صحيفة جديد العرب الدولية
الأحد 25 يونيو 2017

جديد الأخبار


المتواجدون الآن


تغذيات RSS

صورة أمه
06-10-16 09:17
رأى السلم أمامه ولا يملك الاتجاه إليه، والباب الذي خرج منه للتو لايزال مفتوحاً خلفه، أضواؤه تمتد لأقصى ما تستطيع لتضم جسده بين ثناياها، ورغم هذا لا يستطيع الرجوع إليه، تتسارع ضربات قلبه، تصرخ في فضاء صدره، والعرق يفيض، يغمر وجهه وعينيه، تتوه الرؤى عبر تماهي الأشياء من حوله.. توقف عن السير ومد يده ليستند على الجدار بجواره، موعد السفر يقترب، لا مجال لتأخير الآن، عليه أن يتحرك، الطريق إلى المطار طويل، إذا لم يمض فوراً لن يلحق بالطائرة، مد قدمه للأمام، أبت أن تتحرك، أمه من داخل الشقة ترقب خطواته، تحيط أعينها به، تتابع لفتاته قبل أن يأخذه ظلام السلم إلى المجهول، منذ لحظات قليلة أخذته بين جناحيها، صبت بين جناحيه أدعيتها، أوصته بنفسه خيراً، قالت:
- امض ودع الأمر لصاحب الأمر.
حدّق في عينيها، تجلس على الأريكة العتيقة وسط الردهة، يدها تسند خدها المتشقق من أثر البكاء، صرخ صمته الحائر:
-كيف أتركك وحدك؟
تبسمت عيناها وهي تطمئنه، تقول إنه لا شيء سيتغير، بل العكس سيحدث إذ ستفكر فيه أكثر وتتصل وتطمئن عليه، لن يغيب عنها لأنه سيظل معها.. تحركت قدمه اليمنى خطوة إلى الأمام.
***
من طيات الهواء حوله بزغت صورة أمه، رآها تأتيه عن يمينه، تعملقت أمام عينيه، بدت له وهي على مقعدها وسط الردهة، تسند خدها المتشقق من أثر البكاء بيدها الواهنة ذات العروق النافرة، عيناها تحادثان الجدران والصور والفراغ من حولها، تنادي ولداً لا يسمع ولا يجيب، تركها وحيدة في عمرها هذا.. ارتعدت نظراته، هز رأسه هرباً منها، طالعه الهواء من جديد بصورتها وهي على فراش مرضها، همساتها المتقطعة تناديه، ازداد ارتعاده، رأى الموت يطالعه على وجهها وهي وحيدة إلا من سكون موحش وصمت حزين.. صرخت نبضاته، أغلق عينيه بقوة، عادت قدمه اليمنى خطوة إلى الخلف.
***
رأى مكان عمله البعيد تبزغ صورته لعينيه، تأتيه عن شماله مضببة قليلاً قبل أن تتضح وتسطع وتملأ الكون حوله، الفرصة لا تتكرر مرتين، يسعى إليها الكثيرون وهي كالعروس الرائعة لا تقبل إلا بمن يجتاز من أجلها أقسى الاختبارات، مجرد التفكير في تركها بعد هذا جنون، والبقاء هنا دون عمل موت بطيء، ثم إذا بقي كيف يعين أمه بلا مورد، ماذا سيتبقى له إلا هزيمة الروح، محال أن يتركها.. تحركت قدمه اليسرى خطوة للأمام.
***
اقترب السلم ناحيته، رأى درجاته تتدارك هابطة إلى أدنى، الظلمة تبدو لعينيه هوة بلا انتهاء، عادت قدمه اليسرى ثانية للخلف حيث النور ما يزال يضمه بحنو، لن يترك أمه وليكن ما يكون، شعر بثقل الحقيبة يدعوه للتحرك، فاجأه خاطر جديد، سيأخذ مكانه في العمل آخرون، كلهم يتمنى هذا، تأججت النيران في صدره، رأى عينيه رغماً عنه تنظران للأمام، انهمرت على أذنيه حروف من حنان قائلة له:
- مع السلامة يا ابني
دقت الحروف جدران قلبه، صلصل صوتها في فراغ صدره، أنار ضياها عتمة الكون حوله، استدار قلبه نحوها:
- ستأتين معي!!


نادية أحمد محمود : مصر

 


خدمات المحتوى


تقييم
1.83/10 (8 صوت)




Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى