صحيفة جديد العرب الدولية
الجمعة 18 أغسطس 2017

جديد الأخبار


المتواجدون الآن


تغذيات RSS

مسألة شخصية
18-08-16 09:58
قبلَ أن تصحو شمسَ ذلك اليوم من سباتها القصير، وترسل خيوطها الذهبية على كوكبنا الحزين هذا، مات جارنا العجوز وأغمض عينيه للأبد.
ورغم أنني كنت أحس برحيله الوشيك وأحدس به، فقد تسلل الحزن لقلبي وبكيته كصديق وجار بالرغم من الأذى الذي سببه لي بصداقتي معه!
اعتدت رؤيته، في خروجي لممارسة رياضة الصباح اليومية.
عند عودتي بعد مسير ساعة أكثر أو أقل، يلوح لي بيده ويشير بأن القهوة بانتظاري، وكثيراً ما كنت أمتثل لرغبته ونحتسي القهوة في حديقته بأزهارها المتفتحة التي زرعها بنفسه ويعتني بها طوال الوقت كما أخبرني، وأحياناً كنا نجلس في الصالون داخل منزله الدافئ ونرقب المطر المتساقط بغزارة في الخارج، حينها يبدأ بسرد حكايات وأخبار وقصص مرت به أو مر بها في حياته.
وهكذا صرنا أصدقاء بعد أن كنا جيراناً لا نعرفُ بعضنا.
كنتُ أبوحُ له بلا تحفظ بما أخبئه وبما يدعني قلقة بلا نوم حتى الفجر، بعد أن يبدأ باستجوابي كطفلة مذنبةٍ بين يديه. فأبدأ بسرد الأمر كما لوكنت أعد من الرقم (1) إلى الرقم (10) على أصابعي بلا خطأ أو تردد.
أراه يقفُ أمامي بقامته المنحنية بلا عصاه، محاولاً الاستقامة بصعوبة، ويبدأ بالصراخ في وجهي: غبية، أنت أغبى امرأة أقابلها، أجل.. كان يتوجب عليك أن تكوني أكثر حذراً ووعياً وتقولي له: لا. أو أن تنسحبي على الفور من المشهد كله لتخرجي من حياته مرة واحدة وللأبد، ويضيف موبخاً: هذا رجل سيء لا يحبك.
لكنني أحبه.. أجيبه من بين دموعي.
لا، لا.. هذا رجل لا يعرف الحب، ولو كان يحبك كما يزعم لما وضعك بهذه الحالة.. انظري بالمرآة، حدقي بوجهك، هذا ليس بوجه امرأة، وجه يشبه وجهاً.. وهذه ليست بعينيك، ما هذا؟ هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ أين عيناك المتوهجة؟ أغربي عن وجهي الآن وعودي غداً كما كنت أراك امرأة تضج نشاطاً وحياة. وكنت أخرج مستاءة وأنا أتساءل لماذا يشتمني حتى لو كان الأمر يستحق ذلك؟ أهرع لغرفتي وأحدق طويلاً بالمرآة، ولدهشتي أكون كما أخبرني موبخاً: وجه شاحب بعينين غائرتين تحيط بهما هالات غامقة بنية كسوار بمعصم.
kkk
ذات صباح كانوني بارد تفوح منه رائحة المطر خرجت كالمعتاد، وما أن سرت بالطريق قليلاً، نسيت أن أشير إلى بيته الصغير الذي يقع مقابل بيتنا، وسط أشجار سرو عالية تحيط به من مدخله الأمامي فتحجب البيت الصغير أو تكاد تبدو حديقته كغابة صغيرة تضفي على البيت غموضاً لطالما أحببت أن أكتشفه. ظهر لي من بين الأشجار ليخبرني: سأعد فطوراً شهياً لحين عودتك سأنتظرك، وأضاف آمراً: إياك أن تتأخري!.
وبلا تردد أدرت رأسي علامة الموافقة وأنا أبتسم.
عند عودتي وجدت أنه قد أعد سفرة شهية: زبدة ومربى المشمش هذا ما أحبه: المربى، بيض مسلوق، زيتون أسود، وهناك الزيت والزعتر.
أثناء انهماكي بالطعام، انتبهت إلى أنه لم يأكل ولو لقمة واحدة مكتفياً بمراقبتي بعينيه الشاحبتين. أنت لا تأكل.. لماذا؟ سألته.
تأخرتِ فخشيتُ أن أتأخَرَ بدوري عن موعد دوائي، فتناولتُ ما تيسَر من الزيت وكوبٍ من الحليبِ الساخن.
أحسستُ بالذنب، ولم أقل شيئاً.
ولكن لماذا تجلس مقابلي على السفرة وتراقبني أثناء الأكل؟ وددت أن أسأله. إلا أن سؤالي بقي حبيساً داخلي تجنباً لإحراجه، كنت ضيفته وفي بيته.
بعد أن انتهيت من فطوري، قادني من يدي للصالون لنحتسي القهوة.
صالونه يُشبه غرفة مخزن لبيتٍ كبيرٍ بأفراد عائلته، كان يكتظ بالموجودات المتراكمةِ فوق بعضها، فتوجست خيفة:
تبينتُ ألعابَ أطفالٍ تطغو على كل ما عداها: ساعة أطفالٍ قديمة سوداء بإطارٍ أبيض متوقفة عند الواحدة تماماً. فوق الطاولة ترقد قطة بيضاء مقابلها دبدوب صغير أحمر برقبته سلسال فضي. بالركن حصان خشبي بلونٍ بني ينتصبُ بقائمتيه الأماميتين كأنه في حلبة يستعد للجري. سيارة سباق معطلة سائقها وراء المقود بلا رأس. ومما لم أتبينه بوضوح.
تناولتُ الدبدوبَ الأحمر، خلعتُ سلساله الفضي ولبسته في عنقي، أخذتُ أرتشفُ قهوتي.
دون أن يحركَ رأسه، أدار عينيه حوله أكثر من مرة كأنما يفتش عن شيء تذكره الآن، بالتفاتةٍ سريعةٍ انتبهت أنها مغرقة بالدموع. بدا أنه يهمُ بقولِ شيء حبيس داخله، أو أنه يبحثُ عن طريقة مناسبةٍ لقوله. أو يفتشُ بأدراج ذاكرته محاولاً استرجاعه. فقد تخونه الذاكرة، والذاكرة لئيمة ومخاتلة: تخبئ ما لا نريدُ نسيانه هكذا.
نهض على قدميه بدون عصاه، وبدأ بالصراخ: منذ سنوات طويلة لا أرى أحداً، لا يزورني أحدٌ، ولا أزور أحداً. منذ.. أعني منذ أن رحل ابني فتىً يافعاً، ورغم أنني كنت أعلم بأنه سيموت يوماً ما قريباً، إلا أنني لم أصدق الأمر، وكنت أبعد التفكير به عن ذهني في كل ليلة، بعد أن أخبرني الطبيب بأنه يعاني نقصاً حيوياً في صفائحه الدموية. وأنه سيموت في نهاية الأمر.
فجأة اقترب مني، لوهلة لم أعرفه، انسحبت ملامحه وغابت وحلت محلها أخرى جديدة، هذا رجل لا أعرفه، فانكمشت على نفسي فوق الصوفة، تناولَ الدبدوب الأحمر من حضني صارخاً: هذا له.. اشتريته من أجله، يحب اللون الأحمر. والسلسال أين هو.. كيف تجرئين على سرقته؟ كيف؟ أحسست بالألم في عنقي وهو يقطعُ السلسال بقوةٍ لا أعرفُ من أين أتته دون أن أجرؤ على الصراخ.
اسمعي، ها.. اسمعي الآن أنتصي معي. فقط أنصتي إنني أسمع صوته ضاحكاً يناديني، وأخذ بالضحك بصوت مليء بالدموع. لا.. أنصتي قليلاً وأصيخي السمع أيتها الثرثارة: إنني أسمع آهات أنينه بالليل وأنا بجانبه متيقظاً حتى مطلع فجر يوم جديد، لتبدأ معاناته ثانية.
ألا تسمعين؟ لذت بالصمت.
اقتربَ مني ثانية، ظننتُ أنه سيصفعني، إلا أنه شدني من يدي بقوة وقال مزمجراً: ألا تسمعين؟ ألا تسمعين، ألا تسمعين تنهداته؟
أجل.. إنني مصغية.. قلت والدموع تنهمر من عيني بصمت.
تراخت قبضته وابتعد، دخل الغرفة الأخرى وعاد وهو يحمل بروازاً بإطار أبيض ينتهي طرفه الأيمن بشريط صغير أسود، وأخذ يحتضنه وهو يبكي كطفل ويقبل البرواز: هذا هو حسام. أجل حسام، إنني أفتقده الآن.. الآن؟ لماذا رحل سريعاً وتركني؟ لماذا؟ لماذا؟ أجيبي.
وتهاوى على الكنبة وأخذ ينشج بصوت خفيض وهو يشتم ويزفرُ محتضناً البرواز.
بقيت في مكاني أراقبه دون أن أحرك ساكناً وأنا أرتعد خوفاً، إلى أن بدأ يهدأ فسكنت ملامحه.
kkk
بهدوء نهضت من مقعدي، اقتربت منه، تناولت اللوحة من بين يديه، صعقت وأخذت بالبكاء فزعة، رميت بالبرواز في وجهة، ووليت هاربة.
كان البرواز مؤطراً بصورة كلب صيد أسود وضخم.

جميلة عمايرة : الأردن

 


خدمات المحتوى


تقييم
1.84/10 (8 صوت)




Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

صحيفة جديد العرب الدولية
صحيفة جديد العرب الدولية


الرئيسية |الصور |الأخبار |راسلنا | للأعلى