدين العمومي الأميركي بشكل غير مسبوق، وفي ارتفاع عجز الميزانية ونقص الاستثمارات وارتفاع معدل البطالة وصولاً إلى استنتاجات بعض الاقتصاديين الذين يعتقدون أن الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة بعد 2001 تمثل أحد جذور الأزمة المالية التي بدأت في أواخر سنة 2007 وتطوّرت إلى أزمة اقتصادية عالمية.



فرنسا: 815 مليون أورو نفقات أمنية وعسكرية إضافية



لقد كانت أحداث 11 سبتمبر منعطفاً للإرهاب الذي تشظّى شرقاً وغرباً. وإذا كان الاقتصاد الأميركي قوياً ومرتكزاته متنوّعة وأذرعه من الشركات العملاقة تحقّق أداء عالياً في مختلف أنحاء العالم مما يؤهله للصمود والمقاومة، فإن عدداً من البلدان الأخرى الأضعف أو الأقلّ قوة، تكون الخسائر التي تتكبدها أشدّ وقعاً على اقتصادها(3) بما فيها دول أوروبية وعربية وإفريقية.

وتبدو فرنسا في هذا الخضم مثلاً في منطقة وسطى بين القوة والضعف. لقد شهدت في السابق عمليات إرهابية لكنها لم تكن بفداحة عمليات الجمعة 13 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لا على مستوى عدد الضحايا ولا على مستوى الخسائر الاقتصادية. ومن المحتمل أن تساهم هذه العمليات في انتكاس التوقّعات بانتعاش الاقتصاد الفرنسي بعد عِدّة سنوات من الأزمة. فبالرغم من النبرة التي تحاول التخفيف من حِدّة التخوّفات بالتأكيد على التوقعات بشأن نسبة النمو السنوي في حدود 1.2 في المئة برسم سنة 2015، كشف البنك المركزي الفرنسي في بلاغٍ أن نسبة النمو في الفصل الأخير من العام الجاري مرشح للتراجع بنقطة واحدة من 0.4 في المئة إلى 0.3 في المئة أي ما يعادل 500 مليون أورو كنتيجة على المدى القصير جداً.

إن ضربتين إرهابيتين في أقلّ من سنة(4)، ستدفعان فرنسا بلا شك إلى اتّخاذ إجراءات سيكون لها تأثير أكيد على حيوية اقتصادها. وكما فعلت الولايات المتحدة الأميركية بعد 11 سبتمبر، كان أول قرارات الدولة الفرنسية إعلان الحرب على الإرهاب وإرسال حاملة الطائرات شارل ديغول إلى الشرق الأوسط لتكثيف العمليات العسكرية ضد «داعش» في سورية، وهو ما ينبئ بالسيناريو ذاته، أي بارتفاع مهم في النفقات العسكرية في الميزانية العامة لتمويل هذه الحرب ابتداء من سنة 2016. الرئيس الفرنسي في خطاب ألقاه نهاية شهر إبريل/نيسان الماضي أشار إلى أن ميزانية وزارة الدفاع ستتعزّز بما قدره 3.8 مليار أورو على مدى أربع سنوات بدءاً من 2016 وذلك في أعقاب العملية الإرهابية ضد صحيفة شارلي إيبدو، إلّا أنه من الوارد بعد أحداث شهر نوفمبر/تشرين الثاني الأخير أن ترتفع هذه الاعتمادات أكثر في إطار ما أسمته الحكومة بـ«الميثاق الأمني»، حيث تَمّ رصد اعتمادات إضافية للإجراءات الأمنية موزّعة على وزارات الدفاع والداخلية والعدل والجمارك والمديرية العامة للأمن الخارجي بلغت 815 مليون أورو، وذلك في ميزانية سنة 2016 التي عرفت بالمقابل تخفيض الاعتمادات المرصودة للمساعدات العمومية للتنمية الموجهة للبلدان الفقيرة بمبلغ 170 مليون أورو مما أثار غضب المنظمات غير الحكومية العاملة في هذا المجال.

ومن المؤكّد أن الضغوط الناجمة عن هذه الوضعية ستزداد إيلاماً، إذ سيكون على فرنسا فرض قيود على تنقُّل الأشخاص والسلع، خاصة في علاقتها بعدد من الدول العربية، التي يفترض أن العناصر الإرهابية تنحدر منها وتمثل في نفس الوقت شركاء على درجة كبيرة من الأهمية، وهو الأمر الذي سيؤثر على حركة المبادلات وعلى الميزان التجاري وعلى مردودية الملاحة الجوية، وعلى الحركة التجارية في فرنسا بشكل عام، خاصة أن باريس تستقبل خلال شهر يناير أعداداً كبيرة من المتسوقين الأجانب (منهم أعداد مهمة من العرب) للاستفادة من التخفيضات التي تعرفها هذه الفترة من السنة. في هذا السياق، جدير بالتذكير أنه في أعقاب حادثة شارلي إيبدو انخفض رقم معاملات المحلات التجارية الكبرى، حسب وزير الاقتصاد الفرنسي، بنسبة تراوحت بين 10 و 18 في المئة. وهذه الوضعية من شأنها أن تكون أكثر قسوة هذه السنة بالنظر إلى طبيعة الأماكن التي تَمّ استهدافها يوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني (مطاعم ومقاهٍ وقاعة للعروض وملعب لكرة القدم....).



تونس: الإرهاب يقوّض اقتصاد ما بعد الياسمين



بمقدور اقتصاد متماسك وقوي مثل الاقتصاد الأميركي، أو متماسك تقريباً مثل الاقتصاد الفرنسي أن يقاوم التداعيات الوخيمة للعمليات الإرهابية وأن يبدأ في التعافي في وقت أقلّ نسبياً من اقتصاد هشّ مثل اقتصاد تونس. هذا البلد الذي أطلق شرارات «الربيع العربي» لم يشفع له ذلك ليكون في مأمن. فقد بلغ عدد الهجمات الإرهابية بين 2012 و2015 أزيد من 15 عملية أودت بحياة عشرات الضحايا محتلاً المركز 47 في المؤشر العالمي للإرهاب. من بين هذه الأحداث يظلّ حادث فندق سوسة خلال يونيو 2015 الأكثر عنفاً ودموية وتأثيراً أيضاً على الاقتصاد التونسي المعتمد كثيراً على القطاع السياحي (نحو 7 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي، ويُشغّل عدداً مهماً من التونسيين). وقد كلّفت هذه العملية التي خلّفت 38 قتيلاً من السياح خسائر اقتصادية مباشرة قُدّرت بنحو 450 مليون أورو.

بيد أن السياحة لن تكون القطاع الوحيد الذي سيتأثر. صحيح أن أرقاماً رسمية تشير إلى تراجع الحجوزات بعد العملية مباشرة بنحو 60 في المئة والإيرادات بنحو 33 في المئة خلال الأشهر العشرة الأولى من 2015، إلّا أن نظرة شاملة إلى الخسائر المحتملة لاقتصادٍ يحاول أن ينهض على أسس جديدة بعد أحداث سنة 2011 لن تقتصر على ذلك. فالحسابات الوطنية(5) للربع الثالث من هذه السنة تؤكِّد تراجع الناتج الداخلي الإجمالي بنسبة 0.1 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2014، نتيجة النمو السلبي (-5.2 في المئة) للقطاع الصناعي وتراجع نمو قطاع الخدمات (المسوقة) بما فيها الفنادق والمقاهي والنقل بنسبة 0.9 في المئة.

كما أن مشروع قانون المالية لسنة 2016، يستحضر هاجس محاربة الإرهاب بالتأكيد على «مقاومة الإرهاب، خاصة بعد عمليتي باردو وسوسة، بإعطاء الأولوية المطلقة للجانب الأمني وذلك بتدعيم قدرات وجاهزية الجيش الوطني وقوات الأمن والجمارك»(6)، وهو ما يعني، على غِرار ما قامت به فرنسا، الرفع من الاعتمادات المالية المخصّصة لهذه القطاعات على حساب القطاعات الاجتماعية والاستثمار التي من شأنها خلق الثروة والرفع من نسبة النمو وتوفير فرص الشغل.

ربما سيكون على الحكومات عبر العالم إعادة النظر في الكثير من المبادئ التي جاءت مع العولمة، خاصة ما يتعلّق بانتقال الأشخاص والسلع باتجاه فرض قيود صارمة. وستضطر، إذا أرادت الحدّ من خسائر الإرهاب، إلى تعزيز التعاون في مجال تبادل المعلومات بعيداً عن الحسابات والخلافات السياسية مادامت جميع الدول معنية ومستهدفة.

لكن المقاربة الأمنية لن تكون كافية وحدها لدفع الخطر. لذلك من المهم محاصرة منابع الإرهاب بسياسات اقتصادية تهدف إلى إدماج الفئات المقصية اجتماعياً، بحيث لا ينبغي أن يؤثر الرفع من الاعتمادات المالية المخصّصة للإجراءات الأمنية على قدرة هذه السياسات على تحقيق النمو، وخلق فرص الشغل، ومن ثَمّ توفير البديل للإغراءات التي تعرضها الجماعات الإرهابية على هذه الفئات.



هوامش:

1 - باستثناء أحداث 11 سبتمير 2001 التي كانت أهدافها الاقتصادية واضحة باستهداف المركز التجاري العالمي في نيويورك.

2 - تَمّ تحينها سنة 2014... انظر موقع الجامعة HTTP://WATSON.BROWN.EDU/COSTSOFWAR/

3 - انظر عدد يونيو 2015 من نشرة «التمويل التنمية» للبنك الدولي، ص 26.

4 - في يناير 2015 تَمّ الهجوم على مقرّ صحيفة شارلي إيبدو.

5 - المعهد الوطني التونسي للإحصاء HTTP://WWW.INS.NAT.TN/CO

 


خدمات المحتوى


تقييم
5.91/10 (7 صوت)

مع جديد العرب .. جرب



Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى